أصوات الشمال
الاثنين 11 شوال 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * أحاديث العشيات جنة الشعراء و تفاحة الكتاب   * الملتقي السنوي السادس لحفل الأخوة لسنة 2018 بمعهد الأندلس بستراسبورغ بفرنسا أيام 22.23و24 جوان 2018.   * كلية الآداب بجامعة عنابة تبحث عن الرهانات والتطبيق في الدرس اللساني العربي في حلقة نقاشية بقسم اللغة العربية    *  العلمانيون العرب و الإسلاميون و العروبيون..   * فلا تلطخ يديك بالدماء   * حوار مع المنشد الشاب فؤاد بختي التّلمساني    * قصة : جنيةُ الطريق   * قصة قصيرة جدا / ممضى أعلاه   * أمّ لسبعة أطفال تناشد وزيرة التضامن بالتدخل   * كاتبان يحاوران الفضاء الخانق   *  صابرحجازي يحاورالكاتب والباحث المغربي مجدالدين سعودي   * عيد هل مبشرا ورمضان ولى مسرعا..   * تكريم الشاعر عمر بوشيبي تكريسُ للثقافة    * زخّات الروح   * المرجعيات والخلفيات الحضارية لكرة القدم العالمية   *  في أصول الإستبداد العربي الإسلامي..و كيف صنع طاغية اليوم تاريخيا..   * أمّهات الرمل   * غرور   * وأسفاه...   * استنساخ الحكومات،     أرسل مشاركتك
من السرقات إلى التناص
بقلم : عبيد نصرالدين
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 3896 مرة ]
عبيد نصرالدين

