أصوات الشمال
الاثنين 17 محرم 1441هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الإنتخابات سلوك حضاري وديمقراطي، وليست تذكرة إلى المجهول!   * يا معلمي الفاضل اطلب المستطاع حتى تطاع   * الجزائر..وطن الشهداء وطريق الخروج السلمي من المأزق ؟؟   * لا املك غير الشكر    * الجوانبُ الخفيةُ من تاريخ الأمير الهاشمي بن عبد القادر دفينُ بلدة بوسعادة.   * حين تهاجر النوارس    * قصة : لن يشقى منها   * مَوْتُ الْعِشْقِ والْعاشِق ....   * يوجين ديلاكروا :سحر الشرق وعبقرية اللون   * تجليات في ظلمات ثلاث    * المجموعة القصصية " طائر الليل " للكاتب - شدري معمرعلي    * شهرزاد   * ديناصورات الجامعة وديناصورات الثقفافة   * العنصرية في المجتمع الاسرائيلي في تصاعد متواصل !!   * جاليتنا تتجند لنجدة "حراق" من الحرق بدل الدفن أو الترحيل   * طقوسية التثقيف و إدارة تحديات المستقبل   * نحو اعادة بناء الحركة الوطنية في الداخل   * لتكن محطة لمراجعة ذواتـنا   * الجزائر.في حراكها الحضاري .. لأجل تجنب الفتنة وتجاوز المحنة   * حين يُطلق العصامي لعنته    أرسل مشاركتك
إشكالية الاغتراب في الفكر والأدب
بقلم : إيمان العامري
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 9590 مرة ]
تفاءلوا خيرا تجدوه

استطاعت ظاهرة الاغتراب أن تفرض نفسها بقوة على شتى الميادين الفلسفية والنفسية والاجتماعية والسياسية، وظهرت كموضوع أساسي في كثير من الأعمال الأدبية والفنية، وتوغلت في عمق المجتمعات الإنسانية فعرفت كظاهرة ملازمة للإنسان في جميع العصور والمجتمعات "وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنها قديمة قدم الإنسان نفسه، فمنذ اللحظات الأولى لتكوّن التجمعات السكانية، صاحبتها مجموعة من الأزمات والمشكلات نتج عنها بعض مظاهر الاغتراب التي عاني منها الفرد، وزادت حدتها في العصر الحديث، الذي أصبح عصر الاغتراب بامتياز، فما هو الاغتراب؟ وما هي أهم أشكاله ؟

استطاعت ظاهرة الاغتراب أن تفرض نفسها بقوة على شتى الميادين الفلسفية والنفسية والاجتماعية والسياسية، وظهرت كموضوع أساسي في كثير من الأعمال الأدبية والفنية، وتوغلت في عمق المجتمعات الإنسانية فعرفت كظاهرة ملازمة للإنسان في جميع العصور والمجتمعات "وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنها قديمة قدم الإنسان نفسه، فمنذ اللحظات الأولى لتكوّن التجمعات السكانية، صاحبتها مجموعة من الأزمات والمشكلات نتج عنها بعض مظاهر الاغتراب التي عاني منها الفرد، وزادت حدتها في العصر الحديث، الذي أصبح عصر الاغتراب بامتياز، فما هو الاغتراب؟ وما هي أهم أشكاله ؟
يمتاز مصطلح الاغتراب بالغموض والتشتت والإبهام وذلك بسبب تعدد استخداماته التي تشمل جل نواحي الحياة ، النفسية والذاتية والاجتماعية والدينية والسياسية والزمانية والمكانية وحتى النواحي اللغوية؛ بسبب تعدد مصادر الفلاسفة والمفكرين الذين قدم كل منهم مفهومه لهذا المصطلح بناء على فلسفته وأفكاره الخاصة ضمن مجال بحثه وتوجهاته الفلسفية.وسنحاول من خلال هذه الدراسة الكشف عن مفهوم الاغتراب وتطوره عند الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع وعند الأدباء، كل حسب منظوره الخاص، باعتباره مفهوما تتماهى حدوده وتتسع لتشمل مجالات متعددة سياسية واجتماعية وفكرية وأدبية.
