أصوات الشمال شركة الراشدية
الأربعاء 16 جمادى الثاني 1435هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قراءة تفكيكية في "حماقات شاعر. " للشاعر سليمان جوادي..   * التناص في كتابات البشير الإبراهيمي   * ماذا تحمله لنا أيها الغد ؟؟    * رسائلُ اللهِ إلى أمّنا الأرض   * صَرْخَةُ أُمٍّ..فِي مَوْكِبِ الرَّحِيلِ ؟! / قصة قصيرة   * رؤية العالم..بين فصوص القرية والسيرة الذاتية ...عند "مصطفى دحية."..   * قراءة نقدية   *  تاريخية السيرة الذاتية في سردية المتخييل المؤول تاريخية السيرة الذاتية في سردية المتخييل المؤول   * منعرجات الحلم   * العنفاء ونبع الأمنيات   * حبّي لعينيك   * همس الاقمار    * دمعة أم   * شكله وردتان    * عندليب الأغنية البدوية البسكري رحاب الطاهر   * عياش يحياوي يكرم في بلدته   *  الحنين يموت تحت الصقيع   * جـنــى البــــوح   * تأسيس جمعية ثقافية بالجديدة: بلاغ صحفي   * زورق لعبور القصيد    أرسل مشاركتك
دلالة المكان في رواية " نزيف الحجر" لإبراهيم الكوني
بقلم : د. نسيمة علوي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1121 مرة ]
نزيف الحجر


الملخص
تشتغل رواية نزيف الحجر على البعد المكاني الذي يتعلق بالقيمة الجغرافية المهمة للصخر داخل فضاء الصحراء الواسع فهو المكان الشاهد على تعاقب الحضارات عند شعب الطوارق ، لذا اهتم ابراهيم الكوني بظاهرة الربط بين الطّبيعة الصمّاء والثّقافة السّياحية التي تنتجها لغة النّص الروائي ، ففي رواية نزيف الحجر يعمل السارد على تحويل الصور الأيقونية للطبيعة الصحراوية إلى علامات دالة على مخيال سحري وأسطوري مناسب لإنجاز مدونة تقوم على إحياء المعتقد الشعبي في صحراء ليبيا .


