أصوات الشمال
الاثنين 6 رمضان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * نهاية وسائل الإعلام   * اَلْقُدْسُ تَبْكِي وَنَارُ الْحُزْنِ تَشْطُرُهَا الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم   * مخطوطة الشيخ الطيب عيلان ذات قيمة علمية و العائلة تطالب باسترجاعها   * وعدة سيدي محمد السايح ببريان ولاية غرداية تسامح و تأخي و تضامن.   * اللسانيات التطبيقية؛ الرهانات والتطبيق في الدرس اللساني العربي( يوم دراسي بجامعة باجي مختار-عنابة-)   * يا قدسُ    * فـلسطــــــــــين   * "تسبيحة عشق"   * عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس    * قراءة نقدية لقصة " عقدة " للكاتب: جمال الدين خنفري بقلم الناقد: مجيد زبيدي   * الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور   * يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية   * لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة-02-   * .. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها   * أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!   * الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده    * مجلة "ذوات"، في عددها (46)، وعنوان: "مواقع التواصل الاجتماعي.. منصات للإرهاب وتجنيد الشباب":   *  أكاديمي من كلية الآداب جامعة عنابة يُبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»   *  الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة من قسم اللغة العربية بجامعة عنابة يُناقش قضايا نقدية معاصرة في كتاب جديد   * مع العقيد علي منجلي في استشرافاته التاريخية    أرسل مشاركتك
المثقفون المغالطون
بقلم : ترجمة: د. عبد الرحمن مزيان
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1726 مرة ]