أولا-اشكالية المصطلح:
*لغة :
جاء في "معجم الوسيط" اغترب، بمعنى نزح عن الوطن، وغَََََرّب في الأرض أي أمعن فيها فسافر سفرا بعيدا، وغًًًُرّب عن وطنه، غرابة، وغربة، بمعنى ابتعد عنه.( )
وفي "لسان العرب" : الغرب بمعنى الذهاب والتنحي عن الناس، وغرّبه ؛ نحَّاه، وفي الحديث أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بتغريب الزاني سنة، إذا لم يحصن وهو نفيه عن بلده، والغربة والغرب بمعنى النزوح عن الوطن والاغتراب، وأغرب القوم بمعنى انتووا، فالغريب بعيد عن وطنه، والجمع غرباء، والأنثى غريبة.( )
* إصطلاحا:
-إن الأصل اللاتيني لكلمة "اغتراب" هو (Aliénation)، ويستمد الاسم معناه من فعل (Alienare)، بمعنى تحويل شيء لملكية شخص آخر، أو الانتزاع والإزالة وهذا الفعل مستمد بدوره من فعل آخر هو (Alienus) أي ينتمي إلى شخص آخر أو يتعلق به، وهذا الفعل الأخير مستمد بصفة نهائية من لفظ (Alius) الذي يعني الآخر سواء كاسم أو كصفة( ) ، ثم تعددت استخدامات هذا المصطلح، فشملت:
1-انتقال الملكية: ويمثل السياق القانوني للمصطلح، الذي يشير لانتقال ملكية شيء ما من شخص إلى آخر، وخلال عملية الانتقال تلك يصير الشيء مغتربا عن مالكه الأول، ويدخل في حيازة المالك الجديد.( )
2/الاغتراب الداخلي : وهو مشتق أيضا من الاستخدام اللاتيني والذي يشير فعله لجعل العلاقة الدافئة مع الآخرين علاقة فاترة، وقد ورد الاستخدام الانجليزي ليشير للاستخدام الديني، ثم اتسع ليشير لاغتراب الذات عن واجباتها، وفي قاموس "أكسفورد الحديث" يعني عدم الصداقة أو اغتراب العواطف.
3/تصدع ذهني : ويعني ذلك أن اعتلال الشخصية يتوقف على عدم كمالها، ففي الانجليزية يشير إلى غياب الوعي الذهني، وفي الألمانية يشير إلى نقص الصحة العقلية، وقد استخدم في الانجليزية، بدلالة طبيّة ليشير إلى الشخص المعتل والغير سليم، وما زال هذا المصطلح يطلق في الانجليزية على الطبيب الذي يتعامل مع غير الأسوياء.( )
-في حين يرى "د.قيس النوري " أن هناك استعمالا آخر لمصطلح الاغتراب يأتي في سياق العزلة (Isolation) ، وهو أكثر ما يستعمل في وصف وتحليل دور المثقف أو المفكر الذي يغلب عليه الشعور بالتجرد (Detachment) وعدم الاندماج النفسي والفكري بالمقاييس الشعبية في المجتمع، ولا يشير هذا المصطلح إلى العزلة الاجتماعية التي تواجه الفرد المثقف كنتيجة لانعدام التكيف الاجتماعي، أو لضالة الدفء العاطفي أو ضعف الاتصال الاجتماعي للفرد، وأفضل أسلوب يوضح طبيعة هذا المعنى أن ينظر إليه من زاوية قيمة الجزاء أو الإرضاء (Reward Value) ، فالأشخاص الذين يحيون حياة عزلة واغتراب لا يرون قيمة كبيرة لكثير من الأهداف والمعايير والمفاهيم التي يثمنها أفراد المجتمع، كعدم مشاركتهم لبقية الناس في مجتمعهم فيما يثير اهتمامهم من برامج تلفزيونية وإذاعية ونشاطات فلكلورية ومناسبات عامة والتي تدفع الأفراد إلى البحث عن بديل للقيم والمعايير السائدة في مجتمعهم.( )
-فقد حظي هذا المصطلح باهتمام كبير في أوساط الفلاسفة، وتباينت مفاهيمه تبعا لمرجعية المنظرين وتوجهاتهم الفكرية المختلفة، وهناك أسماء لمعت باعتبارها تمثل الباحثين الذين لعبوا الدور المميز في بلورة هذا المفهوم ومنحوه ما يتمتع به الآن من أهمية علمية، من هؤلاء الرواد الفيلسوف الألماني "هيجل Hegel" الذي استخدم مصطلح الاغتراب بطريقتين مختلفتين ، فهو أحيانا يستخدمه للإشارة إلى علاقة انفصال أو تنافر كتلك التي تنشأ بين الفرد والبنية الاجتماعية ،أو كاغتراب للذات تنشأ بين الوضع الفعلي للمرء وبين طبيعته الجوهرية، كما يستخدمه كذلك للإشارة إلى تسليم أو تضحية بالخصوصية والإرادة لقهر الاغتراب واستعادة الوحدة مرة أخرى، وهو يستخدم ليدل على هذا المعنى لفظ "التخلي" بدلا من الاغتراب دفعا للخلط، والاغتراب عنده هو وضع ينشأ حينما يطرأ تغيّر في مفهوم شخص ما عن ذاته،حيث يجد المرء نفسه وقد حلّ هذا الوضع بساحته، أما التخلي –المعنى الثاني للاغتراب أي التسليم- فهو شيء مقصود تماما كما كان بالنسبة لمنظري العقد الاجتماعي، وهو يتضمن تنازلا واعيا أو تسليما ، وذلك بقصد ضمان تحقيق غاية مرغوب فيها وهي الوحدة مع البنية الاجتماعية.( )
-أما ماركس (Karl Marx) ففي استخدامه لمصطلح الاغتراب يوحد بين المعنيين اللذين استخدمهما "هيجل" من قبل (الانفصال والتسليم)، إذ يشير إلى وجود انفصال بين الفرد وناتج عمله وتسليم سيطرة الإنسان على ناتجه وعمله، فيكون الانفصال عنده نتيجة للتسليم ، بينما نجد في مناقشة "هيجل" لعلاقة الفرد بالبنية الاجتماعية أن الانفصال ( وهو الاغتراب بمعناه الأول) يتم قهره من خلال التسليم أي التخلي ( بالمعنى الثاني للاغتراب)، ويرتبط اغتراب العمل عند "ماركس" باغتراب الناتج ليس فقط كشكل مماثل من الاغتراب ، إنما كأساس له "فالعمل يغترب حينما يرتبط المرء بنشاطه باعتباره شيئا غريبا لا ينتمي إليه" ( ).