1- سلطة المكان عند إبراهيم الكوني*:
إبراهيم الكوني يسير في رواياته الكثيرة على نسق واحد ووتيرة درامية متشابهة تطبعها العودة إلى تاريخ الأدب العربي في عصر فتوته وازدهاره فروايات الكوني تتركب وفق نموذج استيتيقى سردي يتشابه بقدر عظيم مع تلك القصائد العربية القديمة ، نقصد بذلك الإبداع الشعري الجاهلي، حين كانت الطبيعة الصحراوية مربض ذاكرة الشاعر، وكان الجمل والحيوانات البرية ؛ الكائنات غير الناطقة التي تسيّر دراما الحكي الشعري ، بعد أن يزيل عنها الشاعر تلك العجمة ويخرجها في صورة نموذج مثالي للوفاء والشجاعة والبطولة.
إبراهيم الكوني يستعير مواضيع القصيدة العربية ليبني في كل مرة صرحا سرديا تحفّه الشّعرية العارمة ، بدلالاتها الحرفية ، وتراكيبها البلاغية ، التي تتطلّب قراءة واعية ؛ قراءة تنفذ إلى جسد النص ، وتعبر روح الإبداع الروائي ، هناك ستصيب القارئ لذة الغواية الكتابية بمختلف أشكالها ؛ اللذة التي تتمنّع عن الحضور لولا وجود البعث النقدي الحداثي الذي استأصل جذوة الحروف ، وركّب على نسقها منوالا للمتعة ، إذ ثمّة صوفية نصوصية كما يبدو، وأنّ كل الجهد فيها لينصبّ لجعل لذة النص لذة نقدية .
عرف إبراهيم الكوني بتأسيسه لأدب المكان الصحراوي في أعماله الأولى التي اهتمّت بسرد عالم الصّحراء الليبية ، بوصفها مكانا جغرافيا يحمل طابع التميز والغرابة عن غيرها من الأمكنة الطبيعية التي تحمل مدلول الخصب والنماء في صورها الظاهرية لذلك (( تستأثر الصّحراء باهتمام منقطع النّظير في عالم الكوني الروائي ، فغضبها وصفاؤها وعتمتها وأمانها وغدرها يترك أثره الكبير في الأبنية السّردية بما في ذلك الشخصيات والأحداث واللغة )).(1 )
يقوم إبراهيم الكوني بتحويل عناصر الطبيعة الصّماء للصحراء إلى عالم سردي بديع تؤثّثه اللغة الجمالية التي لا تعتني بوصف المظاهر الخارجية للمكان فقط بل تهتمّ كذلك برصد الأبعاد الاجتماعية والثقافية لأصحاب المكان ، وهم شعب الطوارق الذين يمثّلون صورة مشهدية متفرّدة استطاعت التعايش مع عالم جغرافي يتّصف بالقسوة والحرمان لذلك فقد رصد (( الكوني في رواياته وقصصه المعالم الجغرافية ، والحياة الاجتماعية ، والروحية في الصّحراء الليبية الكبرى ، وتتميّز رواياته عن غيرها من الرّوايات التي تناولت الصحراء باهتمامها بالعودة إلى الماضي السّحيق للصحراء ، والكشف عن أساطيرها ورموزها ، ورمــالها التي سطّر عليها الأسلاف تعـاويذهم ، ورقاهم ، وتمائمهم السّحرية )).( 2)
في رواية نزيف الحجر يقوم إبراهيم الكوني بتجسيد عناصر الطبيعة الصحراوية بوصفها فضاء سياحيا يحمل أيقونات مادية وأخرى مجرّدة ، دفعت الروائي إلى استثمار المعارف التاريخية المتعلّقة بقراءة الآثار الحجرية في صحراء التاسيلي لإنجاز نصّ تخييلي يقوم على وصف المكان المهدّد بالإهمال من طرف أصحابه ، كما يتعرّض إلى عمليات النّهب والتدمير من قبل السّياح الأجانب ، لذلك (( يتبنّى الكوني في مجمل رواياته رؤية تمجّد الطبيعة الصّحراوية ، والحياة البدائية ، وتدين بالمقابل الحضارة المعاصرة ، وتعرّي الأساس الذي بنيت عليه ، وهو حبّ المال ، وتدمير الطبيعة )).( 3)
يبدأ السارد حكيه في نزيف الحجر بوصف الأيقونة الحجرية وهي أهمّ صخرة في وادي متخندوش حيث رسمت عليها صورة الودّان ككاهن عملاق ، لذلك كان البطل أسوف يسائل أباه دائما عن سرّ الصخرة وعلاقتها بالجنّ . عيّنت مصلحة الآثار أسوف حارسا على الصّخور التي كان يزورها السّياح ويصلّون أمامها كنصب وثني ، ولكنّ البعض منهم كـان يمارس هواية صيد الودّان ، الحيوان الأسطوري الذي كان سببا في موت والد البطل أثناء مطاردته عند قمّة الجبل. يزور النّصب الوثني رجلان أحدهما قابيل زمانه يهوى سفك الدّماء والآخر دليله ومرشده مسعود ، يطلبان من أسوف أن يدلّهما على موقع الودّان ولكنّه يرفض ذلك فيشدّانه إلى رسم الكاهن الأكبر ويعلنان موته ، لكنّه كان في كلّ مرّة يردّد التعويذة التي حفظها عن والده (( لن يشبع ابن آدم إلاّ التّراب)).