المثقفون المغالطون

بسكال بونيفاس
ترجمة: د. عبد الرحمن مزيان

تمهيد

فكرة هذا الكتاب شغلتني منذ مدة طويلة. لم أتفاجأ في العديد من مرات ولم أبين عن شعور غضب أو انزعاج، حين كنت ألاحظ خلال نقاش عام أن خبيرا يتلفظ بما هو مخالف للحقيقة وأن هذه الأخيرة كانت تمر كرسالة عن طريق البريد؟ لا أتحدث هنا عن خطأ بل عن كذب مقصود ومتحمل من قبل صاحبه. في هذه الحالة، المختص المدعو لتنوير الجمهور يخدعه ولا يؤدي مهمته.
أنا الذي أخشى دائما أن أكون غير دقيق أو مضبوط بما فيه الكفاية، لأرتكب خطأ، وأن أقتل ذاتي إذا ما حصل أن ارتكبت خطأ، إني أنذهل من كل هؤلاء المثقفين والخبراء الذين ليس لهم دقة في استعمال حجج مغرضة، ويتلفظون بغير الحقيقة، من أجل ربح المعاهدة. يظهر أن وقاحتهم وابتعادهم التام عن الدقة غير محدود ومشكل للورقة الرابحة. بعكس تحمل الإنكار العام، نهلل لهم من جديد. أن نكون بلا حياء، ليس هذا بلا طائلة ويظهر أن لا خطر فيه. »الكذب الحقيقي« في حالة ممتازة. مرة أخرى، لا أتحدث هنا عن الأخطاء، التي يمكن لأي أحد أن يرتكبها. أيضا... البعض يراكمها دون أن يعانينها. الرياضي الذي يحصل على النتائج المخيبة لن ينتقى مرة أخرى. خبير يمكنه أن يتابع الأخطاء ما داما مدعوا لحصة تلفزيونية. بمجرد أن تسلط عليه وسائل الإعلام لن ينزل إلى الأرض ثانية.
إن الذين يخدعون أكثر من الذين ينخدعون: »المغالطون«. يلتجئون إلى حجج لا يصدقونها كي يقنعوا المشاهدين والمستمعين أو القراء. يمكنهم أن يصدقوا قضية ما، لكنهم يستعملون مناهج خبيثة ليدافعوا عنه. إنهم إذن »المغالطون« الذين يصنعون العملة الثقافية المزيفة ليضمنوا تربعهم على سوق اليقين.
أسوء من ذلك أيضا: »المرتزقة«. هؤلاء لا يؤمنون بشيء، إذا لم يكون لهم. ينضمون (أو بالأحرى يتظاهرون بالانضمام) إلى قضايا، ليس لأنهم مقتنعين بشرعيتها، بل لأنهم يتمنون أن يكونوا حامليها، وأن يسيروا في اتجاه التيار المهيمن.
بقوة ترديد الحجج ذاتها، يمكن »للمرتزقة« أن ينتهوا بالاقتناع الذاتي لصحة التزامهم. الحدود بين »المغالطين« و»المرتزقة« ليست دقيقة. في كل الحالات، كلهم واعون بأنهم على النقيض من النزاهة الثقافية، كما أنهم لا يقلقون وذلك لسببين.
الأول هو أن الغاية تبرر الوسيلة. يعتقدون أن الجمهور الواسع ليس ناضجا بما فيه الكفاية ليوازن بين الأشياء، وأنه من اللائق قيادته بمناهج دقيقة نوعا ما.
الثاني هو أنه انطلاقا من اللحظة التي يدافعون فيها عن أطروحتاهم المهيمنة ومناهجهم الذميمة لن يعاقبوا أبدا. لماذا التخلص من الدقة؟ قول الحقيقة يستلزم جهدا إضافيا لليقين. التلفظ بكذبة لم يعد على الإطلاق تجريدا من الأهلية. يجب أن تكون أبلها حتى لا تستغل.
أتذكر نقاشا خضته خلال نزهة في انتظار اجتماع، مع عالم الاجتماع والصديق ميشال فيوفيوركا. Michel Wieviorka كنا نتحدث عن نقاش الأفكار في فرنسا. سألته ما إذا كان قد استعمل حجة وهو يعلم أنها غير مضبوطة أو خاطئة، وأنها قد أعطته أفضلية دامغة في النقاش. أجابني على الفور أن هذا لم يحصل له وأنه ليس ممكنا له. لم يكن يشعر أنه قادر على تحمل كذبه، هذا لهدف يقدر. أنا في الحالة ذاتها. لن أتجرأ أبدا على إثبات أني لم أنخدع، لكن قادر على إثبات أني لم أنوي خداع الجمهور عن قصد وأرفض الالتجاء إلى النفاق.
لا يجب أن يؤدي هذا إلى التفكير بأنه يوجد نوع من المؤامرة وأن المهيمنين يتراضون ليحتموا بأنذال ورفاق لحماية مصالحهم. ليس علينا أن نقع في »الجميع فاسدون«. ولا أي تنظيم سري يتحرك في الظل ليشجع المثقفين على بضاعته من أجل إبقاء الجمهور في الجهل وتحت هيمنته. مع ذلك، لا يجب أن يتملص تفنيد الأطروحة التآمرية من سؤال جوهري: لماذا »المغالطون« لا ينكشفون بل ينتفعون، بالعكس، من امتياز مقارن بالنسبة إلى أولئك المفرطون في الدقة ليتجرؤوا على التحرر من قواعد النزاهة الثقافية؟ كيف نفسر هذا الإفلات من القصاص؟
أصبح احترام مزايا النزاهة والكرامة في تناقص كي نكون محميين دائما. لم يعد المثير للسخرية يقتل على الإطلاق، حتى بدأ يظهر في بعض الحالات على أنه تورط الفتوة الدائم. النزاهة الثقافية لم تعد ميزة لشرط العرض الإعلامي. ليس الكلام هو وحده الذي يطير، الكتابات أيضا. الأفضلية معطاة غالبا للذي ينتقد موضوعه بطريقة قاطع (والذي لا يتعانق مع دقة الواقع)، حتى ولو كان لكل واحد في ذاكرته التناقض، النسيان أو الكذب الدقيق.
بالرغم من الإنترنيت الذي يسمح بسهولة كبيرة من مما كان سابقا، بالعثور على التصريحات الماضية (من حيث عداء أغلب »المغالطين« لهذا الإعلام الذي لا يتحكمون فيه)، لم ينجز عمل البحث إلا نادرا. إنها تفرض الزمن وتحث على خطر اتخاذ أعداء أقوياء. إن الذي يعارض الأكاذيب الثقافية الإعلامية لا يدخل مجال الإعلام أبدا، هذا الأخير لا يريد انتقاده!
لقد ترددت كثيرا في كتابة هذا العمل. في الواقع، انتظرت كثيرا اقترانا آخر بالمهمة. بصفتي »عضوا« في الوسط الثقافي، لست طرفا وحكما في هذه القضية؟ البعض لا يتوان في اتهامي بتصفية الحساب. إنهم خاطئون. إذا كان هناك عدد من الكتاب يخاصمون هذه الشخصية أو تلك، تكون بصفة عامة بدافع التنديد باتخاذ مواقفهم، في حين مثل هذا ليس موضوعي. النقاش حر ويجب أن يكون لكل واحد حرية التعبير عن قناعاته ورفضه للقناعات الأخرى. ما يطرح (إلي) مشكلة هو المنهج. ما لا يمكن أن نتسامح معه في رأيي، هو المكان المركزي الذي يحتله الكذب في النقاش العام. لقد ركزت موضوعي على القضايا العالمية والإستراتجية، بالتأكيد أن المجال الثقافي ليس هو الذي يملك احتكار »المغالطين«، هو الذي أعرفه وحيث أستطيع أن أكشفهم.
يمكننا مثلا الاعتقاد بأن حرب العراق قد بررت، لأنها سمحت بالقضاء على ديكتاتور. شخصيا لا أشاطر وجهة النظر هذه، حرب من هذا النوع قد جاءت في رأيي لتفاقم المشاكل عوض حلها، الديمقراطية لا تصدر عن طريق الحرب. إنها قضية مهمة وكل واحد حر في رأيه. بالمقابل، إثبات أن العراق كان يملك أسلحة الدمار الشامل وأنها كانت مبررا للحرب للقضاء عليها، في حين أنها لم تكن حقيقية، هذا لا يشارك في نقاش الأفكار. إنها احتكار الرأي والأخبار الخاطئة.