-ويستخدم سارتر (J.P Sartre) مصطلح الاغتراب بمعنيين ورد أحدهما في كتابه (الوجود والعدم) والثاني في (نقد العقل الجدلي).،أما في الأول (الوجود والعدم) فقد تناوله بمعنى الاغتراب عن الذات الموضوعية فنظرة الآخر تجعلني أشعر بموضوعيتي أي وجودي كما يراه الآخر إذ يقول : "في غمار الصدمة التي تتملكني حين أدرك نظرة الآخر فإنني أعايش اغترابا خفيا لكل قدراتي التي ترتبط بموضوعات هذا العالم، والتي غذت الآن بعيدة عني كل البعد ضائعة في غمار هذا العالم..."( ).وفي كتابه (نقد العقل الجدلي) فإن السياق الذي يتحدث في إطاره عن الاغتراب هو السياق الماركسي، الذي يعالج علاقة المرء بنشاطه الإنتاجي وبناتجة وما يفرضانه على ذاتية المرء، فهو يصف موضوع دراسته بأنه "الفرد مغتربا ومتشيئا ومضلا على نحو ما جعله تقسيم العمل والاستغلال" ( ).
-ويتفق كلاهما (سارتر وماركس) في أن تموضع الذات أي (الناتج) والنشاط المؤذي إلى تموضع الذات أي (العمل) حين يصبحان تحت تأثير وسيطرة إنسان آخر فإن الذات تصبح مغتربة.
-ومن خلال الاهتمامات المعاصرة تعددت استخدامات المصطلح من وجهات نظر أخرى كالمدخل النفسي لهذه الظاهرة مثلا ، فإريك فروم (E.Fromm) يقر بأن المفكر الذي صاغ مفهوم الاغتراب هو "هيجل" ويقر بأن "هيجل" مع "ماركس" قاما بإرساء أساس فهم مشكلة الاغتراب، وقد تعددت استخدامات "فروم" لمصطلح الاغتراب بشكل لافت للنظر فهو يستخدمه ليصف علاقة الشخص بنفسه وعلاقته باٍلآخرين، وعلاقته بأشياء أخرى كثيرة من قبيل : الحب والفكر والأمل ، العمل ، اللغة ، والثقافة المعاصرة أما أهم مجالات الاغتراب عـنده فهي :
1-الاغتراب عن الآخرين : حيث يرى بأن "جوهر مفهوم الاغتراب هو أن الآخرين ، يصبحون غرباء بالنسبة للإنسان" ( ).
2-الاغتراب عن المجتمع: فالمجتمع المغترب "يعني أن هيكله قد أقيم على نحو يميل معه إلى جعل الأفراد مغتربين بهذه الطرق المختلفة" ( )
3-والاغتراب عن الذات: الذي يعرّفه في كتابه "المجتمع السوي" بأنه نوعية من التجارب أو الخبرات التي يعايش فيها المرء ذاته باعتبارها غريبة عنه، وهذا يعني أنه أخفق في أن يكون ذات أصيلة.( )
-ونظر "سيجموند فرويد" (S.Freud) إلى الاغتراب باعتباره الأثر الناتج عن الحضارة التي أسسها الإنسان دفاعا عن ذاته إزاء عدوان الطبيعة التي جاءت على نحو يتعارض وتحقيق أهدافه ورغباته، فكل فرد في الواقع هو عدو الحضارة، لأن الحضارة هي مصدر اغترابه، فالفرد بالنسبة له مناهض لما هو اجتماعي، ولذلك فعلى المجتمع أن يسمح له بالإشباع المباشر لبعض دوافعه مع تهذيب البعض الآخر.( )
-كما يعني مفهوم الاغتراب عند (حليم بركات) تجربة نفسية شعورية عند الفرد العاجز، تتصف بعدم الرضا عن الأوضاع القائمة ، ورفض الاتجاهات والقيم والأسس السائدة، وينتج عن حالة الاغتراب نتائج سلوكية فعلية منها : الانسحاب من المجتمع، أو الرضوخ له ظاهريا والنفور منه ضمنيا، أو التمرد والثورة عليه.( )
-و يعتبر الاغتراب مفهوما له مكانته وأهميته على صعيد العلوم الاجتماعية، فلعلم الاجتماع دور بارز في تطوير هذا المفهوم حيث يختلف دارسوا الاجتماع عن (فروم وماركس) فيما يتعلق بهذا المفهوم، فهما يذهبان إلى القول بأنه من الممكن بل ومن المألوف بالنسبة للناس أن يكونوا واعين باغترابهم، ويتبنيان موقفا قوامه أن العديد من الناس مغتربون عن ذواتهم وهذه الحقيقة يمكن ردها إلى التنافر بين الوضع الفعلي للفرد وطبيعته الجوهرية أو مثال أعلى للذاتية، أما بالنسبة لعلماء الاجتماع فإن الاغتراب هو حالة نفسية يمر بها الفرد وينظر إليها من خلال وجود مواقف ومشاعر معينة، حيث لا تُطرح مسألة ذات الإنسان الجوهرية أو النموذج المثالية للذاتية.