يختار أسوف مصيره بيده فيرتضي الموت مصلوبا إلى صخرة الكاهن الأكبر متخندوش على أن يدلّ قابيل ومسعود على مكان وجود الودّان حفاظا على الطّبيعة الصّحراوية ، وفي آخر مشهد حكائي يذبح قابيل أسوف على الصّخر فتتقاطر خيوط الدم على اللوح الحجري الذي كتب عليه بالتيفناغ ((أنا الكاهن الأكبر متخندوش أنبئ الأجيال أنّ الخلاص سيجيء عندما ينزف الودّان المقدّس ويسيل الدم من الحجر.
تولد المعجزة التي ستغسل اللعنة ، تتطهّر الأرض ويغمر الصّحراء الطوفان )).(4 ) ينزف الحجر دما ويعمّ الصّحراء طوفان يغسل خطايا البشر ليسدل الستار على هذه الملحمة البشرية التي تجسّد أبعاد الصّراع بين قوى الخير والشّر في العالم.
-2 وصف المكان:
يحمل العنوان ( نزيف الحجر) بعدا مكانيا يتعلّق بالقيمة الجغرافية المهّمة للصّخر داخل الفضاء الواسع للصحراء ، فهو المكان الشّاهد على تعاقب الحضارات ، لذلك يأخذ الفضاء الروائي بعدا جغرافيا إن كان يصف دلالات المكان في العمق، ويوجه القارئ إلى معالم معروفة ومنتظمة لها تاريخها وآثارها الباقية ، إذ ترتبط في بعض الأحيان بالواقع الراهن ، فتمحي رمزية الأسماء وسيميائية الأفضية.
ترى "جوليا كرستيفا" "Julia Kristeva" أنّ عبارة الفضاء الجغرافي تطلق على بعض البنيات الخطابية التي تظهر خلال مرحلة تاريخية مرتبطة بأيديولوجيم العصر (L’idéologéme) الذي يميز تلك المرحلة(5 ).
والأيديولوجيم هو الخصيصة الثقافية التي تطبع بيئة عصر ما، وتمنحه ذلك التفرّد الكتابي المتميّز عن غيره من النصوص الإبداعية السابقة أو المعاصرة .
تقدّم كريستيفا مثالا عن ذلك حول أثر المرحلة التاريخية في تشكيل الفضاء الجغرافي وتأسيس بنياته المكانية وفقا للرؤية الحضارية السائدة في عصر الكاتب، إذ ترى أنّ روايات "أنطوان دولاسال" "Antoine De lasale" يتمظهر داخلها الفضاء الجغرافي على شاكلة مفهوم الفضاء في عصر بداية النهضة أي قبل اكتشاف الكون الخارجي (Cosmos) … وعند ظهور الفضاء الرمزي، فإن الفضاء الروائي طوّره على حساب أيديولوجيم العلامة(6 ).
الـحقيقة أنّ الصّحراء في أعمال إبراهيم الكوني أصبحت علامة مكانية بارزة تقوم عليها بنية الفضاء الحكائي فيتحوّل المكان الجغرافي إلى نموذج متكرّر في كلّ الأعمال إلاّ أنّ تعدّد طرائق الوصف وصيغ التركيب السردي جعلت الصّحراء عنصرا فاعلا في توليد صور جديدة للمكان الطبيعي الثابت و يظهر من خلال هذه الأعمال التي تربط بين البنية الهندسية للمكان والإحساس الداخلي للمقيمين داخله أنّ إبراهيم الكوني متأثر بالمنهج الظــاهراتي الذي يرى أصحابه أنّ المكان في البناء الروائي (( يعاش كتجربة ويطرح كدلالة من خلال ثلاث معطيات: المعطى الإيديولوجي، المعطى الزخرفي ، المعطى البنائي )) ( 7).
يتمّ وصف المكان الجغرافي في نزيف الحجر بطريقة هندسية واعية تشبه ما يقدّمه عالم الآثار الذي يكتشف أسرار الحقب الجيولوجية المتعاقبة على المكان الذي يتمّ فيه البحث ، لذلك يستعين السّارد بحاسّة المشاهدة العينية التي تنقل التفاصيل الدقيقة للقطعة الأثرية الموصوفة ، ففي بداية الرواية يقدّم السّارد وصفا فنيا دقيقا للرسوم التاريخية التي تزيّن الصّخور والكهوف الصّحراوية ، لكن هذا الوصف ليس منفصلا عن خطّ الأحداث بل يرتبط بالمواقف السّردية المهمّة للنّص ، ففي مفتتح الرواية يبئّر السّارد موضوع العلاقة الحميمية التي تربط بطل الرواية بالحجر التاريخي ، حيث تعرّف أسوف إلى الصخر منذ صغره ، واهتمّ بالبحث عن شروحات للرسوم الحجرية التي تمثل بؤرة المحكي فكان الدفاع عن قداستها سببا في موت البطل و إعلانا عن نهاية القصّة .