حين تكذب النخبة بهذه الطريقة، لا يجب أن نستغرب انقلاب الجمهور عليها. والحال هذه، أن القطيعة بين المواطنين الفرنسيين والنخب تكبر أكثر فأكثر. إنها خطر على الديمقراطية، »المغالطون« هم مرقد الديماغوجيين.
للمشاركة في عدد من المحاضرات والنقاشات، الإعلامية أو العامة، أعرف أن الفرنسيين أقل جهلا أو أنهم غير قادرين على إصدار حكم من الاعتقاد به بسخرية، »فرنسا العالية«. الجمهور ليس غبيا. إنه صارم مع »المغالطين« أكثر من النخب. الكذب ليس ضروريا وأنه معاكس للحقيقة. أعرف أيضا أن مواقفي بخصوص عدد من المواضيع تغضب الذين لا يتقاسمونها معي. لكن يشق عليهم التشكيك في صدقي. زد على ذلك، أني أقول وأكتب ما أفكر به، وليس ما أعتقد أن فيه مصلحة قوله أو كتابته وأن بعض الأبواب مغلقة أمامي. لو أردت إتباع مصالحي، لكنت قد عدلت خطابي في عدة مواقف وأحيانا اجتنابها حتى وإن كان لي موقفا منها.
الشهادات المتعددة للأشخاص الذين لا أعرفهم، والذين يشكروني على صدقي هم أحسن مكافأة لي.
1
فرنسا البلد الذي فيه المثقفون ملوكا
جون بوطوريل في رائعته أعزائي الخداعين يحكي أن فرنسوا ميتران حين انتخب حديثا رئيسا للجمهورية استضافته مارغاريت تاتشر في المملكة المتحدة، طلب لقاء مثقفين. مصالح مكتب الوزير الأول ردت أنه بإمكانها إيجاد كتاب، مؤرخين فلاسفة وباحثين لا مثقفين.
في فرنسا ينتشون بنفوذ خاص يمكن العودة بأصله إلى قرن الأنوار وتجدره في مشهدنا وإلى زولا وقضية دريفوس Dreyfus. ببساطة ليسوا مفكرين أو علماء فقط. بالتأكيد، بإمكانهم رفع مستوى المعرفة وإبعاد حدود المجهول ومشاركتهم في نقاش المجتمع الذي يميز ويجعلهم يدخلون في هذا القانون المثمن للمثقف.
لفولتير هالة خاصة لأنه –زيادة على عمله- تحيز لأسباب باسم الفكرة التي وضعها للعدالة، بالتحديد، برمزية قضية كالاس affaire Callas، هذا البروتستنتي الذي اتهم ظلما، بسبب عقيدته، أنه قتل ابنه. إن الالتزام السياسي لفيكتور هيجو، سواء تعلق بالدفاع عن الجمهورية، النضال ضد حكم الإعدام والتصدي للقضية الاجتماعية، جعل منه أكبر مشاهير فرنسا. »الاتهام« لزولا جاء لصالح ضابط برئ اتهم لأنه يهودي ساهم بقدر كبير في بصمته في التاريخ. كتابة روغون ماكار. مالرو لم يكتب عن الجمهوريين الإسبان بل كان إلى جانبهم.
المصطلح ذاته ورث عن قضية دريفوس، ثمانية أيام بعد صدور »الاتهام«، كتاب كليمانصو: »أليس علامة، كل هؤلاء المثقفين الذين أتوا من أركان الأفق ليلتفوا حول فكرة؟« تحرك باريس والسخرية من »احتجاج المثقفين«. انطلق مفهوم الالتزام من أجل أسباب تعتبر ككونية –وليس الترافع من أجل المصالح الخاصة-، ووضع شهرتها في خدمة الذين لا يتوفرون عليها، طيب، أن توضع في خدمة الآخرين بطريقة مرضية، لقد تحصلوا على اعتراف المواطنين. نفوذهم في مستوى إخلاصهم وتحملهم للمخاطر، لن تكون المعارك ضد السلطات بالمواجهة.
هذا القانون الخاص جدا، لمن يصلح؟ ما هو الدور الذي يجب أن يلعبه المثقفون؟ كيف يحققون مهمتهم؟
أصدر في سنة 1927، جوليان بوندا، خيانة رجال الدين. يندد فيه بموقف رجال الدين (نسميهم اليوم المثقفين)، أي »كل الذين لا يتبع نشاطهم، بالأساس أي غاية ملموسة «. يأسف عليها في قرننا الذي »كان بحق قرن التنظيم الثقافي للحقد السياسي «. مع ذلك يضيف: »في نهاية القرن التاسع عشر حصل تغيير أساسي: بدأ رجال الدين يلعبون الأدوار السياسية. هذا ما
**************************************
- Jean Bothorel, Chers impostures, Fayard, 2008, p10.
- Julien Benda, La Trahison des clercs, Grasset, réédition 1975, p126.
***********************************************************
شكل كبحا لواقعية الشعوب الذين جعلوا أنفسهم منها محرضين «. باندا يعتقد أن بحث الحقيقة وحده يجب أن يوجه رجال الدين. إنهم إذن يبجلون ابتعاد المثقفين إزاء الأهواء المعاصرة. »إنه عمل بديهي ذلك أن منذ مائتي سنة، أغلب الأدباء في فرنسا الذين وصلوا إلى شهرة كبيرة ، فولتير، ديدرو، شاتوبريان، لامرتين، فيكتور هيجو، أناتول فرنس وباريس، اتخذوا مواقف سياسية. نلاحظ أن الشهرة الحقيقية عند البعض تبدأ من اللحظة التي يتخذون فيها موقفا. هذا القانون لم يفلت من تابعيهم .« بالنسبة إليه، الالتزام يؤدي إلى أن يكون الفرد مناصرا، أن يكون قصده سيئا وأن يبتعد عن النزاهة الثقافية، التي يجب أن تجعل المبدأ المطلق مستمرا.
على عكس طريقة بوندا، يفسر آخرون أن الصمت، اللا التزام واللامبالاة لقضايا المجتمع وللحياة الحقيقية هي التي تشكل »الخيانة لرجال الدين«. على المثقفين أن يجتمعوا لجعل موهبتهم وشهرتهم في خدمة القضايا الأكثر عمومية ويلتزموا ليناضلوا ضد الظلم. هكذا يعمل بول نيزان بقوة في "كلاب الحراسة"، الصادر للمرة الأولى في سنة 1932. يتسائل في الحال، إذا ما كان ما يزال بإمكان الشباب المبتدئين في الفلسفة أن يشفوا غليلهم من »العمل ليلا دون التمكن من الجواب على أي تساؤل حول معنى وحمولة البحث حيث ينخرطون «. بحسبه: »إنه من المبكر إحراجهم. أن نطلب رأيهم في الحرب، في الاستعمار، بخصوص عقلنة المعمل، حول الحب، حول طرق الموت المختلفة، حول الانتحار، الشرطة، الإجهاض وحول كل العناصر التي تشغل حقا الكون. إنه من المبكر أن نطلب مشاركتهم .«
وعليه، يندد نيزان »الناس الذين هم نتاج الديمقراطية البورجوازية، يشيدون باعتراف كل الأساطير التي تندد بها «. ويخلص إلى »أن مفكرا لا يطابق فكره لعمل التحرر يجعل صداقته المعلنة للناس عقيمة «.
بخصوص جون بول سارتر (الذي كرس مقدمة طويلة لعمل »دليل« لنيزان، عدن العربية)، يشكل المثقفون »تنوعا بشريا اكتسب بعض الشهرة ببعض الأعمال الناتجة عن العلم، العلوم الدقيقة، الطب والأدب « يفرطون (يشدد عليها جون بول سارتر) في هذه الشهرة ليخرجوا من ميدانهم وينتقدون المجتمع والسلطات القائمة باسم إدراك عام ودوغمائي للإنسان.
**************************************************************
- Ibid., p132.