توطئة
تنوعت الدراسات والمقاربات النقدية في العالم العربي، التي جعلت مهمتها تحقيق شعرية النص. ولما كان التناص في صورته الغربية الحديثة، من أبرز المنطلقات للدرس النقدي الحديث، فقد تضمنت دراسات عدة، مظاهر العودة إلى الثقافة العربية، رغبة في تجذير هذا المصطلح في الوعي النقدي، من خلال البحث في الموروث النقدي العربي القديم، عما يتلاقى مع هذا المصطلح أو يتقارب بصورة من الصور معه.
غير أن العلمية والموضوعية، تفترض ضرورة التفرقة في التعامل مع المصطلحات التي تتقارب أو تختلف مع التناص ومفهومه، حيث مازال هناك بعض الخلط مستمرا من قبل بعض النقاد المعاصرين، الذين يحاولون التوفيق بين مصطلحات النقد العربي القديم، والمصطلحات الحديثة الوافدة من ساحة النقد الغربي المعاصر، فيقومون بعملية تبادل الأمكنة والمواقع والمصطلحات، دون كبير اهتمام في التدقيق في حدود المصطلح، وتعيين أبعاده المعرفية، ولعل أهم هذه المصطلحات هو السرقة.
لقد تنوعت الحقول النقدية، التي رأى بعض النقاد العرب المعاصرين أنها تتصل بحقل التناص، فكانت مفاهيم السرقات الأدبية، والمعارضات الشعرية، والاقتباس، والتضمين، والحفظ الجيد، من المفاهيم المتداولة في الدرس النقدي، فذهب عبد الملك مرتاض إلى كون التناص هو( تبادل التأثر والعلاقات بين نص أدبي ما، ونصوص أدبية أخرى.) ، وهي فكرة عرفها الفكر النقدي العربي معرفة معمقة، تحت شكل السرقات الشعرية.
تبدو مثل هذه الرؤى، محاولة جادة لإيجاد مصطلحات من الموروث، تكون أكثر فاعلية لتحقيق شعرية النص، بإخضاعه للقراءة النقدية المؤسسة على منهج علمي، يستنطق أغوار النص، ويبرز إمكاناته الإبداعية، من خلال استلهام المنجز النقدي الغربي من جهة، واستحضار ملامح من النقد العربي القديم من ناحية أخرى، بعدما سيطر، ولزمن طويل على النقد العربي المعاصر-فيما عدا بعض الاستثناءات النادرة- التفسير والشرح السطحي المعجمي، امتدادا للنقد المدرسي المتبع في مؤسسة النقد العربي، التي كرست أهم دعائم المشابهة الأسلوبية والأحادية الفكرية، كما حدث في التأكيد على شروط عمودية الشعر، ومن ثم أسهمت في مصادرة تشكل دينامية الانتهاك ضمن الذائقة الجمالية، وساعدت على ترسيخ نقطة آخر السطر في التفكير والمقاربة النقدية على وجه العموم.
كان منطلق أغلب الباحثين الذين أحالوا على السرقات، أو التضمين، أو وقع الحافر على الحافر، مرتهنا إلى كون مصطلح التناص الحديث، يحتاج إلى إعادة درسه في إطار من الوعي النقدي العربي، ويأتي هذا من منطلق ترويض الخطاب النقدي لمفهوم "التناص"، ليناسب المصطلح الغربي Intertextualité (حتى يصبح متصرفا فيه، بالصوغ والاستنباط، لينصاع قالبه الصرفي، ويفرز صورا جديدة مبتكرة) . تسهم في إثراء الساحة النقدية، بما تقدمه من مقاربات، من شأنها إماطة اللثام عن قضايا عدة، تكتنف الممارسة النقدية المرتكزة على مفهوم التناص.
ولئن كان مصطلح التناص، مصطلحا واحدا عند النقاد الغربيين، وإن طوروا مفاهيمه، ودلالاته النقدية. فإنه ما يزال عند النقاد العرب يشكّل نقطة اختلاف على المستوى الاصطلاحي، ومرد هذا الاختلاف، ليس منشؤه، أصل المصطلح عند الغرب، وإنما يعود إليهم، في انتماءاتهم الفكرية والثقافية، وفي اطلاعهم عليه في هذه اللغة أو تلك، ولهذا تعددت مسمياته، وتنوعت من دارس إلى أخر، ومن قطر عربي إلى آخر. ذلك أن الخطاب النقدي العربي كان – وما يزال- فرديا، وقائما على الرؤية النقدية والفكرية الجزئية.
إن الحديث عن التناص ونشأته في الخطاب النقدي العربي، يوحي بأنه مفهوم، بمصطلح جديد لظاهرة أدبية قديمة، ذلك أنّ (ظاهرة تداخل النصوص هي سمة جوهرية في الثقافة العربية، حيث تتشكل العوالم الثقافية في ذاكرة الإنسان العربي، ممتزجة ومتداخلة في تشابك عجيب ومذهل) . ومن ثم، فإن النظر في طبيعة التأليفات النقدية العربية، يقدم صورة واضحة لوجود أصول لقضية التناص فيه.
لقد حاول كثير من الباحثين العرب المعاصرين، اقتفاء أثر التناص في الأدب القديم، وأظهروا وجوده فيها، تحت مسميات أخرى، وبأشكال تقترب في بعضها كثيرا من المصطلح الحديث، وقد أوضح محمد بنيس ذلك، وبيّن أن الشعرية العربية القديمة، قد فطنت لعلاقة النص بغيره من النصوص منذ الجاهلة، وضرب لذلك مثلا بالمقدمة الطللية، التي تعكس شكلا من سلطة النص، وقراءة أولية لعلاقة النصوص ببعضها، وللتداخل النصي بينها (فكون المقدمة الطللية تقتضي ذات التقليد الشعري من الوقوف والبكاء وذكر الدمن، فهذا إنما يفتح أفقا واسعا، لدخول القصائد في فضاء نصي متشابك، ووجود تربة خصبة للتفاعل النصي) . وعليه، فتتبع أصول التناص في الأدب العربي القديم، يؤدي إلى الوقوف على ملامح هذه الظاهرة بشكل من الأشكال، مثل الموازنة التي أقامها الآمدي بين أبي تمام والبحتري، والوساطة بين المتنبي وخصومه عند الجرجاني، ولما كانت السرقة، كما يرى جيرار جينيت، صنفا من أصناف التناص، يمكننا اعتبار أن كتب النقاد القدامى، مثل سرقات أبي تمام للقرطبي، وسرقات البحتري من أبي تمام للنصيبي، والإبانة عن سرقات المتنبي للحميدي، تظهر بشكل جلي، وجود ملمح التناص، مادام هذا الأخير، حسب بارت (قدر كل نص مهما كان جنسه) ، وذلك لأن (العمل الأدبي يدخل في شجرة نسب عريقة وممتدّة تماما، مثل الكائن البشري، فهو لا يأتي من فراغ، كما أنه لا يفضي إلى فراغ، إنه نتاج أدبي لغوي لكل ما سبقه من موروث أدبي، وهو بذرة خصبة، تؤول إلى نصوص تنتج عنه) . وعلى الرغم من وجود هذه الآثار الموحية بوعي النقاد القدامى وإدراكهم للظاهرة، وإن بشكل مختلف، و(الجدل الطويل الذي دار بين الذين درسوا هذه الظواهر، التي تتفاوت فيها الصلة بين النص الجديد والنص القديم) ، إلا أن هذا الجهد يدل على انشغال الثقافة العربية بعلاقة النصوص ببعضها بعض، وإدراك هؤلاء النقاد (للغة والأسلوب من جهة، وبنية الخطاب من جهة أخرى، وهكذا أنزلوا الأولى منزلة السرقة، والثانية منزلة الإجبار، الذي هو شرط أسبق في بناء الخطاب) . هذا، وقد مر التناص في النقد العربي، ببدايات غنية تحت مسميات نقدية تناسب عصوره القديمة، وتصورات الذين تناولوه.
يظهر في العصر الحديث، تحت تأثير الدراسات اللسانية والسميائية الغربية، بوصفه مصطلحا مستقلا، له نظرياته وتداعياته، وقد حظي باهتمام كبير من قبل الدارسين المعاصرين، لشيوعه في الدراسات النقدية الغربية، نتيجة التفاعل الثقافي، وتأثير المدارس الغربية في الأدب العربي.
