أصوات الشمال
الجمعة 7 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟   * الحرّيّة ..مقال رأى   * القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ    * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن   * مهرة الأشعار   * اطروحة دكتوراه بجامعة عنابة عن الشاعر محمود درويش   * المجاهد القائد حسين بـــــــوفــــلاقـــــــة -الذكرى والعبرة-   * د. ماري توتري في غيهب الموت حياة نيرة    * حيِّ القديم   * مسافرة   * الندم افيّد للبشر / ( شرطي الأعماق ) (*)   * الأسطورة التاريخية الرمز الأنموذج الفريد من نوعه العم أحمد بيده بن الفسيان في ذمة الله.بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية    * فهل رحلت أمي ياترى.. ؟   * رحلة قيام الصهيونية .....و أكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض   * بياضات تلوّنها فلسفة الغياب في تجربة الشاعر المغربي محمد الزهراوي أبو نوفل   * المسافرة    * شاعر الحرية أمحمد عون في ذمة الله.    أرسل مشاركتك
إعجاز كتابة حروف القرآن في المصحف (2)
بقلم : د.نافذ الشاعر
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 985 مرة ]

يقول سبحانه ( وكان له ثمر فقال لصحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا واعز نفرا.. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ..)... جاءت كلمة "صاحبه" في الآية الأولى بدون ألف، لتبين صورة صاحبين متلاصقين ومتقاربين لا حواجز بينهما ولا سدود؛ فلما كفر صاحبه بالساعة وحدث بينهما الافتراق، ووضعت بينهم الحواجز تغير ًرسم الكلمة إلى"صاحبه" بألف وسطية لتوحي بنوع من الانفصال الإيماني بينهم ..

إعجاز كتابة حروف القرآن (2)
بقلم/ د.نافذ الشاعر

نتابع الجزء الثاني من إعجاز كتابة حروف القرآن:
ثانيا: الحذف والزيادة:
(1): الألف:
(أ)- حذف الألف:
صاحب
إذا وردت كلمة صاحب بدون ألف في الوسط؛ فهذا معناه أن الشخص بينه وبين صاحبه صداقة حقيقية وتقارب وتلاصق، لدرجة أن الألف أزيلت لتدل أن هذا الصاحب ليس بينه وبين صاحبه أي حواجز أو سدود أو عوائق..
يقول سبحانه ( وكان له ثمر فقال لصحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا واعز نفرا.. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ..)... جاءت كلمة "صاحبه" في الآية الأولى بدون ألف، لتبين صورة صاحبين متلاصقين ومتقاربين لا حواجز بينهما ولا سدود؛ فلما كفر صاحبه بالساعة وحدث بينهما الافتراق، ووضعت بينهم الحواجز تغير ًرسم الكلمة إلى"صاحبه" بألف وسطية لتوحي بنوع من الانفصال الإيماني بينهم ..
ولو تدبرنا كل كلمة "صاحب "في القرآن الكريم كله لوجدناها تسير على هذا القاعدة؛ يعني في حالات وجود الألف الوسطية نجد أن هناك نوعاً من الانفصال فمثلاً حينما يتكلم القرآن الكريم عن الرسول صلى الله عليه وسلم وقومه الكافرين يقول( ما ضل صاحبكم وما غوى)- (ما بصاحبكم من جنة)- (وما صاحبكم بمجنون)..
لكن حين يذكر القرآن الكريم أبا بكر رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتى كلمة "صحبه" بدون ألف لتبين الصحبة الحقيقية والالتصاق الإيماني( إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا )

كذلك تأتى كلمة "صحبة" بمعنى (الزوجة) بدون ألف وسطية؛ لتبين رابطة الزوجية بين الزوج وزوجته، كما يقول تعالى:
(يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَحِبَتِهِ وَأَخِيهِ) المعارج12
( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) عبس{36}

وحين يتكلم القرآن الكريم عن الأبوين الكافرين فإنه يقول: "وصاحبهما في الدنيا معروفا " حيث جاءت صاحبهما بألف وسطية لوجود حاجز الكفر بينهم.. أما حين يتكلم عن موسى مع العبد الصالح فانه يقول له " إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصحبنى " بحذف الألف لوجود الالتصاق الإيماني بينهما..