.
- Ibid, p204-205.
- Paul Nizan, Les chiens de la garde, petite collection Maspero, 1960, p9.
- Ibid, p38.
- Ibid, p52.
- Ibid, p118.
- Jean Paul Sartre, Plaidoyer pour les intellectuels, Gallimard, 1972, p13.

***********************************************************


وسيبحث سارتر تجسيد هذا النموذج من المثقف الملتزم. إنها إحدى صوره الشهيرة زد على ذلك هذه الصورة التي نراه فيها يبيع الجريدة الممنوعة قضية الشعب، أمام معمل رونو لبيلانكور، المقر الرمزي للطبقة الفرنسية العاملة.
الموقف -دون تقاسم طريقة سارتر ونيزان المحكوم عليها أنها »يسارية« بالتأكيد- سيكون اليوم أكثر امتيازا لتأويلهما الشامل لدور المثقف من طريقة بوندا. الأول يعتبر كسخي، الثاني كأناني، كانطواء على الذات وكاللامبالاة بمأساة العالم. إنها مفارقة لحقبة حيث لم تتطور الأنانيات إطلاقا، حيث المساندات القديمة (للطبقة أو البين الجيلية) لم تضعف، الانتباه المخصص للآخرين والمستحسن تقريبا، بالنسبة إلى الذين لهم هيأة عامة، صورة مفروضة وسإنسانية في العالمية واجتماعية على المستوى الداخلي.
أمام تطور اللا تكافؤ، للنمو المتصاعد للظلم، للاختراق المتعدد لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية ومعرفتهم المبسطة من قبل العولمة والإعلاميات تبقى على أنانيتهم، إنها علمية كما أنها لم تعد يقينية. كان يقال من قبل من الأفضل أن نخطأ مع سارتر عوض أن نصيب مع آرون، زميل دراسته السابق ومنافسه في الفلسفة، ومداح اليمين المعتدل. اليوم، الرأي والنخب مجتمعة تعتقد أنه من الأفضل أن نخطئ مع سارتر عوض أن نصيب مع باندا.
لنذهب إذن إلى الالتزام. هناك العديد من القضايا التي يجب الدفاع عنها، ظلم يجب مقاومته، وأهلا بالإرادات الحسنة. من المثقفين إلى نجوم العروض التجارية، كل واحد يتصرف فيها بحسب قضيته. هل هذه الالتزامات، صادقة أو أنها موجهة بطريقة الصورة الإيجابية، أو لضمان التعاطف الشعبي، أو هي نجاح؟ مغنى مالي منفي يحيي سهرة »بقايا القلب« هل هو حقيقة سخي؟ هل ليس من النجاعة في المقاومة ضد الفقر والأكثر صدقا في امتداده التضامني بدفعه ضرائبه في فرنسا؟ هل يدافع مثقف عن قضية من أجل خدمتها أو استعمالها من أجل تحسين شهرته، شعبيته وفضائه الشخصي في المشهد الثقافي أو أيضا في مبيعات كتبه؟ صعب رسم حاجز محكم السد بين إرادة المساعدة والأفكار الشخصية المسبقة. لكن إذا لم توجد إرادة استقصاء القلب والذهن، ربما هناك فيه ميزة تسمح بقياس القضية التي تدافع عنها، من السهل استعمال المثقف حججا صادقة أو بالعكس، هل لا يتردد في الكذب؟ طيب، هل يحترم في الوقت ذاته مستلزمات الحقيقة لبوندا وضرورة التزام نيزان أو سارتر؟ يظهر لي أنه محترم بهذا الشرط فقط.
ميزة أخرى، ميزة الشجاعة: حين أصدر زولا »الاتهام«، قد خاطر شخصيا ومهنيا. أجبر هيجو على منفى قاس بسبب مواقفه. اليوم، توقيع عارضة من أجل دايلا لاما تنديدا بالنظام الصيني لا تؤدي لأي خطر. اللوبيات الصينية (ليس بعد) لن تكون أكثر قوة . هكذا العديد من المثقفين يتخذون مواقف مناسبة عكسية للمضايقات التي يمكن أن يتحملوها. هذا لا يعني بالضرورة خداع بل نسبية بعض الاستعمالات.
2
خطأ وسائل الإعلام
تكرس مجلات الأخبار بطريقة متواترة ملفات ثقافية في فرنسا، أو بالأحرى إلى السلطة الثقافية في فرنسا. هذه الأخيرة هل هي في الأفول؟ إذا كان نعم، ما هي الأسباب؟ السؤال تقريبا طقوسي في الصحافة الفرنسية مثل ألم الظهر أو العقار أو الماسونيين.
العظام مثل آرون وسارتر، حين ينخرطون في النقاش العام، يجعلونه انطلاقا لعمل منطقي. اليوم، ألا يفضل البعض الحضور في وسائل الإعلام في الإنتاج الثقافي الحقيقي؟ هل يمكننا خلق عمل دائم ونكون متعددي الحضور في الحصص المتلفزة؟ من بورديو إلى ريجي دوباري، إن ردود التلفزيون كأداة للتأمل أو كفضاء في كنفه -يمكن التعبير عن فكرة بوضوح- عديدة ومبرهن عليها. بخصوص السلطة الثقافية بفرنسا، كتب ريجي دوباري منذ أكثر من ثلاثين سنة: »تعمل وسائل الإعلام لصالح الفرد وليس الجماعة؛ للإحساس وليس للعقل؛ للفردانية وليس للكونية. هذه الميزات الثلاث متلازمة في الدعامات الجديدة، التي لا تجعل منها جوهريا إلاّ ميزة واحدة، ستحدد من الآن فصاعدا، طبيعة الخطاب المهيمن، ومنفعة حاملها. إنها توفر في الوقت ذاته إستراتيجية فردية واختلال النظام الجماعي. لم تعد في حاجة إلى قواعد ولا قضايا ولا الحمولة المفاهيمية إطلاقا .«
في التلفزيون، الوقت قصير. نتذكر هذا التساؤل لبيرنار بيفو في الاستشراق الكبير لمكسيم رودنسون في نهاية حصة: »في ثلاثين ثانية يمكنكم أن تقولون لنا ما إذا كان الإسلام عنيفا أم لا؟« الإعلام المتلفز ساخن وبارد الحدث برودة التحليل أو أن طول الوقت البيداغوجي غير موجود.
إن الصورة مفضلة مقارنة باللغة. الذي يظهر جذابا مفضلا عن الذي يفكر بحكمة. الذي يعبر جيدا مفضلا مقارنة بالذي يفكر بتمعن. هذه المظاهر قد قلبت السلم الهرمي للمثقفين. عند ساعة التلفزيون المنتصر، هل اعتبر آرون وسارتر ك»زبائن جيدين«؟ هل أهمية أعمالهم المكتوبة قد اخترقت الحاجز السمعي البصري؟
**********************************************************