انصبت دراسة التناص في الأدب العربي الحديث، أول الأمر في حقول الأدب المقارن والمثاقفة، ثم دخل الباحثون العرب في إشكالية المصطلح، نتيجة لاختلاف الترجمات، والمدارس النقدية، فمحمد بنيس يطلق عليه مصطلح " النص الغائب"، الذي يتركب بوصفه (بنية لغوية متميزة من مستويات معقدة من العلائق اللغوية الداخلية) والخارجية، ويسميه محمد مفتاح " التعالق النصي" حيث عرّفه بالقول: (التناص هو تعالق-الدخول في علاقة-نصوص مع نص، حدث بكيفيات مختلفة) . وهو تبني لتعريفات كريستفا وجينيت.
كما أضاف بعض النقاد، الكثير من الإضافات حول مصطلح التناص ضمن جوهره، فعرفه محمود جابر عباس بأنه (اعتماد نص من النصوص، على غيره من النصوص النثرية أو الشعرية القديمة أو المعاصرة، الشفاهية أو الكتابية العربية أو الأجنبية، ووجود صيغة من الصيغ العلائقية والبنيوية والتركيبية والتشكيلية والأسلوبية بين النصين) . وقد توسع بذكر التحولات التي تحدث في النص الجديد، نتيجة تضمينه للنص الأصلي، مع احتفاظ كل نص منهما بمزاياه، وتتركز قدرة الشاعر اللاحق، على تعميق إيحاءات النص، من خلال إعطائه أبعادا جديدة، تثريه وتعمقه، ويتم هذا التضمين للنصوص، والأفكار الأخرى السابقة عليه، بآليات (الاقتباس أو التضمين أو الإشارة أو ما شابه ذلك من المقروء الثقافي لدى أديب، بحيث تندمج هذه النصوص أو الأفكار مع النص الأصلي، وتندغم فيه، لتشكّل نصا جديدا، واحدا متكاملا) .
وعليه، فتعريفات التناص، كما قدمها النقاد الحداثيون، كثيرة ومتشعبة، وكلها تدور حول جوهر التناص، الذي يصب في كونه تأثر نص بنص سابق. هذا، وقد أحصى عزالدين المناصرة طائفة من المصطلحات العربية، المقابلة للمصطلح الفرنسي Intertextualité عند الباحثين العرب، مثل: التناص، النص الغائب، التداخل النصي، تفاعلية النصوص، التعالق النصي، التناصص، التناصية، الترابط النصي، وغيرها .كما أشار إلى المصطلحات الخاصة بآليات وأشكال التناص، والتي يراها خليطا من المصطلحات البلاغية العربية القديمة، والمصطلحات الغربية الحديثة، ومنها: الامتصاص، التحويل، الاجترار، التلاص، الاحتياز، الحوار، التذكر، المثاقفة، دراسة المصادر، التمطيط، الإحالة، المرجعية، التشاكل والتباين، التفاعل، التضمين، الانتحال، التذويب، الاستعادة، المحاكاة،وغيرها كثير.
تعتمد تقنية التناص، عموما، على إلغاء الحدود بين النص، والنصوص أو الوقائع أو الشخصيات، التي يضمنها الكاتب نصه الجديد، بحيث ترد موظفة ومذابة في النص، فتفتح أفاقا أخرى دينية وأدبية وتاريخية عدة، مما يجعل النص، ملتقى لأكثر من زمن، وأكثر من حدث، وأكثر من دلالة، تجعله غنيا حافلا بالدلالات والمعاني، ومن ثم فلا مفر من التناص و (لا فكاك للإنسان من شروطه الزمانية والمكانية ومحتوياتها) ، بحيث يصبح كل نص، إناء يحوي بشكل أو بآخر، أصداء نصوص أخرى، ومما لا شك فيه، أن الكاتب يتأثر بتراثه وثقافته، ويبني عليها عمله، الأمر الذي يجعل من النص أيا كان جنسه، شبكة من التفاعلات المتبادلة بين النص، وأصداء النصوص الغائبة، التي تحضر إليه بمستويات مختلفة، وبأشكال متنوعة، فتمنحه ثراءه وانفتاحه، وتجعل منه ملتقي لما لا يحصى من الآثار، ومن ثم، تمكن قراءته، أو إعادة كتابته، وفق منظور التلقي الذي يسمح للقارئ بإنتاج دلالات النص وأبعاده، وإبراز تناصه.
وعليه تدفع هذه النصوص الغائبة إلى قراءة النص، واستجلاء كوامنه بربطها بأسيقتها، التي تساعد على الارتقاء بتجربة النص، وإعطائه أفاقا خاصة به، يمكن رصدها في المكونات الثقافية التي يمتصها ويعيد تحويلها في صياغات جديدة، ولغة غير مستهلكة، بحيث يعاد تشكيل النص باستمرار، وعلى هذا النحو من التقطيع والتقاطع والتحويل والتشكيل، ينتقل النص من كائن حي له سمات واضحة، إلى شبكة من العلاقات تنسجها أصداء النصوص والأصوات، التي تخترقه وتتلاقى معه، والتي تتشكل من الثقافة العامة.
1- من السرقات الأدبية إلى التناص
1-1- مفاهيم قديمة بآليات حديثة
أولى بعض النقاد العرب المعاصرين، السرقات مكانة مميزة، وأعادوا لها قيمتها، من خلال مقارباتهم لمفهوم التناص، وهي القيمة التي حظيت بها عند نهوضها كفكرة لها ظروفها وملابساتها في النقد القديم، وتلك محاولة تسعى لإعادة تفعيل حقل قديم بآليات حديثة.
إن الآراء التي تناولت السرقات الأدبية، بوصفها جذورا أو أصولا للتناص كثيرة، ولها من الشيوع ما يوحي أحيانا بتطابق تام بين التناص والسرقات، ذلك أن (السرقات الأدبية"التلاص" في الموروث النقدي، كانت تعني أشكال التناص الجوهرية، بالمعنى الأوروبي إضافة لمفهوم السرقة) ، ويكاد يجمع أغلب من تناول التناص في علاقته بالموروث النقدي، على أن السرقات تحمل صلة ما مع التناص.
ظل النظر إلى السرقات الأدبية وغيرها مما أشار إليه النقد القديم بآليات جديدة، هاجسا لعدد من النقاد المعاصرين، الذين اعتبروه (نظرة جديدة، نصحح بها ما كان الأقدمون يسمونه بالسرقات، أو وقع الحافر على الحافر بلغة بعضهم) ، ويشير فعل التصحيح المقترح في رؤية الغذامي، إلى التحول من الأحكام الأخلاقية، التي كانت سائدة، ورمت بظلالها على السرقات الأدبية، لأنهم –أي النقاد القدامى-في الغالب استخدموا السرقة، كمعيار أخلاقي، وليس كمعيار نقدي صرف، في التعامل مع النصوص، وحولوا استخدام الآليات الإنتاجية، التي أدرجوها ضمن باب السرقة، إلى قضية أصولية، تستند إلى أعراف أدبية، قد اتفقوا عليها مسبقا، لذا يجب –وفق هذه الأعراف – أن تخضع النصوص لميزانها، فمن يخترقها، أو ينحرف عنها، يستحق الذم والاستهجان، إذ يسجل التاريخ للنصوص السابقة الأفضلية، دون الالتفات إلى الشكل الجديد، وتقنيته الأسلوبية،
ومن ثم، فالسرقة على مستوى المنهج، تعتمد المنهج التاريخي التأثري، والسبق الزمني، مع كون بعض النقاد القدامى تباعدوا عن هذا المعيار الأخلاقي، ومن جهة أخرى، يرمي إلى رصد ملامح القديم، بأدوات حديثة.
1-2- مفهوم السرقات الشعرية
احتلت السرقات الأدبية، حيزا كبيرا في كتابات النقاد القدامى، ففتحوا مجالات واسعة في الكثير من مؤلفاتهم، لما أسموه بباب السرقات الأدبية، وأدرجوا ضمنه معظم ما استطاعوا حصره، من آليات إنتاج النصوص المرتبطة بنصوص سبقتها على مستوى الشكل والمضمون، كما حددوا للسرقة أصولا وقواعد منها:
أن السرقة لا تكون في المعاني العامة، بل في المعاني الخاصة، وأخذ المعنى والزيادة عليه بتوليد شيء جديد، لا يعد سرقة. ومن ثم احتضنت ظاهرة السرقة، آليات التفاعل مع النصوص السابقة، ضمن بعدها القصدي والواعي، بحيث شكّلت بحثا من مباحث البلاغة العربية، فألحقوها بعلومها الثلاثة، وجعلوها خاتمة، لمباحث الفن الثالث، المتمثل في فن البديع، وبهذا أصبح موضوع السرقات (على الرغم من اعترافهم أن معنى السرقات لا يرجع إلى ما تشترك فيه الفنون الثلاثة) ، وقد وردت كلمة "سرقة عند العديد منهم بمعناها الأخلاقي، وتستهدف التشنيع، إذ اتخذوها قاعدة للنيل من بعض الشعراء.