إنّ الرسوم التاريخية شاهدة على عصر ما لذلك فهي تؤدّي وظيفة أنثروبولوجية تتعلّق بهوية شعب الطوارق داخل فضاء الصّحراء الكبرى ، وهذا ما أراد السّارد أن يعبّر عنه في وصف دهشة الطّفل الصّغير أسوف أمام النصب الحجري الشّاهد على التاريخ :
(( الرسوم تزيّن صخور الجبال والكهوف في الأودية الأخرى في كلّ " مساك صطفت". وقد اكتشفها في صغره عندما كان يهدّه الجري خلف القطيع الشقيّ فيلجأ للكهوف ليستظلّ من الشمس ويفوز بلحظات راحة فيتسلّى بمشاهدة الرّسوم الملوّنة: صيادون ذوو وجوه مستطيلة غريبة ، يركضون خلف حيوانات كثيرة لم يعرف منها سوى الودّان والغزلان والجاموس البرّي. في الصّخور أيضا نساء عاريات يحملن على صدورهنّ أثداء كبيرة ... كبيرة جدّا ولا تتناسب مع حجومهن )).( 8)
لقد اعتنى إبراهيم الكوني بكشف المعالم الصحراوية الواقعية إلى جانب اهتمامه بطابع التخييل الذي يميل إلى التجريد ، وبعث الفكر الأسطوري في الكشف عن القيمة الأنثروبولوجية للمكان والتي تتعلّق بالمعتقدات السائدة في المنطقة ، حيث يعتقد شعب الطوارق أنّ التركيب الجيولوجي للصّحراء قد نشأ عن الصّراع الأسطوري بين القوى العظمى في الطبيعة القاسية :(( انتهى السهل ، وبدأت " مساك صطفت " تعلن عن نفسها . انتشرت المرتفعات المغطّاة بصخور سوداء ضخمة محروقة بنار الشمس الأبدية. انتهى صفاء الصّحراء الرملية الممتدّة ، المنبسطة ، الرفيقة بالعباد ، وبدأت عراقيل الصّحراء الجبلية الغاضبة . هذه الملامح الصّارمة تستقبل بها هذه الصّحراء الرّحل القادمين من الصحراء المعادية : الرملية . ويبدو أنّها ورثت هذا الحقد من ذلك الزمان السحيق الذي كانت فيه المعارك بين الصحراويين القاسيتين لا تتوقف ، ولم تفلح حتّى الآلهة في السماوات العليا أن تصلح أو تخفّف من جذوة هذا العداء )).(9 )
إنّ شساعة الفضاء المكاني للصّحراء وقسوة مناخها تنذر سكّانها بالتّيه والضياع والجدب والقحط ، لذلك وجد إبراهيم الكوني في عالم الصّحراء مخيالا سحريا وأسطوريا مناسبا لإنجاز مدوناته السردية التي تقوم على إحياء الفكر الخرافي والمعتقد الشعبي المتوارث في منطقة المغرب العربي وبالتحديد صحراء ليبيا وحدودها المجاورة لها.
يمكن اعتبار رواية ( نزيف الحجر ) مدوّنة سياحية لمنطقة جغرافية معروفة ، قام السارد بذكر أسمائها وأبعادها المكانية إلاّ أنّه أسبغ عليها طرائق مـن التخييل الحكائي جعلتها مكانا مقدّسا يختلف عن الأمكنة الأخرى ، وهذا الأمر ليس جديدا على الكاتب العربي الـذي عبـّر عن فضاء الصّحراء في أشعاره الأولى التي تغنّت منذ الجاهلية بهذا المكان الخوارقي فـقد (( أفرزت الصحراء العربية أساطيرها وخرافاتها الخاصّة بها ، مثلما فعلت ذلك مناطق جغرافية أخرى من الـعالم ، كالصّين والهند واليونان القديمة ومواطن الهنود الحمر )).( 10)
-3علامات المكان :
يهتمّ إبراهيم الكوني في وصف المكان الصّحراوي برصد العلامات السيميائية للظاهرة الموصوفة في موقع ما ، وبالتالي فهو يعمل على تحويل الصّور الأيقونية للطبيعة الصّحراوية إلى سنن خطّية دالّة تخضع لأحـداث النسق الحكائي في بنيتها الشكلية ، ومن ثمّ تصبح الشمس والرمل والحجر علامات جوهرية في تحديد الأنساق البصرية القارّة في بناء المكان الصّحراوي.