ومثل هذا الالتصاق الذي يُرمز إليه بحذف حرف الألف، نجده في كلمة (لامستم) حيث كتبت بدون ألف؛ للدلالة على الالتصاق الذي يزيل الفوارق بين شخصين؛ فيلتصق كل منهما بالآخر..
{وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً}النساء43
{وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ}المائدة6

(ب) زيادة الألف
بسم – باسم
وردت كلمة (بسم) بدون ألف وسطى، ثلاث مرات في القرآن؛ بالإضافة إلى فواتح السور:
{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [الفاتحة: 1].
{ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } [هود: 41].
{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } [النمل: 30].

كما وردت كلمة (باسم) بألف وسطى، أربع مرات في القرآن:
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة:74].
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة:96].
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق:1].
{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الحاقة:52].

نجد هنا عدم حذف الألف من كلمة (باسم ربك) ليرمز وجود الألف إلى أن اسم (ربك) ليس خالصا لله وحده، إنما يدخل فيه الإله وغير الإله، يعني كل سيد يكون تحت يده عبدا يطلق على هذا السيد رب هذا العبد،.. كما يطلق الرب على الأب فيقال: رب الأسرة، ويطلق على السيد الذي يكون تحت يده عبد، كما جاءت إليه الإشارة في سورة يوسف (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) وقوله تعالى: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}..
وكما جاء في قصة هدم الكعبة من قبل جيش أبرهة، عندما قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً يحميه..
أما عندما يُذكر (الله) فيقول (بسم الله) يعني بحذف الألف لترمز إلى أن هذا الاسم خالصا لله لا يشاركه فيه احد من المخلوقات، ولترمز أيضا إلى أن الله قريب من عباده.. لأن لفظ الجلالة (الله) هو العلم على الذات الإلهية الذي لا يشاركه فيه أحد..

سموات – سموت
وردت كلمة (سموت) بهذا الرسم بدون ألف صريحة 190 مرة في القرآن الكريم كله... ووردت مرة واحدة فقط بألف صريحة بعد حرف (و) بالرسم القرآني (سموات) وذلك في سورة فصلت: { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} ما السبب؟
لأنه هنا يشير إلى قضية كبرى هي قضية خلق السماوات والأرض وترتيب هذا الخلق ومدته وتقدير الأقوات في الأرض.. لذا فإن الأمر يحتاج إلى تدبر وتفكر، فجاءت كلمة (سموات) هنا متميزة عن باقي الكلمات في القرآن كله لتلفت النظر إلى هذه القضية..

الميعاد – الميعـد
وردت كلمة (الميعاد) بألف في وسط الكلمة 5 مرات في القرآن الكريم... وكلها تتكلم عن الميعاد الذي وعده الله.. لذلك جاء هذا الميعاد واضحاً وصريحاً ولا ريب فيه..
قال تعالى:
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [آل عمران: 9].
{ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [آل عمران: 194].
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [الرعد: 31].
{ { قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ } [سبأ: 30].
{ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } [الزمر: 20].
ووردت مرة واحدة فقط بدون ألف (الميعـد) حين نسب هذا الميعاد إلى البشر حيث يقول تعالى: { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَـدِ } [الأنفال:42].