10- نلاحظ حينها أنه حين عينت مدينة باريس الديلا لاما مواطنا شرفيا، منتخبي المقاطعة الثالثة عشر حيث التجمع الصيني متعدد قد صوتوا ضد كل اتجاه سياسي

- Régis Debary, Le Pouvoir intellectuel en France, Ramsay, 1979, p97.
***********************************************************
حسب ريجي دوباري: »الموقف الإعلامي هو التتويج المنطقي لمدة العمل الثقافي. هو الذي يحافظ اليوم على طغمة الملائكة الثلاثة ويصنع الملوك «. كان على الذين نسميهم المثقفين الإعلاميين إذن أخذ مكان المثقفين بلا زيادة. هل يمكن أن نكون مثقفين وإعلاميين؟ أليس هناك تعارض لشكل التعبير أو التأمل من النوع الفيزيائي أو جدول الأعمال؟ أليس من الأفضل أن نكون مسلطين للضوء من مثقفين؟ الوقت المخصص لإظهار الذات أليس الذي يفكر مغتصبا للذات؟ هل نفضل التفكير أو التجميل؟
ما هي مصادر هذه الظاهرة؟ هناك قضايا متنوعة ليست بالضرورة مرتبطة بعضها بعضا، لكنها متشابكة.
إن تطور القنوات التلفزية والراديو، تجعل الالتجاء إلى الخبراء ضروريا أكثر من ذي قبل، مفروض أنه يقدم دليل مصداقية لكلام الصحفيين. أصبح الخبراء وجها آخرا متكررا للنقاشات إلى جانب المثقفين. تكون الحدود أحيانا ضبابية بين الصنفين. غالبا ما يستدعى الخبراء لتنوير الجمهور والضغط على الرأي العام. المطلوب منهم هو التنشيط من جديد، أما التكيف مع وقت الإعلام القصير هو تشخيص تعليمي لموقفهم.
التلفزيون هو الوسيلة التي من خلالها نتوجه إلى أكبر قدر من المشاهدين. الصحافة المكتوبة ليس لها احتكار بيداغوجي: يمكنها أن تستسلم »للجمل القصيرة« على حساب الملفات الجوهرية. إن حصص النقاشات المتناقضة والمفتوحة، حيث للمشاركين الوقت لتفصيل حججهم وإرضاء رغبة فهم المشاهدين، موجودة، على غرار » C على الهواء«. لا أحد له وقت الرفاهية ولا الإرادة لقراءة كتاب علم ليحيط بقضية مطروحة. والكتب -رغم الاحترام التي بقي لها في هذه الأوقات الرقمية- يمكن أن تكون وسيلة لتزييف الأخبار. التلفزيون أداة بميزاته وحدوده، ولا شيء يمنع أن نجعل منه استعمالا جديرا بالاحترام من أجل الجمهور.
غالبا ما نقول أن وسائل الإعلام تشكل الرأي. أو أنها تحرفه. الفكرة التي هي من أجلها هنا هي إعادة ترتيب معلومات الذهن، حجب الرهانات الأساسية، وترك الذهن في الجهل موجود بكثرة. أحيانا لا نكون بعيدين كثيرا عن نظرية المؤامرة. المدير السابق لليبراسيون، لوران جوفران، كرس كتابا لهذا الموضوع، معنون بالإعلام جنون العظمة . فيه وصف الفشل النسقي إزاء التلفزيونات، الراديو والجرائد تحت زاوية مؤامرية وعنيفة. كتب: »انتشرت تدريجيا الفكرة في وسط الجمهور، إن النظام الإعلامي ليس سوى آلة ضخمة لاحتكار الرأي الذي هو في خدمة مصالح مظلمة وشريرة، إنه منطقة واحدة للسلطة بلا استقلال تام ولا قواعد مطلقة لمعالجة الأخبار«.
**********************************************************
12- Ibid, p121.
13 - Laurent Joffrin, Média-paranoïa, Le seuil, 2009.