يقيم إبراهيم الكوني تواصلا لفظيا مع هذه العلامات الجغرافية الثابتة فيستثمر إمكانات اللغة الجمالية لتحقيق المتعة المشهدية التي تحقّقها الفنون البصرية الأخرى كالسينما والرّسم والنّحت ، لذلك يعترض البعض حول قدرة الفنون اللغوية من روايـة وشعـر ومسرح في نقل جمالية الـوقائع البصرية ولعلّ ((الاعتراض على الطابع اللساني للظواهر البصرية – وهو اعتراض صائب-يقود في الغالب إلى نفي صفة العلامة عنها، وكأن لا وجود للعلامات إلاّ على مستوى التواصل اللفظي الذي تهتم به اللسانيات دون سواه )).( 11)
يعطي غروب الشمس في الصّحراء منظرا بصريا بالغ الجمال ، ولكنّه لا يؤدّي هذه الوظيفة التعبيرية إلاّ إذا وجد مرسلا إليه يعبّر عن انفعالاته ، والمعبّر عن جمال الشمس في رواية ( نزيف الحجر ) هو السارد وليس البطل أسوف الذي يعايش المنظر كلّ يوم ، فعند الغروب يقوم أسوف بحشر أغنامه في الكهف الكبير ومع علو ثغاء الماعز وتقافز الجديان يصف السارد لحظة الغروب :(( اختفت الشمس خلف الجبل ، ولكنّها استمرّت تسكب أشعتها الحمراء على السهل المعاكس .عند الغروب يروق للشمس أن تكسو الصحراء بغلالة حمراء من الشعاع )).( 12)
يأخذ وصف المنظر الواحد الثابت للغروب طرائق عدّة تخضع لقدرات السّارد البلاغية ، في حين يمكن تصوير المشاهد بالآلات الرقمية فتتخذ بعدا بصريا واحدا ومتشابها في كلّ الحالات ، لذلك يحاول السارد إبراز الوظيفة الانتباهية للغة ، تلك الوظيفة التي تقاوم صدمة الحداثة المادّية لعصر التكنولوجيا ، التي تنادي بموت مشاعر الإنسان وحلول الآلة في تفسير الظواهر الكونية ، حيث لا يقدّم السارد في ( نزيف الحجر) تفسيرا للظواهر الفلكية ولكنّه يدعو إلى تأمّل الغروب كظاهرة جمالية ، وهي وظيفة اللساني الذي يعمل على إعادة إنتاج الدلائل العلمية وفق تصوّراته اللغوية ، فيظهر منظر الغروب في النّص كما يلي :(( تزحزحت الشمس عن العرش ، وبدت عليها مسحة الهزيمة وهي تنكسر نحو الغروب. في لحظة الانكسار تبدو الشمس دائما مهمومة حزينة.
ربّما لأنّها تودع الصحراء إلى مثواها اليومي الخالد.
في الصّباح لا تبدو على وجهها مثل هذه السّمات. في الصّباح تبدو قاسية ، تتوعّد ، وتهدّد الكائنات بالتنكيل والعذاب )).( 13)
يشتغل السّارد في نزيف الحجر على ذكر مفاتن الطبيعة الصحراوية في مختلف فصول السنة بالنّظر إليها كعلامات مناخية تؤثّر على سلوك الطوارق في حياتهم اليومية ، وبالمقابل يجد لها معادلا علاميا في الحياة السّردية ، إذ تصبح حركة الشّخصيات مرادفة لحركة الطبيعة ، فالبطل أسوف ينتفض من غيبوبته التي قضاها خلال أيّام الجفاف والقحط ليسائل الطبيعة عن مظاهر الخصب والنّماء التي حلّت بها بعد تدفّق السيول والأودية عليها في أحد فصول الربيع السّخية : (( في ذلك العام اكتظت الأودية والسّهول وأطراف الجبال بالغابات والنباتات والأعشاب. رأى أشجارا لم يرها من قبل ، وذاق أعشابا لم يذقها من قبل . واستغرب أين تخفي الصّحراء بذور هذه النباتات . ما أن تهطل الأمطار وتعمّ السيول حتى تخضر الأرض العطشى القاسية الكئيبة بألف نوع من النبات . تنمو النباتات بسرعة ، وتخضرّ الأشجار الشاحبة اليابسة في أيّام قليلة . كأنّ البذور المبثوثة في العدم ، في ثنايا الرمل ، بين الصخور الصّماء ، تنتظر هذه اللحظة)).( 14)
-4 التقاطبات المكانية :