سعوا – سعو
وردت (سعوا) بألف مرة واحدة، ووردت (سعو) بدون ألف مرة واحدة أيضاً في القرآن الكريم كله، وتوحي كلمة (سعو) بدون ألف إلى أن هذا السعي في إنكار آيات الله متسرع جداً بدون تدبر ولا تفكر..
-{ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [الحج51].
-{ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ5].
وهكذا نجد أن كلمة (سعو) حُذفت منها الألف لترمز إلى أن هذا السعي سيكون جزاؤه عاجلا في الدنيا قبل الآخرة. فنقص الألف من كلمة (سعوا) ترمز إلى سرعة مجيء هذا الرجز، وهذا يدل على انه يكون في الدنيا وليس في الآخرة، ولو تتبعنا كلمة الرجز في القرآن كله سنجدها تشير إلى عذاب في الدنيا كما يقول عز وجل:
{فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ }البقرة59
{وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ }الأعراف134
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} (الأعراف135)
{إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} (العنكبوت34)

وسئل – فسئل
وردت كلمة (أسال) في القرآن الكريم كله بدون حرف الألف في وسط الكلمة؛ مثل:
{ فَسْئلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ} [يونس: 94].
{وَسْئلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } [يوسف: 82].
{وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } [النساء: 32].
{ فَاسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } [النحل: 43].
ويرمز حذف حرف الألف، من وسط الكلمة، إلى أن السؤال دائماً يأتي في عجلة وتسرع وتلهف؛ لأن الإنسان دوما يتعجل سرعة الإجابة، كما يقول المثل "صاحب الحاجة مجنون"، وكما يقول القرآن الكريم: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً}؛ لذلك جاءت كلمة (اسأل) بدون حرف الألف لترمز إلى سرعة السؤال والتلهف في انتظار الجواب.

(2): الياء:
(أ) حذف الياء:
تحذف الياء لغرضين هما: السرعة والخفاء، وهذا مثل قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ }هود105 وذلك ليرمز إلى سرعة مجيء وعد الله..
{وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً }النساء146 وحذفت الياء هنا لترمز إلى سرعة ثواب الله للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وتدل كذلك على خفاء هذا الثواب.
وقوله تعالى: {وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً}الكهف24
وحذفت الياء هنا لترمز إلى سرعة استجابة الله لطلب المؤمنين، وكذلك خفاء ما أعد الله للعباد من الثواب والحساب، فتم إخفاء الياء هنا لترمز إلى خفاء هذا الأمر!
وقوله تعالى: {قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً} الكهف64 وحذفت الياء هنا لترمز إلى سرعة قول موسى عليه السلام، وتعجله لهذا الأمر الذي كاد ينفذ صبره وهو ينتظره..
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} (الفجر4) حذفت الياء لترمز إلى سرعة سريان الليل، وكذلك لأن ظلام الليل يخفي الأشياء عندما يسري على الكون.

(ب) زيادة الياء:
أما زيادة الياء فهي تدل على المبالغة في الشيء؛ إما مبالغة من جهة أن هذا الفعل حسن فعله، وإما مبالغة من جهة شدة الإنكار والتوبيخ لمن يفعل هذا الشيء، كما في قوله تعالي: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟!)آل عمران144
وقوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآىء نَفْسِي)يونس15 فهنا زيدت الياء لترمز إلى المبالغة في الاستنكار!

وقد تكون زيادة الياء للدلالة على المبالغة في فعل الشيء لأنه حسن وجميل..، مثل قوله تعالى:
-{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَآىء ذِي الْقُرْبَى)النحل90
-وقوله: {وَمِنْ ءانَآىء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}طه130
وقد تكون زيادة الياء لترمز إلى المبالغة في القوة والشدة.. مثل قوله تعالى: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)الذاريات47

وأحيانا توضع الياء لتدل على المبالغة في وجود الحجاب والحاجز والسد الذي لا يمكن اختراقه أو إزالته بحال من الأحوال، مثل قوله تعالى:
-(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَآىء حِجَابٍ)الشورى51
لكن إذا كان هذا الحجاب يمكن اختراقه وإزالته فإن الياء لا تزاد، مثل قوله تعالى:(وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ) الأحزاب53

وقد تزاد الياء لترمز إلى شدة الوضوح والظهور بما لا يخفي على عين بصير، ومن أمثلة ذلك:
{وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ، وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِي الْمُرْسَلِينَ }الأنعام34

ومن الملاحظ أنه يتم حذف إحدى الياءين إذا كانت الثانية علامة للجمع، نحو قوله "النبيّن" و "الأمّيّن" و "ربّنيّن" و "الحواريّن" إلا موضعا واحدا تم رسم الياءين فيه في قوله تعالى:
(كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) وذلك للعناية بهذا المقام الذي يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، وأنه سيكون مقاما عليا يراه وينظره الناس أجمعون من شدة الوضوح والغبطة لمن تبوأ هذا المقام العلي.