- Laurent Joffrin, Média-paranoïa, Le seuil, 2009.
**********************************************************


الأخلاق في خداع العين

الدخول بقوة في الأخلاق في جدول الأعمال العالمي هو السبب الإيجابي للصعود بقوة للشعوب في إجراء القرارات في السياسة الخارجية. مستقبلا، سيسمعون صوتهم، لم تعد الأعمال الدبلوماسية هي احتكار الدوائر المحصورة والنخبوية. حين يصبح غزوه، واللا موقفه الرأي العام رهان وطني مثلما هو عالمي أيضا. إنه من المؤكد منذ وقت طويل أن عنصرا مهما في القرار العالمي، لكن العولمة وتطور وسائل الاتصال قد جاء لتدعيم ثقله. الثورات في تونس وفي مصر قد مثلت هذا جيدا. هذا الوسام له قفاه: الصعود الموازي لعمليات تزييف الأخبار.
قد جاشت معركة الرأي اليوم، أصبح فيها المثقفون والخبراء، في الوقت ذاته، الفاعلون (إنهم ينورون أو يوجهون) ورهان (لهم قيمة، ثمن). يمكنهم أيضا أن يكونوا قد حاولوا »التقدير ماليا« بمكافآت رمزية أو مادية دخولهم إلى الجمهور. إذن، لن يكون هدفهم إخبار هذا الأخير، بل بالعكس التأثير عليه لصالح المساندات أو التدعيم الإشهاري. إنها خيانة جديدة وأساسية لرجال الدين. ولوج الرأي أصبح وسيلة لإظهار المزايا يستعمل الجمهور فيها ولا يخدم.
إنه قفا الوسام، قفا الصعود بالقوة للأخلاق في العلاقات الدولية. يمكنه في بعض الظروف، حجب الأهداف الأقل نبلا والسماح باستعمال المناهج اللا أخلاقية. إن اللجوء إلى البراهين الأخلاقية، لا يشكل إلا خدعة للقوة، إنه كل شيء سوى التجديد. ليس هناك أي حكومة تبرر سياستها بالمصلحة الوطنية الوحيدة. الدولة تنتج دائما »أسبابا منطقية« كي تعطي مظهرا لائقا لكل قرار خاص بسياستها الخارجية. من التدخل الأمريكي في كوبا سنة 1898، الموجه لمساعدة شعب ليتحرر من عبودية استعمارية، إلى حرب العراق في 2003 من أجل مساعدة شعب آخر ليتخلص من ديكتاتور لا يحتمل، لائحة هذه »الأسباب المنطقية« طويلة، وبعيدة عن أن تغلق. بالتأكيد، كما في كل تلاعب، هناك عمق للحقيقة الذي يسمح بالتحديد لربح موافقة الرأي. إننا لا نخلق حركة تعاطف اتجاه قضية إذا لم يكن له أساس. إن المشكل يكمن في الأسباب الحقيقية للذين يجعلون هذه القضية أو تلك شعبية. هكذا، حقيقة أراد الكوبيون التخلص من الوصاية الاستعمارية الإسبانية، ونظام صدام حسين كان يقمع شعبه بطريقة غير قابلة للتسامح. لكنها مصالح بعض القوى خاصة هي التي حركت تدخلاتها. الأخلاق عمل على جعل عملياتها العسكرية منطقية، لكنه لم يكن فيها السبب الحقيقي. إذن هذه التدخلات لم تكن موجهة لصالح الشعوب المعنية، حتى ولو أنها كانت قد »سوقت« إلى الجمهور.
بالطريقة نفسها، تستحضر الأخلاق حسب هندسة جد متغيرة. مصطلح »ديكتاتور«، مثلا، ليس مرتبطا بوحشية طاغية أو بضخامة القمع الممارس من قبل هذا الأخير. إنها المجاورة أو الابتعاد الاستراتيجي إزاء القوة التي تعارضه هو الذي يتحكم أو لا يتحكم في هذا الاستعمال الموصوف. إذا أثبتم أنكم منخرطون في التحالف الكبير ضد الإرهاب، يمكنكم قمع شعبكم بلا أي مشكل. قام بذلك بن علي ومبارك بلا عقاب لعشرات السنين.
من قبل خلال الحرب الباردة، باسم الديمقراطية ومناهضة الشيوعية، ساند الغربيون بينوتشي وموبوتو وحتى في وقت ما البرتاييد. هذا الموقف يجمل في صيغة الرئيس تيودور روزفلت إزاء ديكتاتور نيكاراغوا صوموزا: »إنه بن سافلة، لكنه بن سافلتنا.« على ميدان الأخلاق، نجد دائما وحدة النوع المزدوجة للتطبيق المنتقى للمبدأ الكوني، قبول بعض الحالات التي ندينها في الآخرين. الجواب الأفضل لهذا التناقض هو تقديم حالة على بياض، استحضار وقائع دون تسمية فاعليها وطلب حكم على هذا الرأي. إذا كان لكم بخصوص الوقائع المتشابهة أجوبة مختلفة حسب الذين هم فاعلوها، حينها يمكنكم أن تشكوا بقوة في صحة الأسباب الأخلاقية المستحضرة. لماذا القمع المسلح أو القصف الجوي للشعوب المدنية يعتبر أحيانا مقبولا، وأحيانا غير مقبول؟
الفهم الجيد للأحداث يمكنه أيضا أن يختلط مع لجوء الخطابة إلى الأخلاق. من أجل لفت انتباه الجمهور أحسن، نقدم الاختيارات محدودة لمفهومي الخير والشر. بالانحياز إلى جانب الخير، بعض المثقفين يدغدغون تسام الجمهور، لكنهم يحرفون الوقائع والوضعيات ولا يساهمون في إعلامه. أخذت مكانة الرؤى المانوية وهذه الثمار الفاسدة للأخلاق تتزايد. لقد صنفت من قبل هذا الاتجاه ب»ديزنية العلاقات الدولية «. لا يمكن لأي وضعية دولية أن تقلص واقعيا إلى موقف المعسكرين، الخير من جانب والشر من جانب آخر. هل نعتقد حقيقة بأننا حين نتسلح بمثل هذه اللوحة للقراءة، يمكننا تفسير الشرق الأوسط، لبنان، أفغانستان، الصراعات الإفريقية والصراع في القوقاز أو في مكان آخر؟ في هذه الحالة لا يمكننا أن نقيم مقاربة جدية للصحافة المكتوبة بمقاربات التلفزيون. الواحدة مثل الأخرى يمكنها أن تصطاد بدقة أو بالعكس، تنجز من البيداغوجية. الشيء نفسه، بالنسبة إلى التقابل الاصطناعي بين الصحافة المكتوبة التي تكون »مرجعا« وجدية، والإنترنيت الذي سيكون حنفية لتزييف الأخبار، لن يحدث أبدا. إذا كانت الانحرافات على مواقع الإنترنيت موجودة، هذه الوسيلة الإعلامية تصلح أيضا لتلطيف الصحافة المكتوبة، التي تعطي الامتياز لبين الذات. يتبوأ »المغالطون« غالبا مكانة يحسدون عليها في الصحافة المكتوبة في حين نقدهم يجد »الملجأ« في الإنترنيت. نلاحظ ذلك، انحرافات أخلاقيات المهنة ليست حكرا على أي نوع من وسائل الإعلام.
*************************************************************
-Pascal Boniface, La Volonté d’impuissance, Le Seuil, 1996.
**************************************************************
أصبح الكذب وسيلة شرعية للمعارك الأيديولوجية. ما دمنا في خدمة الخير ومقاومة الشر، لماذا الانشغال بالترتيبات الصغيرة مع الحقيقة؟ المشكل هنا مثلما هو في مكان آخر، الغاية لا تبرر الوسيلة. إذا كانت القضية شرعية لما يكون من الضروري الكذب لخدمتها؟ لأن الجمهور غبي؟ لكن إذا كان البعض غبيا مؤقتا، فإن الأغلبية تعي بسرعة الذي يكذب.