يهتمّ السّارد بتقديم التقاطبات المكانية التي تعلن عن اختلاف المواضيع الموصوفة تبعا للظروف المناخية ( صيف / شتاء ) وكذا المواعيد الزمنية ( ليل / نهار) ( أصيل / غروب ) والتضاريس الجغرافية ( سهل / جبل ) ، ( رمل / صخر) ، كما يقدّم السّارد صورا مشهدية عن المكان الواقعي للبيئة الصّحراوية بوصفه بؤرة ضرورية يقوم عليها الحكي ، حيث يضيف إلى النقل المشهدي للصورة المكانية صورا بلاغية جمالية يقوم عليها العمل التخييلي ، لذلك منحت اللغة الإبداعية للمؤلّف (( إمكانية دراسة المكان من حيث هو مسرح لثنائيات وتقاطبات هي التي تخلق التوتر الاعتيادي بين عناصر الفضاء الروائي وتعطيه طابعه الجدلي وتجربته الخاصة ))( 15).
يحتاج فضاء الصّحراء المتقشّفة مواده إلى مواد لغوية رامزة تحوّل الفقر المكاني للظاهرة الصحراوية إلى عالم سردي عجائبي يوظّف المواقف الحكائية لإنتاج صور فعّالة للمكان الجامد ، وهذا ما دعا إليه غالب هلسا- المهتم بقضايا المكان الإبداعي- حيث أشار إلى أنّ عدم وعي الروائي العربي بدور المكان في الرواية يجعل منه مصبّا تتجمد فيه الأحداث وتتكدّس فيه الأوصاف التي لا تضيف شيئا للعمل الإبداعي ، بل على العكس من ذلك تعيق القراءة ومتابعة الحدث، إذ ينشأ هذا التوظيف السلبي للمكان من خلال الرؤية المشهدية البعيدة عن التصور المجازي لكلّ ما تخلقه اللغة الإبداعية (16 ).
نشير في هذا المقام إلى تجربة غالب هلسا في الترجمة والاقتباس حيث فضّل تداول مصطلح المكان بدلا عن الفضاء خلال ترجمته عنوان كتاب غاستون باشـلار (la poetique de l'espace ) بجماليات المكان، إذ يشير في مقدمة الترجمة إلـى مفـهوم المكانية في الأدب ويحصرها في (( الصورة الفنية التي تذكّرنا أو تبعث فينا ذكريات بيت الطفولة ومكانية الأدب العـظيم تدور حول هذا المحور ))( 17) ، هذا الموضوع بالذات يركز عليه إبراهيم الكوني في جلّ أعماله الروائية حيث يدعوإلى ضرورة تحفيز الإنسان العربي على الاهتمام بظاهرة المكان الصّحراوي الذي يجد فيه الأجانب ملاذا روحانيا هروبا من مصاعب الحياة ، بينما يلقى الإهمال الفكري والحضاري من طرف أهل المكان .
يصوّر السارد الجشع الإنساني المتمثّل في ظاهرة صيد الحيوانات الصحراوية الآيلة للانقراض من أجل ممارسة هواية الأكل من طرف قابيل ومسعود رمز الشّر وتدمير الطبيعة ، ففي رحلة صيد قادتهما للبحث عن الـودّان أو ( الموفلون ) وهو أقدم حيوان في الصّحراء الكبرى ويسمّى التيس الجبلي ، يعجزان خلالها عن الإمساك بالطريدة لأنّ قدسية المكان الصّحراوي تحرمهم ذلك ، لذلك يلجأ الصيادان إلى مطاردة الغزلان لأنّها تمنح الفضاء الموصوف واقعيته المألوفة عند القرّاء.
يعدّ الودّان من عناصر تشكيل الفضاء الصّحراوي الأسطوري الذي تقوم عليه روايات إبراهيم الكوني ووظيفته في الحكي تختلف عن وظيفة المهري أو الجمل الأبلق الذي يدلّ وجوده في النص على مكان واقعي ، وبالتالي يلجأ السّارد دوما إلى تشغيل الأنا الإبداعي في وصف علامات المكان الخارجية ، لذلك فجملة هذه التصورات الذهنية حول بنية الفضاء الخارجي للنص تجعل المكان المتخيّل (( هو المكان المصوّر من خلال خلجات النفس وتجلياتها وما يحيط بها من أحداث ووقائع ، أي من خلال الحالة النفسية التي يكون فيها الروائي، وشخصيات الرواية، وليس المكان المصـوّر كما هو قائم فعليا، دون تدخل شعوري ونفسي من الروائي ))(18 ).
يقوم السارد بتفعيل آلية السّرد المشهدي المرتبط بالحالات الشعورية التي يعاين من خلالها وصف مكان ما دون النظر إلى حركة الشّخصيات داخله ، ومنها هذا المقطع في وصف تضاريس المكان الذي أقام فيه قابيل ومسعود للراحة بعد صيد الغزلان العنيدة :(( بحثوا عن مأوى يحميهم من شرّ الشمس. الكهوف الظليلة تعتلي أعالي الجبل. الطريق إليها يمرّ عبر صخور ملساء وأخرى متوحّشة ، مسلّحة بأحجار كأنياب الوحوش. بـين الأحجار تشبّثت أعشاب برّية عنيدة محاطة بألسنة رملية متناثرة على الرمل الناعم ارتسمت آثار الأفاعي والسّحالي والعظاءات )).( 19)