رَءَا- رأى:
وعلى نفس القاعدة السابقة في زيادة (الياء) في الفعل كي ترمز إلى المبالغة في هذا الفعل، وأنه ليس فعلا عاديا- ورد كذلك فعل الرؤية (رأى)؛ فقد ورد هذا الفعل في القرآن 13 مرة، كلها رسمت هكذا (رءا) ما عدا موضعين رسمت بهذه الصورة (رأى) يعني بزيادة الياء، ومن أمثلة المواضع التي رسمت فيها هكذا (رءا):
{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَءَا كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} (الأنعام76)
{فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ}هود70
{وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ}يوسف24
{وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} النحل85
{ورَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً} الكهف53
{وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً }الأحزاب22
أما الموضعان اللذان ورد فيهما رسم رأى بالياء:
- {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}النجم11
- {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}النجم18
وقد تمييز هذان الموضعان بزيادة الياء لترمز إلى أهمية الرؤية التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج، وأنها رؤية تختلف عن الرؤى الباقية..

وكتابة الألف على شكل الياء تكرر في الكلمات التي فيها عناية خاصة أيضا مثل قوله تعالى:
{قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} هود72
قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً}الفرقان28
قوله تعالى: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} (الزمر56)
قوله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} (يوسف84)

وكذلك كتبت كلمة (لدى) مرة بالألف ومرة بالياء، فقد كتبت في سورة غافر بالياء في قوله تعالى:
{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ}غافر18، وذلك لترمز إلى شدة المعاناة في يوم القيامة، وكأن القلوب وصلت إلى الحناجر واستقرت فيها ومكثت هناك.. أما في سورة يوسف فقد كتبت بالألف هكذا (لدا) حيث يقول تعالى:
{وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ..} (يوسف25)؛ لأن الباب ليس مقصودا بذاته ولم يستقر زوجها في الوقوف عنده، إنما تحول عنه سريعا، وقد ألمع الأمام الداني إلى ذلك بقوله: (وقال المفسرون معنى الذي في سورة يوسف "عند" وفي سورة غافر بمعنى "في" فلذلك فرّق بينهما في الكتابة) .

(3): الواو:
(أ): حذف الواو:
تحذف الواو لترمز إلى السرعة في حصول الشيء وتحققه ومجيئه..، وذلك في مثل قوله تعالى: {وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً}الإسراء11 فقد حذفت الواو هنا لترمز إلى عجلة الإنسان في طلبه الأمور التي تضره!
وقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ }القمر6
وقوله: {سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ }العلق18
وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }الشورى24 فقد حذفت الواو هنا لترمز إلى سرعة محو الله للباطل.

لكن الملاحظ أن كلمة (يمحو) لم تحذف منها (الواو) في قوله تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } (الرعد39)
فقد أثبت هنا (الواو) في كلمة "يمحو" ليرمز إلى أن هذا المحو طويل الأمد، وليس محوا سريعا كما في محو الباطل، إنما هو محو واثبات ومتكرر على مدار التاريخ إلى يوم القيامة، حيث يكون محوا بالحق وإثباتا بالحق.. لكن عندما تحدث عن محو الباطل رمز إلى محوه بحذف الواو، ليدل على انه محو يتم على نحو سريع.
أما المحو في الآية الثانية فهو بمعنى "النسخ" الذي هو إزالة معنى قديم وإثبات معنى جديد مكانه؛ لأن من المعاني اللغوية لكلمة النسخ: الإزالة والمحو،.. يعنى إزالة معنى قديم وحلول معنى جديد حسب العصر الذي يعيش فيه المسلم، وهذا مأخوذ- كما ذكرت في موضوع النسخ سابقا- من المعنى اللغوي لكلمة النسخ، وهو التبديل والرفع والإزالة...
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)(الرعد39) يعني يمحو الله ما يشاء من المعاني القديمة لبعض الآيات ويثبت معاني جديدة مناسبة حسب تقدم الزمن، فيجعل الناس تنسى المعاني القديمة ولا تعد تذكرها إلا قليلا، ثم تأخذ بالمعاني الجديدة وتسلم بها تماما. وهكذا فإن المحو متكرر وطويل؛ فلزم أن يثبت "الواو" فيه على العكس من محو الباطل؛ الذي حذفت منه الواو في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }الشورى24