-أما عالم الاجتماع " سيمن " ( SEMANI) فقد وضح حالة المغترب بأن أشار إلى فقدان السيطرة (Control lossing) ، والتي تعني عدم شعور الفرد أن باستطاعته التأثير في المواقف الاجتماعية التي يتفاعل معها، اللامعنى (Meaninglessness) ، والتي تعني شعور الفرد بأنه لا يمتلك مرشدا أو موجها لسلوكه، اللامعيارية (Normalessness) وتعني الخروج عن المعايير الضابطة لسلوكه والتي تجعله يحقق أهدافه، العزلة الاجتماعية (Social Isolation) الناتجة عن إعطاء الفرد قيما متدنية لأهداف ومعتقدات هي في الحقيقة ذات قيم عالية في المجتمع ، وأخيرا الاغتراب الذاتي (Self Estrangenaent) أي عدم القدرة على إيجاد المكافأة والقبول الاجتماعي( ويرى" كينستون" (Keniston) أن مصطلح الاغتراب يمكن أن يُستخدم فيما يتعلق بظواهر أخرى، ولكنه يختاره ليعبّر به على الرفض الصريح والحر، الذي يختاره الفرد لما ينظر إليه على أنه القيم أو الأعراف السائدة في المجتمع ( ).
أما "دور كيم" (Emile Durkheim) فيتناول الاغتراب بصورة ضمنية في تحليله لما أسماه بالأنوميا (Anomie) أو "تحليل المعايير" فهو يعتقد أن سعادة الإنسان لا يمكن تحقيقها بصورة مُرضية مالم تكن حاجاته متناسبة أو متوازية مع الوسائل التي يملكها لإشباعها، فإذا كانت الحاجات تتطلب أكثر مما يستطيع أن ينال ،أو أنها تشبع بطريقة متناقضة لما يحقق رضاه فإنه يشعر بألم وخيبة.( )
-كما حظي موضوع الاغتراب بأهمية كبيرة عند الأدباء والفنانين قديما وحديثا وقدا نعكس ذلك بصورة واضحة في مختلف أعمالهم الأدبية؛ فمن المألوف وصف الفنانين والأدباء بأنهم مغتربون في القديم والحديث، ولازال ذلك قائما حتى في الوقت الحاضر، مع وجود اختلاف وتنوع في استخدامات هذا المصطلح لا بد لنا من الإشارة إليها أو إلى بعضها على الأقل لتوضيح معناها. فإذا كان الاغتراب يرتبط بالتمرد ضد ما هو قائم، فإنه يتعين علينا اعتبار "جوته الشاب" مثالا للاغتراب، فقد انتحر "فيرتر" بطل أولى قصصه، وعلى امتداد أوربا انتحر عدد كبير من الشبان وفي يد كل منهم أو في جيبه نسخة من هذه القصة، أما "جونتر" بطل مسرحية "جوته " (العاصفة) فقد أطلق أعلى صرخات الرفض مظهرا احتقار الشاعر للتفكير، واشمئزاز "فاوست" الغامر، إثبات لاغترابه أو بالأحرى اغتراب الشاعر حيث يقول في صيحته الشهيرة :
ثمة روحان يقطنان ، ويا للحسرة، في صدري
ويناضل كل روح منها للتخلص من توأمه ( )
وكان "دانتي" (Danty) مثالا للاغتراب وعمله "الحياة الجديدة" هو دراسة حالة من الاغتراب عن الذات ونظرة المرء إلى ذاته كمخلوق غريب، كما أن "الكوميديا الإلهية" هي عمل مغترب، لأنها عمل رجل منفي استنزفته المرارة فهو يبدع جحيما شاسع الأرجاء.( )، وقديما قدم سوفوكليس (Sophocle) مسرحيته (أوديب طاغية) والتي وصفها "أرسطو" –باعتبارها عملا عبقريا- أفضل تراجيديا كتبت على الإطلاق، وهو تقدير لا يزال قائما حتى الآن، وجاذبيتها المستمرة تعود –إضافة إلى المهارة الفنية والقدرة على البناء المسرحي- إلى الشخصية المحورية للمسرحية، حيث نشعر أن" أوديب" يمتلكنا بمعنى من المعاني، فمأساته التي عاشها هي مأساتنا التي نعيشها دون أن يكون ذلك بالضرورة على نحو ما يشير "فرويد"، لأن "أوديب" غريب عن نفسه ، وحينما اكتشف هويته امتلئ بالكراهية فقأ عينيه ، وأراد أن يطيح بسمعه أيضا ليقطع بذلك آخر الروابط التي تصله بالعالم وبرفاقه من البشر ، أما "شكسبير" (Shakespeare) في مسرحية (هملت) فقد قدم كافة الأشكال التي يعتقد بوجودها للاغتراب بصورة قريبة، "فهملت" ينظر إلى نفسه ورفاقه والمجتمع الذي يعيش فيه بنوع من المقت، و يجسد "بلزاك" (Balzac) في (الكوميديا البشرية) شخصية الكاتب المغترب، الذي يصور الفساد الاجتماعي لطبقة النبلاء وكيفية استغلال البؤساء وتشويه جوهر الإنسان، ولذلك كان لابد أن تنال الطبقة المستغِلة جزاءها العادل وهو الزوال ( ).