عموما، دار معظم حديث النقاد القدامى، عن تداخل النصوص، حول قضية شمولية، استقطبت مركز النقد، وهي قضية السرقات الشعرية، التي لا يتصدى لها، إلا الناقد الحصيف، فهي (باب لا ينهض به إلا الناقد البصير، والعالم المبرز، وليس كل من تعرض له أدركه، ولا كل من أدركه استوفاه واستكمله) ، أي أن الناقد الذي يتناول هذا المستوى من الدراسة، لابد أن تتوفر لديه قدرات نقدية خاصة، تؤهله لإعطاء كل تداخل منزلته، لأن تداخل النصوص (أقسام وأصناف، ورتب، ومنازل، كالسرقة، والانتحال، والإغارة، والمواردة، والمرافدة، والاهتدام، والغصب، والاختلاس،...) ، وبهذا تم تحديد أصول السرقة، وقواعدها. لقد قام الحاتمي، بتصنيف تسعة عشر باب للتداخل النصي، في الشعر القديم، تحيط بسائر أنواع السرقة، والأخذ، و(تبرز اهتمامه بالموضوع، وسبقه إلى تمييز أصنافه) ، منها:
- أن يكون الآخذ، قد أحسن العبارة، واختار الوزن، مع إخفاء الأخذ، ونقله من موضوع لآخر.
- التكافؤ بين السابق واللاحق في إحسانهما، مثل قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس احتسبتها ولكنها نفس تساقط أنفسا
يكافئه في الإحسان قول عبدة بن المطلب:
وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تصدعا
- نقل المعنى من غرض إلى غرض، ومن جهة إلى جهة أخرى، وهذه ألطف طريقة في حسن الأخذ.
- إخفاء السرقة مثل قول أوس بن حجر:
ألم تكشف الشمس والبــدر والكواكب للقمـر الواجـب
وقد أخذه النابغة الجعدي وأخفاه فقال:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم فكيف بحصن والجبال جنوح
- الاهتدام، حيث يأخذ شاعر بيتا أو أكثر لشاعر آخر، ويغير فيها تغييرا جزئيا مثل قول الشاعر:
أريد لأنسى ذكرها فكأنمــا تعرض ليلى بكل سبيــــل
فهم مهتدم من قول جميل:
أريد لأنسى ذكرها فكأنمــا تعرض لي ليلى على كل مرقب
يمكن ملاحظة أن هذه الضروب، تحمل بعض ملامح التناص بمفهومه الحديث، وأداة من أدوات التشكيل، وطريقة من الطرق التي يسلكها الشاعر، ويحذو فيها حذو من سبقوه، فيهدم أبنية، ويقيم أخرى مختلفة في الدلالة والصياغة والرؤية، وكأن الشعر استعارة كبيرة يسهم في تشكيليها الجميع.
1-3- قضية النظم وصورة المعنى
تجب الإشارة إلى أن معظم الدراسات النقدية التي تناولت موضوع السرقات الشعرية، كانت تؤكد على ضرورة التفريق بين "المعاني المشتركة " التي (لا يجوز ادّعاء السرقة فيها، والمبتذل الذي ليس أحد أولى به، وبين المختص الذي حازه المبتدئ فملكه، وأحياه السابق فاقتطعه...وتعرف اللفظ الذي يجوز أن يقال فيه:"أخذ ونقل"، والكلمة التي يصح أن يقال فيها: هي لفلان، ودن فلان) .
تنطلق هذه النظرة التي تقر بوجود المعاني المشتركة، من تفضيل السابق على اللاحق، وتوصل النقاد الذين ركزوا على التداخل النصي، أمثال الآمدي والقاضي الجرجاني، إلى أنه لا سرقة في المعاني المشتركة، ولا في المعاني الخاصة، التي أصبحت كالعامة المشتركة، لكثرة شيوعها، ولا سرقة في الألفاظ العامة المتداولة . غير أن عبدالقاهر الجرجاني يكاد ينفرد في نظرته للتداخل النصي، من خلال "قضية النظم"، حيث ينتصر فيها للمعنى الخاص، الذي يتفرد به الشاعر، والذي يسميه "صورة المعنى"، إذ يحدث أن يأخذ الشاعر، معنى غفلا موجودا في كلام كل الناس، ثم ترى هذا المعنى نفسه، وقد (عمد البصير بشأن البلاغة وأحداث الصنعة، ويدق في العمل ويبدع في الصياغة) ، ويمثّل لذلك بالعبارة الشائعة لدى عامة الناس " الطبع لا يتغير" ثم يستخدمها المتنبي:
يراد من القلب نسيانكــم وتأبى الطباع على الناقــل
فيبدو وقد خرج في (أحسن صورة، وتراه قد تحول جوهرة، بعد أن كان خرزة، وصار أعجب شيء، بعد أن لم يكن شيئا) . ومن ثم ينحاز بالصياغة إلى مبدعها، بفضل ما يضفيه على المعنى من إشعاعات دالة، وظلال موحية، تمنحه الخصوصية التعبيرية.
يرى عبدالقاهر الجرجاني، ما يسمى "بالتداخل النصي"، "احتذاء"، في قوله (إعلم أن الاحتذاء، عند الشعراء وأهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه، أن يبتدئ الشاعر معنى له غرض وأسلوب، فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب، فيجيء به في شعره، فيشبه بمن في أديمه نعلا على مثال نعل، قد قطعها صاحبها، فيقال احتذى على مثال) ، وهذا الاحتذاء الذي يقصده الجرجاني، قد يحقق للشاعر تفرده وخصوصيته، عن طريق الأسلوب الذي يعدّ(ضربا من النظم، وطريقة فيه) ، بحيث تقوم جملة من العلاقات بين الكلمات، وترتبط متماسكة، متناسقة، وهذا ما عناه الجرجاني، في بيانه لمعنى النظم الذي هو (توخي معاني النحو، في معنى الكلام، وأن توخيها في متون الألفاظ محال) ، لهذا أخرج المحاكاة اللفظية من الاحتذاء، لأنها تقوم على الأصوات والحروف وأجراسها، إذ (لو كان المعنى يكون معادا على صورته وهيئته، وكان الأخذ له من صاحبه لا يصنع شيئا غير أن يبدل لفظا مكان لفظ، لكان الإخفاء فيه محالا، لأن اللفظ لا يخفي معنى، وإنما يخفيه إخراجه في صورة جديدة، غير التي كان عليها) .
تعكس هذه النظرة عند الجرجاني، اطلاعا واسعا على جهود من سبقوه في هذا الحقل، وقد أخذ على الذين يقسمون الشعر إلى لفظ ومعنى، معتبرا أن هذا التقسيم الثنائي قاصر لا يفي بالغرض، فأضاف بعدا ثالثا، متمثلا في الصورة بوصفها بعدا ثالثا لثنائية اللفظ والمعنى، والتي تنتج عن كيفية النظم، ومن ثم فإنه لا يعترف بوجود معان عارية، بل هناك معان خاصة، ذلك أن (المعنى لا يوجد بلا لفظ، هذا اللفظ الذي يكسب قيمته من جراء التعليق النحوي فقط) ، فالجرجاني يقر بوجود أصول للمعاني، إلا أنه لم (يقرّ بوجود المعنى عاريا، يتناوله ليكسوه بالألفاظ، فالمعنى لا يتحقق، إلا بعملية النظم ذاتها ويتغير بتغيرها) . ومع أن الجرجاني لا ينكر المعاني العامة، إلا أنه لا يجعل منها مرجعا للحكم النقدي، لأن الشاعر يتفرد بالمعنى النحوي الخاص الذي يدعوه"صورة المعنى" التي ( تتولد عن طريقة التشكيل الشعري التي يسميها"النظم"والتي تعدّ الحكم الأول والأخير في الحكم على خبايا النص ومزاياه) ، ومن ثم يضع قضية التداخل النصي، في إطار كلي عام، من خلال "التوارد" و "الاتفاق"، ولا يكون ذلك إلا في الغرض على الجملة والعموم، فأما المستوى الأول، المتمثل في الاشتراك في الغرض على العموم، فيبتدئ في (مقصد كل واحد من الشعراء إلى وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء، أو حسن الوجه والبهاء، أو وصف الفرس بالسرعة، أو ما جرى هذا المجرى) . و أما المستوى الثاني، المتمثل في وجه الدلالة على الغرض، فيخضع للمعاني التخييلية، والتنظيم الصياغي، وذلك حين يريد الشاعر (أن يثبت لممدوحه صفة له كالشجاعة والسخاء مثلا، ثم يأتي بخاصية تستغرب عن طريق النظم والتصوير البيانيين فيأتي هذا الوصف على الوجه البليغ والغاية البعيدة) . يلاحظ أن الجرجاني لا يدخل النوع الأول في "التداخل النصي" لأن هذه المعاني قاسم مشترك بين الجميع، يأخذها الشعراء ولا يتفاضلون فيها، والأمر نفسه فيما يخص المستوى الثاني، لأنه يتحرك أحيانا في دائرة المستوى الأول.