(ب): زيادة الواو:
أما زيادة الواو فترمز إلى المبالغة في الشيء وأن هذا الفعل الذي زيدت فيه الواو يكون أكثر من المعتاد وتجاوز الحد، وفيه مزيد من الاهتمام، مثل قوله تعالى: {أَوَ مَن يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}الزخرف18
وقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ}النور35
وقوله: {يُنَبَّؤُأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ}القيامة13
وقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآؤا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}فاطر28
وقوله: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَآؤُا}هود87
وقوله: {وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ}غافر41
وقوله: {وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى}النجم20
وقوله:{وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاوةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}الأنعام52
{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً }الكهف16
{قَالُواْ تَالله تَفْتؤاُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}يوسف85
{قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَکًّؤاْ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى}طه18
( وَيَدْرؤَاُْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) (النور8)
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ، وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَؤاْ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ }الروم13
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ }ص21

- زيادة وحذف "الواو" في الربا في القرآن:
من الملاحظ أن الواو في كلمة الربا زيدت في كل المواضع في القرآن الكريم، ما عدا موضع واحد هو قوله تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم39) .. لماذا؟
وذلك لأن المرابين في الآية السابقة أعطوا الربا، حيث تقول الآية (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً) أما في الآيات الباقية فأنهم قد أخذوا الربا أو أكلوه، ومثاله قوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (النساء161)
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة275)
وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَوا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (آل عمران130)
{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَوا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (البقرة276)

ويبدو أن زيادة حرف أو حرفين في كلمات أي لغة وسيلة مستخدمة ليرمز واضعو هذه اللغة إلى أن هذه الكلمة يجب أن يكون بها عناية خاصة تختلف عن غيرها من الكلمات، فعلى سبيل المثال نجد في اللغة الانجليزية هذه الزيادة وخصوصا زيادة الكاف غير المنطوقة في بداية الكلمة مثل:
Kneel =یرکع آو یسجد
know =یعرف
knife= سکین
knight=فارس، أو الرجل النبيل
knighthood= الشهامة
knock= یضرب بعنف
knockout=الضربة القاضية
knot=عقدة أو رباط الزوجية
knotty=معقد، صعب..

وكذلك لا ينطق حرف t فی هذه الكلمات للسبب نفسه:
قلعة=castle
تصارع=wrestle
الحواري=apostle
Listen=يصغي
Bristle=يتخذ موقف عدائي
Thistle=الشوك

وكذلك نجد هذا الأمر في اللغة الفارسية، حيث أضيف حرف الواو غير المنطوق إلى بعض الكلمات ليرمز إلى مزيد العناية بهذه الكلمات التي ترمز إلى بعض المسميات، مثل:
خوار=ذليل
خواركار=ظالم
خواست=رغبة
خواندن=قراءة
خوانندگی=غناء، نداء
خواه=راغب، مشتاق
خواهش=رجاء
خواهر= أخت
خواهشگر=شفیع، وسيط..
خواب=نوم

وقد يعترض البعض بان الحروف الزائدة لم تكن بسبب أن وراء هذه الكلمات معاني يجب ملاحظتها والاعتناء بها، إنما هي حروف كانت منطوقة قديما..
وأقول ليس في نطق بعض الناس لهذه الحروف دليل على أن هذه الحروف كانت منطوقة قديما، لأن بعض الناس يقرءون هذه الكلمات بفطرتهم كما هي مكتوبة، وهذا أمر مشاهد؛ حيث نجد بعض الناس يتحدثون ببعض الكلمات كما هي مكتوبة أيضا، ولا يلتزمون بقواعد النطق، فمثلا نجد الكثيرين لا يفرقون بين اللام الشمسية واللام القمرية، فينطقون كل (لام) على أنها لام قمرية.. فهل نتخذ من نطق هؤلاء قاعدة نقيس عليها؟!