-وكلما انحطت أخلاقيات الطبقة المستغِلة، واستفحل خطرها، زادت وطأة الإحساس بالاغتراب واتسع عالمه، ونلمس ذلك عند: "ديكنز" في (أوليفر تويست)، "جون تشاينيك "في (عناقيد الغضب)،" فيكتور هيغو" في (البؤساء) ، فضلا عن أعمال الكُتّاب الروس العظام أمثال: شدرين، "بوشكين"، "شيخوف"، "تولستوي"، "ديستيوفسكي"، كما نجد "كافكا (Kafka)" مثالا ساطعا للاغتراب وأعماله تُصوّر المرء المنعزل المغترب عن كل ما حوله، الضعيف أمام القوى الخارجية ،ورواية ( المسخ) بوجه خاص هي رواية الاغتراب الذي يفرزه المجتمع الرأسمالي ، "فالبطل يريد الخروج من واقعه العفن ويعلم الآخرين ولكنهم فقدوا مفاتيح الصحو والوعي....إن اغترابه لم يعد يطاق لقد فقد كل ذرة من إنسانيته"( ) ، فالعمل الأدبي يمثل صورة أخرى لنفسية الكاتب وتعبير عن تجاربه وأزماته الخاصة.
-وبعد الحربين العالميين زاد تمزق الانسان واغترابه واتضح ذلك في أعمال "همنجواي" (وداعا للسلاح) و (لمن تقرع الأجراس) ، و(عبر النهر) ، (نمو الأشجار)، كما يتضح في رواية" ألبيرتومورافيا "( امرأتان) ورواية" اريك ماريا ريمارك" (للحب وقت وللموت وقت) ، وقد يكون صحيحا إلى حد كبير من أن القرنين الأخيرين في حياة الإنسان الأوربي –على الأقل- قد حملا معها نظرة جديدة من الإنسان إلى نفسه وإلى الله وإلى المجتمع البشري، وكان من الضروري أن تحدث هذه النظرة المختلفة، نتيجة لهذه المتغيرات الكبيرة، التي واكبت ثورته المتعددة في الصناعة والاجتماع والعقل،وقد كان الشاعر يقف من ذلك موقف المؤيد حينا والمعارض في معظم الأحيان، فيمجد التغير السياسي والاجتماعي أحيانا، أو ينصرف إلى تأمل ذاته واستكشاف عالمهما الداخلي المستتر في اللاشعور أحيانا أخرى( ) ، وهكذا ظهرت (الرومانتكية) التي كانت تمثل إحدى أهم نقاط التحول في تاريخ العقل الأوربي، والتي قيل أنها تعبير عن خوف من الحاضر بطريقة تكاد تكون مَرضيّة، فضلا عن محاولتها الذائبة للهروب من هذا الحاضر إلى الماضي ، والتي كانت وليدة العجز الذي استشعره الفرد عندما أراد التوفيق بين قدراته الذاتية وبين ما يصبوا إليه ويأمل فيه، فقد عبر الرومانسيون في أشعارهم عن الألم و التمزق والمعاناة وكل مظاهر الشقاء الانساني بصورة لا تخلو من الثورة و التمرد، فنشر" لامرتين" (Lamartine) كتبه (تأملات شعرية) وكانت قصائده الحزينة تعالج الطبيعة والحب والوحدة والتمزق، وتحدث "ألفريـد دي موسيه" (A.de Musseh) في قصائده المكتئبة عن الحب والمعاناة والوحدة،ووصف في قصائده بعنوان "الأمسيات" (1835، 1837) حالة الاغتراب والوحشة التي عانها بفقد حبيبته، كما برزت ظاهرة الاغتراب عند الشاعر الفرنسي "بودلير" Baudelaire) ) في ديوانه (أزهار الشر) (Les fleurs du mal) سنة 1857، حين سيطرت عليه فكرة المدينة المرعبة، و كانت سببا في تعميق الاحساس بالاغتراب والوحدة والضياع ؛ فمدينة العصر الحديث في نظره وخاصة في قصائده المعنونة "Tableaux parisiens" في الديوان السابق، ليست سوى عالم ميت ،مقرف يبعث على القلق والشعور باليأس والإحساس بالغربة والعزلة، وباريس الحديثة –على عهد "بودلير"- لا تعدو أن تكون عبارة عن كتل حجرية ، مكعبة أو مربعة ذات قيعان عكرة، تبعث على الرعب والقرف حيث يقول :
حيث يمكن تأمل المدينة بكاملها،سعتها