نتذكر هذه الصورة لرجل هيكل عظمي وراء الأسلاك الشائكة نشرتها مجلة تايمز. كان من المفروض تقديم بوسني أسير من قبل الصرب في معسكر للسجناء. فرقة دولية من الصحافة أثارت بهذه المناسبة معسكرات جديدة للاعتقال. إيلي ويلزيل نددت بمراكز الاعتقال النازية الجديدة. أطباء العالم ألصقوا في كل مكان بفرنسا لوحات تشبه ميلوزوفيتش بهتلر. والحال هذه، سيكتشف فيما بعد أن الرجل المعني كان صربيا اعتقل والذي كان يعاني منذ عشر سنوات من داء السل، هذا ما يفسر نحافته الكبيرة.
خطر آخر يكمن في الاستحضار المفرط للبراهين الأخلاقية. يجب أن ألاّ نطفح بالعواطف. يمكن أن تكون جهنم مبلطة بالمقاصد الحسنة وسياسة العواطف الجميلة لا تفضي بالضرورة إلى سياسة جيدة. نبدأ مثلا بالتنديد بالتطهير العرقي في دارفور وننتهي بقضية »سفينة زوي« حيث باسم الأخلاق، بعض الأغبياء أرادوا إرسال أطفالا تشاديين ما يزال لهم آباء، إلى أوروبا، على أساس أنهم أيتام دارفور.
هناك ما هو أسوء، حين تحركت الأخلاقوية الحقبة الحمراء حقيقية. في الواقع يمكن للبعض، أن يحاول اعتبار المعارض ككائن لا أخلاقي لا يجب أن تدحض براهينه فقط، تحارب أيضا، بل تمنع. بعض المثقفين محترفين في الأخلاقوية في العلاقات الدولية، لهم أيضا مثل هذا التوجه في رؤية معارضيهم كأعداء باسم الأخلاق. بهذا التصرف، ينسحبون من النقاش الثقافي ليدخلوا في نوع من الإرهاب الثقافي. بيرنار هنري ليفي افتتح جزئيا هذا المرحلة بمقاله »وداعا ريجي« المنشور في جريدة لوموند في 14 ماي 1999. ريجي دوباري لم يكن في توافق مع برنار-هنري ليفي BHL الذي كان يريد حربا ضد يوغوسلافيا بسبب الضغط على كوسوفو. لكن »الفيلسوف الجديد« لم يكن يأمل في دحض حجج دوباري فقط، بل كان يفرض موته على الساحة السياسية. بالنسبة إليه، ليس هناك ما يدعو للمناقشة بل إسكات ريجي دوباري بسرعة، باسم الأخلاق. بموقفه المعارض لبرنار-هنري ليفي BHL، لقد استثني من التجمع الثقافي الفرنسي. حين تتقلدون بالأخلاق هكذا، لا يوجد طبعا سوى المتوحشين ليعارضوكم، ولا نناقش مع المتوحشين: نقصيهم. إن الإجراء بعيد عن أن يكون جديدا.
سنوات من بعد، برنار-هنري ليفي BHL، عاود إجراء إقصاء وإبعاد طارق رمضان. هذا الأخير نشر منبرا على موقع التجمع الاجتماعي الأوروبي في 5 أكتوبر 2003 الذي آخذ فيه على عدد من المثقفين اليهود، بخصوص الشرق الأوسط، التخلي عن مقاربة كونية من أجل نسق مشترك. المقال تضمن بعض الأخطاء الحدثية، لكننا نأخذ على كاتبه حصريا أنه معاد للسامية لأنه وضع »قائمة لليهود«. برنار-هنري ليفي BHL صرح بأنه لن يكون ضيفا في التجمع الاجتماعي الأوروبي. لقد فشل في هذه النقطة، لكن الحملة ضد طارق رمضان أدت إلى »وضعه في اللائحة السوداء« من قبل أغلب وسائل الإعلام الفرنسية. هنا أيضا، عوض مناقشة الأفكار، يفضلون الرقابة، النفي. ومع ذلك، القوانين الفرنسية بخصوص إدانة العنصرية صارمة جدا وأن التنظيمات الاجتماعية اليهودية سريعة في رفع دعوى من أجل معادة السامية، ولا أي دعوى قضائية رفعت ضد طارق رمضان. إذا كان هناك تنديد، فقد كان ذا طابع إعلامي سياسي باسم الأخلاق، باسم نوع من الأخلاق فقط.
في سنة 2007، اقترح كاتب على منشورات فلامريون، كتابا حول طارق رمضان، يفترض أنه يندد بخدعه. لكن بعد التحري، لم يوفق في توضيح هذه اللغة المزدوجة. بحثه نجح في لوم رمضان على بعض »التأنق«، إلى درجة التجرؤ على مقارنته مع...برنار-هنري ليفي BHL، يقدم الرجلان على أنهما الأكثر شهرة إعلامية أكثر من المشتغلين على صميم الملفات. رفض الكتاب من قبل الناشر لأن خلاصاته ليست هي التي كانت المترجاه. ونشر العمل من بعد بسويسرا.
أخيرا خطر آخر، من طبيعة أخلاقية، إنه خطر انتصار المظاهر. يدعي رمزا لا يعكس إلاّ جزء صغيرا من الحقيقية. شجرة الأخلاق تتدخل لتحجب غابة الفظاعة. تروى حكايات جميلة، ليس من أجل تغيير الحقيقة في اتجاه إيجابي بل لحجبها. إجمالا، يتعلق الأمر بخلق »مغالطين« أو تضخيم ما هو واقعي من أجل إفراغ سوق العواطف. أنجريد بيتنجور هل تختزل مصير المرأة في العالم وفي العنف السياسي في كولومبيا؟ هناك مجازر جماعية وجرائم حرب في دار فور والوضعية فيها بلا شك غير مقبولة، لكن اندفاع البعض لجعلها السبب الرئيسي لما يدعو إلى الفضول، خاصة حين نتبين أن أغلبها غير مشروط بإسرائيل . باسم الأخلاق، هذه الأرواح الجميلة تندد أحيانا بعنف من لا يريد تلبية مناداتها في الذهاب إلى الحرب دارفور. هل أخلاقيا جيد إقحام قضية من أجل حجب أخرى، التحدث عن دارفور لتجنب العرض الإعلامي الخاص بفلسطين؟
في إرادة العجز، كتبت في سنة 1996: »يمكن حينها ملاحظة العطف الحيوي المثار من قبل مثقفينا المتلألئين إزاء الشعب البوسني، ليس له معادلا سوى اللامبالاة الصامتة، بل أيضا القديمة التي تأكدنا منها إزاء شعب يعاني أيضا الظلم بالقوة، إنه الشعب الفلسطيني. حساسية المأساة البوسنية، تقدم كدفاع عن المبادئ الكونية، ليست في الغالب سوى ثمرة ندم غير معلن أو غير قابل للاعتراف، لصمت أمام ضغط عضلي.« لن أغير سطرا واحدا من هذا
*********************************************************
- CF. sur ce point Pierre Péan, Cornages, Fayard, 2010, 570 pages
**************************************************************
التقرير.
لأنتهي هناك أيضا الأسباب »السهلة«، تلك التي هي مرئية ولا تعاكس المصالح القوية جدا في حقل نشاطكم. كويفيز أو كاسترو وجهان مهمان جدا على الساحة الدولية. التعرض لهما يفضي إذن إلى استعراض كبير. لكن في الحالة الفرنسية، اللوبي الكوبي أو الفينيزويلي يمتلك وسائل رد جد محدودة. القوة السياسية، الاقتصادية والإعلامية للمدافعين عن هذين الشخصيتين ليست قوية جدا، ليس هناك إذن أي خطر للتعرض لهما. هل لهذا هما أقل جدارة من القادة العالميين؟ إنها إذن، حدث رؤية أخلاقية الأكثر تنديدا؟ إنها بعيدة عن أن تكون يقينا...