توحي جميع مظاهر الصّحراء بالقسوة والغربة والتيه المكاني ومنها تنشأ المفارقات السّردية التي وهبت إبراهيم الكوني قصصا ونصوصا (( متشابهة من الناحية البنائية وغير مختلفة عمّا سواها من الروايات ، لكن غناها الدلالي والرؤيوي هو الذي يضفي عليها بريق عالم مختلف يسهم في جعلنا نحن القرّاء نستقطر لذّة عالم غريب جاف يعيش تجربة الحدود القصوى)).( 20)
يقوم إبراهيم الكوني في رواية نزيف الحجر بتحويل عناصر الطبيعة الصّماء للصحراء إلى عالم سردي بديع تؤثّثه اللغة الجمالية التي لا تعتني بوصف المظاهر الخارجية للمكان فقط بل تهتمّ كذلك برصد الأبعاد الاجتماعية والثقافية لأصحاب المكان ، وهم شعب الطوارق الذين يمثّلون صورة مشهدية متفرّدة استطاعت التعايش مع عالم جغرافي يتّصف بالقسوة والحرمان وقد عرف إبراهيم الكوني بتأسيسه لأدب المكان الصحراوي في أعماله الأولى التي اهتمّت بسرد عالم الصّحراء الليبية ، بوصفها مكانا جغرافيا يحمل طابع التميز والغرابة عن غيرها من الأمكنة الطبيعية التي تحمل مدلول الخصب والنماء في صورها الظاهرية.
الإحالات:
* ولد إبراهيم الكوني بغدامس - ليبيا سنة 1948.أنهى دراسته الابتدائية بغدامس، والإعدادية بسبها، ثم أتمّ الثانوية ، حصل على الليسانس ثم الماجستير في العلوم الأدبيّة والنقدية من معهد غوركى للأدب بموسكو سنة .1977 نال إبراهيم الكوني جوائز عربية وأجنبية وتقلّد مناصب عدة ، تدور مجالات تأليفه حول الرواية، الدراسات الأدبية والنقدية ، السياسة، والتاريخ . يجيد تسع لغات وأنجز ستين كتابا حتى الآن.
1- عبد الله إبراهيم . موسوعة السرد العربي . المؤسسة العربية للدراسات والنشر.ط1.لبنان.2005. ص570 .
2- محمد رياض وتار. توظيف التراث في الرواية العربية . منشورات اتحاد الكتاب العرب. ط1. دمشق . سوريا. 2002.ص 218 .
3- المرجع نفسه. ص224 .
4- إبراهيم الكوني . نزيف الحجر. دار التنوير للطباعة والنشر. ط3. قبرص . 1992. ص147 .
5-Julia Kresteva. Le texte du Roman, Ed Mouton. Paris. P182
6-ibid. P182.
7- غالب هلسا. الألفة الغائبة، ( دراسة المكان في قصص زكريا ثامر) . مجلة الناقد . سوريا . السنة السابعة. العدد 82. 1995 . ص35-36.
8- إبراهيم الكوني. نزيف الحجر. ص 9 .
9- المصدر نفسه. ص 86-87 .
10- صلاح صالح . الرواية العربية والصّحراء .منشورات وزارة الثقافة. سوريا.1996. ص39 .
11- أمبرتو إيكو. سيميائيات الأنساق البصرية . ترجمة محمد التهامي العماري / محمد أوداد . دار الحوار للنشر والتوزيع. ط1. سوريا. 2008. ص25 .
12- إبراهيم الكوني. نزيف الحجر. ص 17 .
13- المصدر نفسه. ص 87 .
14- المصدر نفسه. ص79-80 .
15- حسن بحراوي . بنية الشكل الروائي . المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء.ط1. 1990 ص98.
16- مجموعة من الروائيين. الرواية العربية (واقع وآفاق). دار ابن رشد للطباعة. ط1. بيروت. 1981. ص225.
17- غاستون باشلار. جماليات المكان. ترجمة غالب هلسا. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت. ط 3. 1987. ص6 .
18- شاكر النابلسي. جماليات المكان في الرواية العربية. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط1. بيروت. 1994. ص16.
19- إبراهيم الكوني. نزيف الحجر. ص 125 .
20- سعيد الغانمي- ملحمة الحدود القصوى( المخيال الصحراوي في أدب إبراهيم الكوني)- المركز الثقافي العربي .ط2. بيروت / الدار البيضاء.2000. ص 17 .