مستشفى، ماخور، مطهر ، جحيم ، معتقل ( )
وسار الشاعر الأمريكي "ويتمان "(Whitman) على نهج "بودلير" في موقفه من المدينة، وكذلك "فيرهاردن" (Faire Harding) فالمدينة أصبحت عقلا من الاسم ، مبهمة الملامح، متحللة من القيم تشع منها عناصر الغربة، ومظاهـر الوحـدة والغم، يقول "فيرهاردن" (Faire Harding):
هـائلـة ومجـرمــة
أذرع المـاكينـات الهائلة
وهي تحصد الأقماح الإنجيلية ( )
ولم يخلو الأدب العربي كغيره من الآداب العالمية من مظاهر القلق والخوف والوحدة والغربة، فظاهرة الاغتراب تضرب بجذورها في عمق المجتمع الإنساني، إلا أن عصور الحضارة الإنسانية، لم تكن تعاني معاناة عميقة من حالات اغترابية قاسية، بشتى مفاهيم الاغتراب، ولكن العصر الحالي، ربما يُعد عصر الاغتراب بامتياز بتنوع مفاهيمه وحالاته التي توغلت في عمق المجتمع وفتكت به . ولعل من الحقائق المؤكدة أن جل الأدب العربي ومنه الشعر قام على غرض إنساني واسع ممتد، وهو التلاؤم بين الأديب وواقعه الروحي والسياسي والاجتماعي أو تنافرهما، ويلي ذلك شعور بالانتماء الذي يعقبه الرضا أو الغربة التي يعقبها الحنين والفقد، ففكرة الغربة والتمرد، والإحساس بالتمزق والضياع لم تكن بعيدة عن فكرة الإنسان ومشاعره على مر العصور، ويبدو أن الاغتراب كان قدر الشعراء العرب القدامى، فقد تغرب (امرؤ ألقيس) حين أنكر عليه أبوه قول الشعر وطرده من القبيلة، بعد أن تشبب بإحدى نسائه، كما عانى "طرفة بن العبد" من الاغتراب حين خرج على مجتمعه وتمرد على قيم القبيلة فتحامته العشيرة، وكذلك تخلت القبيلة عن "امرئ القيس" ليعيش كلا الشاعرين تجربة مريرة في الغربة والانفصال.
يقول امرؤ القيس :
فلو أني كرهت بدار قومي لقلت الموت حقا لا خلودا
ولكن هلكت بأرض قوم بعيد عن دياركم بعيدا
بأرض الروم لا نسب قريب ولاشاق فيسند أو يعودا ( )
فنحن هنا أمام تجربة فردية في الغربة، تمثلت في غربة المكان وغربة الأهل، وهمـا مساويان –في نظر الشاعر-لغربة الموت ، فقد كان الشاعر الجاهلي مشغولا بالمصير والقدر، وغربته في الحياة، ومن هنا جاء شعرهم –كما يقال- يمثل الإنسان وهو يعاني وحدته في الكون دون إيمان بعقيدة دينية، تشد من أزره في حياته، أو تعطيه الأمل في حياة أخرى،وكل واجه الموت بطريقته الخاصة، فهناك من الشعراء من تحدى الموت بالانغماس في ملذات الحياة والتمتع بشهواتها، وفريق آخر تحدى محدودية الزمن بطريقة مباشرة،تمثلت في مواجهة الموت بطريقة متفردة مشبعة بالبطولة كما نرى ذلك عند الشعراء الصعاليك والشعراء الفرسان .
يقول "عنترة العبسي" :
بكـرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بأعزل
فأجـبتهـا إن المنـية منهــل لابـد أن أسـقـى بكــأس المنهل
فـقـني حيـاءك لا أبالك واعلم أنـي امـرؤ سـأموت إن لم أقتل( )
إضافة إلى شعراء آخرين عانوا من الاغتراب في العصور اللاحقة، "فأبو تمام" عانى من اغترا بات شتى ( مكانية واجتماعية ونفسية) حتى آمن بأن الاغتراب هو التجدد، وارتبط الاغتراب بحياة" أبي الطيب المتنبي" أيما ارتباط ، فكان شبح ِوحدة أفرزه الهم كما أفرزه الحسد، وكان "لأبي فراس الحمداني" اغترابه هو الآخر بسبب مرارة الأسر وعذابات الشوق والحب، وإذا ما اقتربنا من "أبي العلا المعري "أطللنا على ذروة اغتراب النفس واغتراب المكان واغتراب الجسد.