الفصل والوصل:
1- كيلا و (كي لا):
كتبت (كيلا) على هيئتين مختلفتين في جميع آيات القرآن الكريم؛ حيث وردت 4 مرات بهيئة متصلة هكذا (كيلا)، ووردت 3 مرات بهيئة منفصلة هكذا (كي لا) فما السبب؟
السبب أن (كيلا) ترد متصلة، إذا كان الكلام في الآية فيه معنى الاتصال، وترد (كي لا) منفصلة إذا كان الكلام فيه معنى الانفصال، كالتالي:

(أ): لكيلا
1-(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً)الحج5
فهنا الآية تتحدث عن اتصال مرحلة خلق الإنسان منذ كان ترابا، ثم نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم خروجه طفلا وبلوغه أرذل العمر.. وهذه كلها مراحل متصلة في خلق الإنسان، فرمز هنا إلى هذا الاتصال باتصال كلمة (كيلا).

2-(إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)آل عمران153
الحديث في الآية يدور حول معركة احد وهروب بعض الصحابة من المعركة، فكانوا في أثناء المعركة محزونين، وبقي هذا الحزن في قلوبهم بعد المعركة أيضا، حيث تقول الآية (فأثابكم غما بغم) يعني غما يعقبه غم، فهو غم متواصل وغير منقطع عن نفوسهم برغم هروبهم، فنجد هنا الحديث عن شعور واحد متصل أثناء المعركة وبعدها وهو (الغم) الذي أصاب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فرمز إلى هذا الأمر باتصال كلمة (كيلا).

3-(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً)الأحزاب50
الحديث يدور هنا حول الزواج؛ حيث تذكر الآية أن الله عز وجل أحل للنبي صلى الله عليه وسلم، أزواجه اللاتي في عصمته، كما أحل له الزواج من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته..، وكذلك أحل له ملك يمينه.. فالآية لا تشير هنا إلى أي استثناء، إنما تشير إلى ما أباح الله لنبيه من النساء؛ فرمز إلى ذلك باتصال حروف كلمة (كيلا).

4-(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد23
الحديث في الآية يدور عن اتصال مصير الإنسان منذ الأزل؛ حيث كتب له كل شيء سيصيبه في اللوح المحفوظ منذ القدم، فالماضي متصل بالحاضر وبالمستقبل؛ وهذا القدر الذي كتب للإنسان نجده وثيق الصلة به، يصيبه بالفرح حينا وبالحزن أحيانا.

(ب): كي لا
1-(وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) النحل70
الحديث يدور هنا عن موت الإنسان وانفصاله عن دنياه التي يعيش فيها، فرمز إلى ذلك بانفصال كلمة (كي لا) التي ترمز إلى الموت والانفصال.

2-(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) الأحزاب37
الحديث هنا يدور عن الطلاق، أي طلاق السيدة زينب من أسامة بن زيد، فرمز إلى ذلك بانفصال كلمة (كي لا)؛ لأن الحديث هنا يدور عن طلاق وزواج، أي عن انفصال واتصال..

3-(مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) الحشر7
الحديث يدور هنا على الحث على إنفاق المال في سبيل الله، وتوزيعه على كل فئات الناس وطبقاتهم وعدم إمساكه، حتى لا يكون ملازما ومستقرا في أيدي الأغنياء لا ينفصل عنهم أو ينفصلون عنه؛ لذلك رمز إلى هذا الانفصال بانفصال كلمة (كي لا).