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 16 صفر 1435هـ الموافق لـ : 2013-12-19



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

جمعية العلماء في ضيافة ..زاوية الهامل

لعل ما يميز جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عن باقي الجمعيات انها تعنى بالشأن العام ، فأعمالها لا تقتصر على امر التربية و التعليم الديني بل تتجاوزه ليشمل المجالات الاجتماعية و السياسية و التثقيفية بما فيها امور الترفيه و الترويح عن النفس ضمن اطار ملتزم و جاد . و رسالتها في ذلك ان للنفس البشرية حقوق مثلها مثل الجسد تماما

عباس بومامي
مواضيع سابقة
منعرجات الحلم
بقلم : صليحة كرناني
منعرجات الحلم


العنفاء ونبع الأمنيات
بقلم : فاطمة الزهراء بيلوك
العنفاء ونبع الأمنيات


حبّي لعينيك
الشاعر : أبو يوسف المنشد
حبّي لعينيك


همس الاقمار
بقلم : صليحة كرناني
همس الاقمار


دمعة أم
بقلم : بوخلاط نادية
دمعة أم


شكله وردتان
بقلم : عبد الكريم طهاري / يومية الخبر
شكله وردتان


عندليب الأغنية البدوية البسكري رحاب الطاهر
بقلم : الباحث نايلي رمضان
عندليب الأغنية البدوية البسكري رحاب الطاهر


عياش يحياوي يكرم في بلدته
بقلم : بلقاسم بن عبد الله
عياش يحياوي يكرم في بلدته


الحنين يموت تحت الصقيع
بقلم : الأستاذ/ إبراهيم تايحي
 الحنين يموت تحت الصقيع


جـنــى البــــوح
بقلم : الطيب كرفاح
جـنــى البــــوح




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1435هـ - 2014م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com