-وفي العصر الحديث انتشرت ظاهرة الاغتراب بصورة ملفتة للنظر فـي معظم الآداب العالمية –إن لم نقل كلها وكان لاحتكاك الأدباء العرب بالآداب الأوربية أثره الواضح، حيث تجلى ذلك في كتاباتهم الأدبية، وخاصة أدباء المهجر الذين تركوا بصمات واضحة في الأدب العربي في تناولهم لقضية الاغتراب فتأثروا إلى حد كبير بالأدب الرومانسي الأمريكي، وخاصة ديوان (أوراق العشب Theleares of Gras) "لوتيمان" ، وفي الشعر العربي المعاصر نجد أيضا تأثرا واضحا بشعر "إليوت" (Eliot)، حين نتأمل ما أشاعه من أفكار التشاؤم والسأم، واغتراب الذات المتفردة، خاصة في قصيدتيه المشهورتين :الأرض الخراب، والرجال الجوف، وهذا لا يعني تأثر شعرائنا تأثرا مطلقا بالغرب في هذه الظاهرة، ذلك أن الوعي المغترب لدى الشاعر العربي المعاصر نابع من محنة ذاتية أيضا "فالاغتراب العربي، اغتراب قهري فرضه واقع رجعي، ديكتاتوري، لا يجد فيه الانسان هناءه ولا تحقيقا لطموحاته" إنها التعاسة التي يجسدها شعراؤنا في أشعارهم، ويجسدها "صالح عبد الصبور" في قوله :
ورفـــاقـي طيــبــون
ربما لا يملك الواحد منهم حشوة فم
ويمرون على الدنيا خفافا كالنسيم
وعلى كاهلهم عبء كبير وفريــد
عبء أن يولد في العتمة مصباح وحيد ( )
-فإغتراب الشاعر هنا وليد إحساس بالظلم ومعاناة التراتب الاجتماعي الذي يسود المدينة، انه الواقع العربي الذي يرزخ تحت وطأة الظلم والقهر والتطور المزيف ، وفي العالم العربي نجد المثقف عموما والشاعر خصوصا، مغتربا بالنسبة لحضارته العربية من جهة ؛ من حيث رفضه للماضي والحاضر، ومغتربا بالنسبة للحضارة الغربية من جهة أخرى لكونها تمثل حضارة الآخر القاهر، والعدو والمستعمر، ولذلك لا ننتظر من الشاعر إلا الإدانة، إدانة الذات المنهارة قبل إدانة الآخر. ويقول (البياتي) في هذا الصدد على لسان (المتنبي):
أرى بعين الغيب يا حضارة السقوط والضياع
حــوافـر الخيـــول والضبــــاع
تــأكـل هــذه الجيــف اللعينــة
تـكـتـسـح المــديـــنــــة
تــبـيـد الــعـار والهـزيـمــة
وصــانـعـي الجـــريـمـــة ( )
-فغياب القيم الروحية، وسيطرة قيم المدينة ذات المنفعة التبادلية، عمق لدى الشاعر الاحساس بالإحباط ، وزرع في نفسه بذور الشك والقلق،فبرزت فكرة العبث الوجودي وعبر الشعراء عن اغترابهم الوجودي، بقضايا مختلفة، فأصبح الحب باعثا من بواعث القلق والاغتراب، بعد أن فقد نقاءه وطهارته، وحاد عن معناه الحقيقي، لكونه ينطلق من واقع محكوم بعلاقات ثقافية خاطئة وغير مستقرة، وهو ما عمق من غربة الشاعر وفقدانه لذاته وإنسانيته، وانتشار مظاهر الخلاعة والمجون التي لم تقتصر عند (السياب) على الأحياء فقط بل تعدتهم إلى الأموات، فهاهي مقبرة "أم البروم" التي أصبحت جزء من المدينة، لم تنج من عبثها وقهقهة بغاياها وسكاراها.
يقول السباب :
وأوقـدت المدينة نارها في ظلة المـوت
تقلع أعين الأموات ، ثم تدس في الحـفـر
بذور شقائق النعمان، تزرع حبـة الصمت
لتثمر بالرنين من النقود، وضجة السفـر
وقهقهـة البغايا والسكارى في ملاهيهـا ( )
-ويكشف لنا الاغتراب من خلال هؤلاء الشعراء وغيرهم عن نفوس طامحة وأرواح ثائرة لم تستطع المصالحة مع واقعها المتعفن الرديء، فتاقت إلى العلو ووجدت في الأرض جحيما لا يطاق.
-إضافة إلى الشعر كان للرواية أيضا نصيب واسع في مناقشة هذه الظاهرة، فلم تخل الأعمال الروائية الصادرة منذ الخمسينات وحتى اليوم من تصويرات حادة لأزمة الشخصية الاغترابية بنماذجها المختلفة، كما نراه في عدد من روايات "نجيب محفوظ" ، و"عبد الرحمان"، و"جبرا إبراهيم جبرا"، كما نلاحظ هذه الظاهرة بوضوح في رواية (أنت مند اليوم) "لتيسير سبول" ، (المتميز) "محمد عبد " ، (السؤال) و(الخماسين) "لغالب هلسا" ، (ستة أيام) و (عودة الطائرة إلى البحر)، و(الرحيل بين القوس والوتر) "لحليم بركات"، (موسم الهجرة إلى الشمال) "للطيب صالح"، (تلك الرائحة) "لصنع الله ابراهيم" (الضوء الهارب) "محمد برادة" ، (وقف)، (الطريق إلى بلحارت)، "جمال ناجي"، (نعاس من فارس) "لأحمد الزغبي"، ( عو ) "لابراهيم نصر الله" ، (جمعة الفقاري)، (يوميات نكرة) "لمؤنس الرزاز". ومن يقرأ رواية "توفيق الحكيم" (نهر الجنون) ، يلاحظ أنها تعالج ظاهرة الاغتراب بطريقتها الخاصة، فالشخص الذي كان يشرب من ذلك النهر ، يصاب بلوثة تجعله يبدو غريبا في نظر المجتمع الذي كان يهزأ منه وينبذه ويبتعد عنه، وبمرور الزمن تزايد عدد الشاربين المجانين وتناقص عدد العقلاء وانقلبت الآية وتغيرت الأوضاع وأصبح العقلاء قلة تعرضت لسخرية الأكثرية المجنونة، وفي الأخير شرب الجميع من النهر وتحولوا إلى مجانين، ليندمج الكل في مجتمع واحد.