2- عن ما- عما:
كل ما ورد في القرآن من ذكر "عن ما" فقد كتبت بدون نون هكذا "عمّا" إلا موضعا واحدا في سورة الأعراف في قوله تعالى:
{فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}الأعراف166
وذلك لأن المعنى هنا يفيد النهي عن فعل هذا الشيء فوجب الابتعاد عنه. ويرمز أيضا إلى تحول من فعل هذا الفعل إلى مخلوق آخر منفصل عن جنس بني الإنسان تماما؛ لأجل ذلك رمز إلى ذلك بانفصال الكلمتين.

3- يا ابن أم:
{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي }طه94
تم وصل كلمة (يا ابن أم) لترمز إلى الاتصال الحقيقي بين موسى وأخيه هارون في عدة أمور، منها:
-أنهما أخوان من أم واحدة وأب واحد.
-أنهما على شريعة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
-أن هيئتهما الخارجية كانت في حال اتصال والتصاق؛ حيث ترسم الآية مشهد موسى عليه السلام وقد التصق بأخيه هارون يأخذ بلحيته ويجره إليه..
-أن هارون هو اقرب الناس إلى موسى عليه السلام، ولذلك خصه بدعائه دون غيره من الناس في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}المائدة25

4- أن ما- أنما:
كتبت (أنما) موصولة في جميع آيات القرآن، إلا في موضعين كتبت منفصلة هكذا: (أن ما)؛ والموضعان هما:
قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ }الحج62
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}لقمان30
والآيتان الآنفتان هما آية واحدة متكررة في موضعين مختلفين من القرآن الكريم، وكتبت بشكل منفصل لترمز إلى الانفصال الحقيقي بين الحق الذي يدعو إليه الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبين الباطل الذي يدعو إليه المشركون.
أما في المواضع الأخرى فقد كتبت ملتصقة لترمز إلى وجود علاقة اتصال والتصاق من نوع ما، مثل قوله تعالى:

{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (الأنفال28)
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ }المؤمنون55
{وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..}الأنفال41
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }آل عمران178
{وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ}المائدة92
{فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ }هود14
{أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}الرعد19
{هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (إبراهيم52)
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}الكهف110

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين




نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 24 ربيع الثاني 1435هـ الموافق لـ : 2014-02-24

التعليقات
نادية مداني
 مرحبا أستاذ ناذفذ وألف شكر على هذا المجهود الطيب ،الذي ينبش في الذاكرة وكما يقال ذكر لعل الذكرى تنفع المؤمنين ...لقد لفت إنتباهي أستاذ في وجود إعجاز علمي في رسم الحروف الموجودة بالقرآن الكريم ...وتنسيقها المحكم فهي تعتبر رائدة في التنمية البشرية ، بحيث يجرى حاليا بمعاهد علم النفس العلاج بالقرآن.
في الأخير لي سؤال ،أصحيح سينبغ في الطب رجل من قوم عيسى عليه السلام...
وينبغ في علم الكلام رجل من قوم موسى عليه السلام ، يعني سينبغ رجل في الكلمة وسيكون من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ما معناه علميا"الهندسة الوراثية".
مجددا شكرا لمجهوداتك وأدامك الله قلما نافعا... 


د.نافذ الشاعر
 اشكرك استاذة نادية مداني على هذا التعليق الجميل وعلى القراءة لموضوع رسم المصحف الذي قمت به بعد سماع كثير من الطاعنين في القرآن بسبب هذه الامر حيث زعموا ان هذه كانت اخطاء املائية في القرآن الكريم..
بصراحة بالنسبة لتساؤلك عن نبوغ شخص في الطب من قوم عيسى، ونبوغ شخص في الكلام من قوم موسى وعن نبوغ شخص في الكلام من قوم محمد صلى الله عليه وسلم.. هذا الأمر لربما يكون صحيحا وله وجاهة وهو تفكير فيه عمق ، لكن ما دخل الهندسة الوراثية في الموضوع؟
على العموم انا اشكرك على هذه القراءة وعلى التعليق
دمتي بخير

 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com