إن إلحاح الجرجاني على عملية النظم، وما يترتب عنها من تقلبات في الدلالة وتجديد في الصياغة، يعطي سلطة للمبدع الذي يتفرد بنقل المشترك العام والظاهر الجلي إلى منطقة المجاز بأشكاله المختلفة (فيصهر المعاني المشتركة ويدخلها إلى دائرة الخصوص التي تحتاج في إدراكها إلى الفكرة اللطيفة) ، ومن ثم يسمح برصد ظواهر "التناص" بكل هوامشها الإضافية.
انحاز الجرجاني للتخييل في الشعر، وأقرّ بأنه من خصوصيات التأليف الشعري القائم على الإبهام والإيماء إلى ما هو معنوي أو مجهول، ويؤكد أن جملة الحديث الذي يخوض فيه حول التخييل، إنما هو (ما يثبت فيه الشاعر أمرا، هو غير ثابت أصلا، ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولا يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى) . وعليه فطبيعة الشعر تعتمد على الانزياح والكثافة والتعقيد، وتقوم فيه الصنعة بدور بارز في إنتاج دلالته، كما يرصد من الشواهد الشعرية التي تثبت إحساس المبدعين بالتداخل النصي من جهة، والتفرد والخصوصية من جهة ثانية، ويدلل على ذلك بما أورده عن المرزباني في حديثه عن عمر بن الوراق الذي قال له: (رأيت أبا نواس ينشد قصيدته التي أولها:
أيها المنتاب من عفره
فحسدته، فلما بلغ قوله:
تتأبـى الطـير غدوتــه ثقـة بالشبـع مـن جـزره
فقلت له ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول:
إذا ما غدا بالجيش حلق فوقع عصائب طير تهتدي بعصائـب
جوانـح قـد أيقن أن قبيلـه إذا ما التقى الصفان أول غالب
فقال: اسكت، فلئن كان سبق، فما أسأت.) ، يؤكد كلام أبي نواس هنا على أن المعنى ينقل من صورة إلى صورة، بتشكيلات جديدة. وقد نظر الجرجاني إلى هذا النوع من التداخل النصي، الذي ينقل فيه الشاعر المعنى من صورة إلى صورة بإعجاب، حيث يقول: (أيكون شيء أظهر من هذا في النقل من صورة إلى صورة) . وعليه فالتداخل النصي عنده يأخذ مستويات عدة، منها ما يقوم على صورة أو كلمة واحدة تنتشر في خطاب مبدع واحد، لتصبح بعد ذلك قاسما مشتركا، حيث تتمدد في قصائد العديد من الشعراء، إما عن طريق التوليد، وإما القلب والتحويل، وإما الاقتطاع، فيبدو في شكل تضمين أو إشارة أو اقتباس.
يأتي حازم القرطاجني، ويفرد مثل غيره جزءا من جهده، لقضية السرقات الشعرية، فيربطها بموضوع المعاني، و(مما يميز نقد حازم أنه مر بها مرورا عابرا، فجاءت كأنها قضية هامشية في نقده) ، ومن ثم لم يكن دافعه وهو يقف عند السرقات، الوقوف على التداخل النصي، وإنما إسهامه في قضية الصراع بين القديم والمحدث، التي أخذت حيزا كبيرا في المنجز النقدي العربي القديم، وعند تعرضه لها، قام بتقسيم المعاني إلى قسمين:
أ- معاني قديمة متداولة بين الناس، مثل تشبيه الشجاع بالأسد، وهذا القسم لا تدخله سرقة (لأن معانيه ثابتة في وجدانات الناس، مرتسمة في خواطرهم، وينشق عن هذا القسم نوع آخر من المعاني يعتمد الزيادة في المتداول، أو قلبه أو التركيب عليه) . غير أنه يعطي المرتبة العليا في الشعر لاستنباط المعاني.
ب- معاني جديدة مخترعة، فمن (بلغها فقد بلغ الغاية القصوى من ذلك، لأن ذلك يدل على نفاذ خاطره وتوقد فكره، حيث استنبط معنى غريبا واستخرج من مكامن الشعر سرا لطيفا) ، وفي هذا النوع من الابتكار لا يمكن السرقة فيه، وإنما يتحاماه الشعراء، لضيق المجال في إخفاء السرقة. وعلى ضوء ذلك يحدد مراتب الشعراء، التي يجعلها أربع درجات: (اختراع واستحقاق وشركة وسرقة، والسرقة كلها معيبة وإن كان بعضها اشد قبحا من بعض) ، فيبدو من هذا أنّ حازما لا يقر السرقة، وليس لديه كبير اهتمام بقضية تداخل النصوص.
1-4- الحفظ الجيد
يعالج ابن خلدون، إشكالية فاعلية النصوص في" المقدمة " في الجزء المتعلق بعلوم اللسان العربي، عندما كان ينصح الشعراء قبل أن يكتبوا الشعر، أن يحفظوا، ذلك أن (الحفظ من جنسه، أي من جنس شعر العرب، حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها، ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ العزيمة للنسج على المنوال، يقبل النظم وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ) . ويبدو ابن خلدون من خلال كلامه، مدركا لوجود تداخل بين النص القديم والنص الجديد، حيث رأى وهو يرصد النصوص الأدبية من العصر الجاهلي حتى عصر الضعف، أن النصوص لا تعرف السكون، ويرّد الإنتاجية الشعرية إلى القوى النفسية، التي تتولد عن الصورة الذهنية للتراكيب المنتظمة، الناتجة عن التعامل مع أشعار العرب وحفظها، وهذه الصورة (ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها، ويصيّّرها في الخيال كالقالب، أو المنوال) .
يقترب تشبيه ابن خلدون للصورة الذهنية بالقالب أو المنوال، من مفهوم النموذج البنائي الذي ينتج المادة الأدبية في حدوده، وهو النموذج الذي (يكشف عن تلك النماذج التي سماها ابن خلدون الصورة الذهنية المتسترة خلف عناصر النصوص المحققة) .
لا تخرج نظرة ابن خلدون إلى النصوص الأدبية بوصفها إبداعا في اللغة، عن الموروث، لأن اللغة الإبداعية هي (الموروث، والإبداع معركة داخل ساحة الموروث، والتجديد هو البحث عن صيغة تفترضها القصيدة، اللغة هي "الأنا الجمعي" والأسلوب هو "الأنا الفردي") ، أي أن اللغة الشعرية إبداعيا، هي إعادة إنتاج لما أنتج سلفا، ولكن بخصوصية إبداعية تمنحها التميز والتفرد.
يركز ابن خلدون على الانتقائية، مادامت النصوص الأدبية الموروثة، متفاوتة في تكوين تلك الصورة الذهنية، وعليه فالمبدع ملزم بأن (ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان، فيرصها فيه رصا، كما يفعل البنّاء في القالب، أو النسّاج في المنوال، حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام، ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه) ، ومن ثم يتجاوز مفهومه للشعر، مفهوم العروضيين المقتصر على الوزن والقافية، حيث ينظر إليه من خلال ما يتوفر فيه من البلاغة والوزن والقوالب الخاصة، فهو (الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به) .