*******************************************

بسكال بونيفاس
ترجمة: د. عبد الرحمن مزيان


نشر في الموقع بتاريخ : الأحد 29 جمادى الأول 1435هـ الموافق لـ : 2014-03-30



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس
بقلم : محمد جاسم الخيكاني
عناوين زائفة تُرفع للاسترزاق و لخداع الناس


قراءة نقدية لقصة " عقدة " للكاتب: جمال الدين خنفري بقلم الناقد: مجيد زبيدي
بقلم : الأستاذ : مجيد زبيدي
قراءة نقدية لقصة


الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور
الدكتور : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقــــــة يُقدم  كتاب«الرواية والاستنارة»للدكتور جابر عصفور


يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية
بقلم : سمير عباس ( طالب دكتوراه في الأدب)
يتيمة الجزائر... الجامعة الجزائرية


لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة-02-
بقلم : محمد الصغير داسه
لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!!           /  الحلقة-02-


.. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها
بقلم : بشير خلف
.. برزت إلى السطح ، وفرضت سطوتها


أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!
بقلم : رضوان عدنان بكري
أكثر مساهم في تأليف قاموس «أكسفورد» الإنجليزي «مجنون»!!


الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده
بقلم : شاكر فريد حسن
الى سميح القاسم في ذكرى ميلاده


مجلة "ذوات"، في عددها (46)، وعنوان: "مواقع التواصل الاجتماعي.. منصات للإرهاب وتجنيد الشباب":
بقلم : عزيز العرباوي
مجلة


أكاديمي من كلية الآداب جامعة عنابة يُبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»
بقلم : اسماعيل صياد
    أكاديمي من كلية الآداب جامعة عنابة يُبرز «جهود علماء الأندلس في خدمة التاريخ والتراجم»




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com