لقد قدّر ابن خلدون أهمية المحفوظ وجودته، إذ بقدر جودته، يجيد المبدع استخدام تلك الملكات الشعرية، حتى أن الشاعر يتميز عن غيره من العروضيين والبلاغيين، لامتلاكه قوالب، أجاد وضع كلامه في إطارها. ومن ثم يبدو الحفظ ولطيف السرق أمرين متصلين بالمؤلف الذي غلب على طابع المنجز النقدي العربي القديم. فقد حث ابن رشيق الشعراء على حفظ الشعر والخبر ومعرفة النسب وأيام العرب، ولم يخرج في قضية السرقات عمن سبقوه، حيث بنى نظرته من خلال ما قدموه، وقد حدد المقصود بالسرقة من خلال تجربته الشعرية، وبيّن أن اشتراكه مثلا مع شاعر آخر في ارتعاد الأصابع أو ارتعاشها، لا يعدّ سرقة، مستشهدا بتكرر هذه الصورة في الشعر منذ امرئ القيس " كلمع اليدين في حبي مكلل" حتى عصره (ولما كثر هذه الكثرة وتصرف الناس فيه هذا التصرف لم يسمّ آخذه سارقا، لأن المعنى يكون قليلا فينحصر ويدعى صاحبه سارقا مبتدعا، فإذا شاع وتداولته الألسن بعضها من بعض، تساوى فيه الشعراء، إلا المجيد فإن له فضله، أو المقصر، فإن عليه درك تقصيره، إلا أن يزيد فيه شاعر زيادة بارعة مستحسنة، يستوجبه بها ويستحقه على مبتدعه ومخترعه) . أما ابن الأثير، فيركز على الحفظ مثل سابقه لأن (هذه الأشياء تشحذ القريحة، وتذكي الفطنة، وإذا كان صاحب الصناعة عارفا بها تصير المعاني التي ذكرت، وتعب في استخراجها كالشيء الملقى بين يديه، يأخذ منه ما أراد، ويترك ما أراد) ، في حين يرى الحاتمي أن (الشعر جادة، وربما وقع الحافر على الحافر) ، ويبين أن لا فكاك من التقليد، لتداخل كلام العرب، وأخذ بعضه برقاب بعض (فالمعاني تعتلج في الصدور، وتخطر للمتقدم تارة، والمتأخر تارة أخرى، والألفاظ مشتركة مباحة، وبعدُ، فمن الذي تعرى من الاشتباه، وتفرد بالاختراع والابتداع، لا أعلم شاعرا جاهليا أو إسلاميا، إلا وقد احتذى واقتدى واجتذب واجتلب) ، ذلك أن المبدع أساسا، لا يتم له النضج الحقيقي إلا باستيعاب جهود من سبقوه في مجالات الإبداع المختلفة، حتى يتسنى له امتلاك الأدوات اللازمة التي تساعده في العملية الإبداعية، إذ أن الشعراء (أمراء الكلام، يقدمون ويؤخرون، يومئون ويشيرون، يختلسون ويعيرون ويستعيرون) . فالشاعر لا يصير شاعرا، حتى يروي أشعار العرب، ويسمع أخبارهم، ويأخذ من نصوصهم بطريقة فنية، تساعده على الاستعارة منها، ثم يضيف من إبداعه.
1-5- الاقتباس والتضمين
يقترح بعض النقاد مصطلحي"الاقتباس" و"التضمين" بوصفهما فكرتين تحملان بعض ملامح التناص، ومنهم رجاء عيد، الذي يرى أن التضمين (ألصق من غيره بالتناص، لأنه يحمل وظائف عدة، منها توثيق الدلالة، أو تأكيد موفق، أو ترسيخ معنى، أو لمؤازرة نص رفضا لمقولة أو نفيا لمعتقد) ، مستبعدا في ذلك الاستشهاد المجاني والتداعي الذهني من ذلك. أما أحمد الزعبي، فيعدّ "الاقتباس والتضمين والاستشهاد" على أنها نماذج من التناص، يستحضرها الكاتب إلى نصه لوظيفة فنية أو فكرية منسجمة مع السياق، سواء كان هذا (التناص نصا تاريخيا أم دينا أم أدبيا، ويسمى هذا النوع " التناص المباشر " وهو الاقتباس بلغة النص نفسها التي ورد فيها، مثل الآيات القرآنية والأحاديث والأشعار والقصص، أما ما يقتبس بروحه أو مضمونه عن طريق التلميح أو الإشارة أو الرمز، فهو التناص غير المباشر) . أما النقاد القدامى فقد نظروا إلى التضمين بوصفه محسنا بيانيا يؤكد المعنى ويقويه، فأحاطوه بمواصفات، حتى يكون متميزا ويخرج من دائرة السرقات، التي استهلكت جهدا كبيرا من دراساتهم، فلاحظوا في التضمين، وحدة المرجع بين النصين، بمعنى (أنه يتم ذلك بين نصين لمبدع واحد، دون أن يخرج الأمر عن نفس الدائرة) . قد يخرج هذا النوع من التداخل النصي، ليصير اقتباسا، وذالك باستدعاء حكمة أو مثل أو قصة، أو إشارة إلى بيت مشهور، إذ (يقوم المبدع أحيانا ببناء خطابه الشعري، بالاستناد إلى خطاب آخر من غير دائرته، أي خطاب النثر، فعملية البناء هنا شبيهة بعملية العقد) . وقد يتجلى في الإحالات التاريخية المبثوثة في القصيدة، وهذا التوظيف كان متبعا بكثرة في الشعر القديم، إذ (من عادة القدماء أن يضربوا الأمثال في المراثي بالملوك الأعزة والأمم السابقة) ، كما أشار إلى ذلك حازم في باب الإحالة التي قسمها إلى (إحالة تذكرة، وإحالة محاكاة، ومفاضلة، وإضراب، وإضافة) ، وكان اهتمامه الأكبر بالإحالة التاريخية، والتي اشترط فيها بعض المواصفات منها (أن يعتمد على المشهور منها والمأثور، ليشبه بها حال معهودة، واستقصاء أجزاء الخبر المحاكى وموالاتها على حد ما انتظمت عليه حال وقوعها) . هذه الأقسام ومواصفاتها يلخصها محمد مفتاح، بكون الإحالة على الرغم من تعدد أسمائها،إلا أنها لا تخرج عن الترغيب والترهيب والتعجيب، وأنه في استقصاء أجزاء الخبر، يبدو الشاعر وكأنه (يصف مشهدا من مشاهد الطبيعة، الذي يقتضي فنيا تركيب أوصافه، ومن ثم يقدم لنا صورة لواقع مضى، ويسوغ هذا التخريج، ذلك الارتباط الوثيق بين فن الشعراء العرب في الإحالة على التاريخ، مثل ابن دراج وابن عبدون والرندي..) ، ومن ثم يؤلف هذا الاستحضار ضرورة لتوكيد الخبر أو العبرة.
1-6- المعارضة
تأتي المعارضات الشعرية تالية في المرتبة بعد السرقات، إذ يلاحظ قلة الآراء التي تقول بالمعارضة ملمحا قديما للتناص، والمعارضة في أصلها اللغوي توحي باحتضانها لمنظورين دلاليين يتكاملان أكثر مما يتفاضلان، هما: المماثلة، التي ترتكز على غريزة المحاكاة، والمقابلة، التي تجسد غريزة المنافسة، التي فطر الإنسان عليها، وعلى ضوء هذين المنظورين، فإنها (لا تحدث إلا حين يأنس المعارضُ من نفسه رغبة التحدي وحب الغلب، وفي هذا ما فيه من شهوة التفوق والتفرد والكمال) . وباعتبارها ضربا من ضروب نظم الشعر، يختص به الأدب العربي، وسنة أدبية اتبعها العرب منذ القدم، (لم تحظ بدراسة علمية، تضبط مصطلحا أو تمحص مفهوما) ، بحيث ظل المفهوم ضبابي الدلالة، غائم المفهوم.
يلمح عبد الرحمن إسماعيل إلى توافق التناص مع ظاهرة المعارضة، التي تأتي بشكل تلقائي بعيدا عن قصد المعارضة الصريحة أو السرقة، بسبب التداخل الشديد بين القنوات التراثية في أعماق اللاوعي عند الشاعر المتأخر، ويعلل ذالك بتشبيه ارتباط الشاعر بتراثه (كارتباط أحد الأغصان في شجرة كبيرة ببقية أغصانها، فهو لا يستطيع أن ينفصل عنه مستقلا بنفسه أو مبتعدا عن جذوره التي تربطه بغيره من الأغصان فيأتي حاملا نفس السمات والملامح التي تحملها بقية الأغصان وإن اختلفت طولا وقصرا) ، ثم يورد رأي الحاتمي في إشارته لتداخل الكلام في كلام العرب الذي هو (ملتبس بعضه ببعض، وآخذ أواخره من أوائله... ومن ظن أنّ كلامه لا يلتبس بكلام غيره، فقد كذب ظنه وفضحه امتحانه) . وهذا يعني أنه لا وجود لنص خالص، لا يحتوي على أصداء نصوص أخرى اختزنتها الذاكرة.

-الهوامش
1- أبو الفتح ضياء الدين ابن الأثير، المثل السائر، تح أحمد محمد الحوفي وبدوي طبانة، ج1، دار نهضة مصر، القاهرة، 1959-1962.
2- أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي، الرسالة الموضحة، تح، محمد يوسف نجم، دار بيروت، 1965
3- أبو الحسين أحمد زكريا ابن فارس، الصاحبي في فقه اللغة وسنن العربية في كلامها، تح، مصطفى الشويمي، مؤسسة بدران للطباعة، بيروت، ط2، 1963
4- أبو الحسن حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء،تح، محمد الحبيب ابن خوجة، تونس، 1966
5- ابن رشيق القيرواني، العمدة في صناعة الشعر ونقده، تح، مفيد محمد قميحة، ج1 دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1983،
6- عبدالقاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، تح، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1978
- عبدالقاهر الجرجاني، أسرار البلاغة تح، محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت7
8- عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، المقدمة، تح، درويش الجويدي، المكتبة العصرية، بيروت، ط2، 1996،
9 - القاضي علي عبد العزيز الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تح، محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي البجاوي، المكتبة المصرية، بيروت، 1966 ،
10- أحمد الزعبي، التناص نظريا وتطبيقيا، مؤسسة عمون للنشر والتوزيع، الأردن، ط2 ، 2000 .
إحسان عباس، تاريخ النقد عند العرب، دار الثقافة، بيروت، ط5، 1986-11
12- إبراهيم رماني، أوراق في النقد الأدبي، دار الشهاب، ط1، 1985.
- بدوي طبانة، السرقات الأدبية، دار الثقافة، ط2 بيروت، ، 198613
- علي العلاق، الدلالة المرئية، دار الشروق، عمان، ط1 ، 200214
15-عبد الفتاح لاشين، الخصومات البلاغية والنقدية في صنعة أبي تمام، دار المعارف- القاهرة-
عبد الرحمن إسماعيل، المعارضات الشعرية، النادي الأدبي ، جدة، 1994-16
17- عبد الحميد بورايو، منطق السرد"دراسة في القصة الجزائرية"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1994
- عبد السلام المسدي، المصطلح النقدي، مطبعة كوتيب، تونس، ط1، 199418
19- عبد الله الغذامي، ثقافة الأسئلة" مقالات في النقد والنظرية"، النادي الأدبي الثقافي، جدة، ط2 ،1992،
20- عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير، نشر النادي الأدبي- جدة,ط 1. 1985
21- محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، دار العودة، بيروت، ط،1997
22 - محمد بنيس، الشعر العربي الحديث بنياته وابدالاتها، الشعر المعاصر،دار توبقال للنشر، المغرب، ط 1 .ج3 . 1990
23 - محمد مفتاح؛ تحليل الخطاب الشعري: إستراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 1992
24 - محمد عبدالمطلب، قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني، الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان- ط1، 1995،
25- محمد فتوح أحمد، معارضات البارودي في ضوء الدراسات النقدية الحديثة، مؤسسة جائزة عبدا لعزيز البابطين للإبداع الشعري، القاهرة، 1992.
26- محمد الهادي الطرابلسي، خصائص الأسلوب في الشوقيات،. منشورات الجامعة التونسية. تونس 1981،
27- جودت فخرالدين، شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري، دار الآداب، بيروت، ط1، 1984،
28- السيد فضل، نظرية فاعلية النصوص عند ابن خلدون،" قراءة في نص قديم"، دار المعارف، مصر(دون ذكر تاريخ الطبع).
-المجلات
- مجلة علامات في النقد،ج46 ،م12 ،بيروت، ع3، صيف 1988
مجلة علامات في النقد،ع.1 مايو 1991-
- علامات في النقد،ع18، مجلد5،ديسمبر1995.
- مجلة، أبحاث اليرموك، م13، ع1، 1995
مجلة،الآداب، جامعة منتوري قسنطينة، كلية الآداب واللغات،ع. 7. 2004.-
- مجلة العرب والفكر العالمي، مركز الإنماء القومي، بيروت، ع3، صيف 1988

نشر في الموقع بتاريخ : السبت 12 جمادى الثاني 1435هـ الموافق لـ : 2014-04-12

التعليقات
صادق السويركي
 صدرت الطبعة الثالثة من كتاب الشاعر والناقد الفلسطيني الشهير ( عزالدين المناصرة ) - ( علم التناص والتلاص 2006) عن قصور الثقافة بمصر 2011 وفيه ميز بين التناص والتلاص:
- التناص لجوليا كريستيفا 1966. أما التلاص فهو مصطلح ابتدعه المناصرة عام 1989 ع في مؤتمر الرابطة العربية للأدب المقارن الثالث في جامعة مراكش.  


تمارا بن يوسف
 مصطلح ( التلاص ) ... مصطلح ابتدعه الشاعر والناقد الفلسطيني الشهير ( عزالدين المناصرة ) عام 1989 عندما كان أستاذا لطلبة الماجستير في قسم الثقافات الشعبية- جامعة تلمسان .
- لاحقا في نهايات العام نفسه 1989 قدم محاضرة بعنوان ( التناص والتلاص في النقد المقارن ) في المؤتمر الثالث للرابطة العربية للأدب المقارن في ( جامعة مراكش ).

- البروفيسور عزالدين المناصرة ... أستاذي كان محبوبا ومثقفا عميقا وصادقا وشجاعا في قول الحق وسمعته الطيبة ما تزال تملأ الجزائر كلها. 


دكتور سامي العبويني... سوريا
  مصطلح ( التنالاص) لعزالدين المناصرة:

في دراسة له بعنوان : (التناص- و التلاص- والتنالاص )- أضاف الشاعر الدكتور المناصرة مصطلحا ثالثا هو :( التنالاص ): ويعني ( المشتبهات= ما بين بين) وهي حالات كثيرة تقع بين التناص والتلاص. وذلك لأن التناص بين والتلاص بين .. ولكن المشكلة تقع في منطقة التنالاص. 


نادية قمحاوي
 أضاف البروفيسور المناصرة مصطلحا جديدا هو ( التنالاص )= المشتبهات = المابين ). وهو يعتبره منطقة وسطى بين التناص والتلاص. وأشكاله متعددة. 


سامية علوش ... سوريا
  لقد تجرأ الشاعر والبروفيسور عزالدين المناصرة في كتابه ( الطبعة المصرية) 2011 الصادر عن قصور الثقافة- تجرأ على المطالبة بشطب مسمى ( الأدب المقارن ) واستبداله بعلم جديد- قديم هو ( علم التناص والتلاص والتنالاص )- وطالب الجامعات أن تتجرأ وتبادر الى التجديد بتبني هذا الاسم الجديد.
- ونحن نلاحظ أن المناصرة هو من كبار منظري النقد المقارن العرب في الثمانينات. وسبق له أن كان أستاذا في جامعتي ( قسنطينة- وتلمسان في الفترة 1983-1991). وهومن مواليد فلسطين عام 1946.. وصدر له 25 كتابا في (النقد الثقافي المقارن). وحتى فإن هذا المصطلح أي ( النقد الثقافي المقارن ) هو من ابتداعه. وكان هدفه هو تجديد الأدب المقارن كخطوة أولى- لكنه غامر عام 2006 في كتابه بطرح البديل . 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
أمّ لسبعة أطفال تناشد وزيرة التضامن بالتدخل
بقلم : علجية عيش
أمّ لسبعة أطفال تناشد وزيرة التضامن بالتدخل


كاتبان يحاوران الفضاء الخانق
بقلم : رياض خليف - تونس
كاتبان يحاوران الفضاء الخانق


صابرحجازي يحاورالكاتب والباحث المغربي مجدالدين سعودي
حاوره : صابر حجازي
  صابرحجازي يحاورالكاتب والباحث المغربي مجدالدين سعودي


عيد هل مبشرا ورمضان ولى مسرعا..
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
عيد هل مبشرا ورمضان ولى مسرعا..


تكريم الشاعر عمر بوشيبي تكريسُ للثقافة
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
تكريم الشاعر عمر بوشيبي تكريسُ للثقافة


زخّات الروح
الدكتورة : ليلى لعوير
زخّات الروح


المرجعيات والخلفيات الحضارية لكرة القدم العالمية
بقلم : العقيد بن دحو / ادرار / الجزائر
المرجعيات  والخلفيات الحضارية لكرة القدم العالمية


في أصول الإستبداد العربي الإسلامي..و كيف صنع طاغية اليوم تاريخيا..
بقلم : حمزة بلحاج صالح
 في أصول الإستبداد العربي الإسلامي..و كيف صنع طاغية اليوم تاريخيا..


أمّهات الرمل
بقلم : جميلة طلباوي
أمّهات الرمل


غرور
بقلم : رشيدة بوخشة
غرور




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com