كما ظهرت روايات معاصرة، عالجت ظاهرة اغتراب المثقفين بشكل واسع، وهذا ما يظهر في روايات جبرا إبراهيم جبرا، فالمجتمع المدروس في روايته (البحث عن وليد مسعود) مجتمع (أنتلجينسيا) مجتمع مثقفين أو ما يمكن أن ندعوه مجتمع نخبة، وكذلك في روايته (السفينة) إذ يدين الواقع العاجز، المتمثل في طبقة مثقفة من البرجوازيين، وجعل من ثقافة هذه النخبة ، ثقافة عاجزة في وهمها وزيفها، و رواية " الحب في المنفى " لبهاء طاهر" تعالج هذه الظاهرة أيضا وتدور أحداثها في المنفى، من بداية حب الراوي – وهو صحفي- إلى نهايته في المنفى، وهي تعالج مجموعة من القضايا العامة، ندرك معظمها من خلال العلاقات بين شخصيات الرواية.
أما (بنات حارتنا)" لملاحة الخاني" فتعالج حالة الأنثى الضائعة في منتصف القرن العشرين، وهي محملة بشخصيات أنثوية تعاني من الشعور بالضياع والوحدة والاغتراب في هذا العالم، إضافة إلى مجموعة من الروايات الأخرى التي تعالج قضية المرأة في مواجهة واقع صعب، تعلو فيه سلطة العادات والتقاليد، ما يقودهن في كثير من الأحيان إلى الانكفاء على الذات والشعور بالإحباط والخذلان والاغتراب، منها روايات "سحر خليفة" (عباد الشمس) و(مذكرات امرأة غير واقعية)، (أجفان عكا) "حنان باكير" ، (سماء واحدة لا تكفي)، (بوصلة من أجل عباد الشمس)، (نجوم أريحا) "ليانة بدر"، وقد صورت الرواية العربية المغترب بقوة لأن كاتبها في أغلب الأحيان خارج من أتون هذه التجربة مثل :اللاز "للطاهر وطار" في 1974، الزيني بركات "لجمال الغيطاني" 1974.
وبدت ظاهرة الاغتراب في الرواية الفلسطينية واضحة في أعمال جبرا إبراهيم جبرا وغسان كتفاني ، وإميل حبيبي، وأبرزت روايات "غسان كنفاني"، (العاشق)، (والأعمى والأطرش) ، و(الشيء الآخر) صورا متعددة للاغتراب عند البطل، فكانت غربة ذاتية، وغربة فكرية، وغربة نفسية . والملاحظ في الرواية الفلسطينية أن سمات الاغتراب لا تقتصر على شخصية معينة فقط، بل أنها مشتركة بين جميع الشخصيات ، وربما يرجع ذلك إلى خصوصية التجربة الفلسطينية التي تصور حالة شعب بأكمله يعيش حالة اغتراب سواء داخل أرضه أو خارجها.
نستخلص مما سبق أن الاغتراب عموما يمثل حالة نفسية شعورية يمر بها الفرد حين يكون هناك خلل في توافق الذات مع العالم الداخلي أو الخارجي، وذلك لأسباب متعددة قد تكون خارجية متعلقة بالمجتمع أو الطبيعة أو المحيط الخارجي ككل، أو داخلية تتعلق بنفسية الفرد وعوالمه الداخلية، وهذا بدوره أفرز للاغتراب مظاهر وأشكالا تعددت أسبابها وتنوعت باختلاف المجتمعات والعصور، سنحاول التعرض لها في الجزء الثاني من هذه الدراسة.

الهوامش:
- معجم الوسيط، إعداد إبراهيم أنيس وآخرون ( باب الغين) ، الجزء 2 ، ط2، (د.ت) ، ( د.د) ، ص 647.
-2 لسان العرب المحيط لابن منظور، إعداد وتصنيف يوسف خياط، دار لسان العرب، بيروت ، مج2، ص966.
3 -ريتشارد شاخت ، الاغتراب، ترجمة كامل حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ( لبنان) ، ط1 1980، ص 62.
4- السيد علي الشتا، نظرية الاغتراب من منظور علم الاجتماع ، مؤسسة شباب الجامعة ، الإسكندرية ، 1993 ص21.
-5 المرجع نفسه، ص 23.
6-.قيس النوري، الاغتراب اصطلاحا ومفهوما وواقعا، مجلة عالم الفكر، المجلد 10، العدد1، الكويت، 197 ، ص 17.
7- ريتشارد شاخت ، الاغتراب، ترجمة كامل يوسف حسين، ص 141.
8- المرجع نفسه،ص146
9-المرجع نفسه،ص52
01-المرجع نفسه، ص290
11-المرجع نفسه ، ص 180.
12-م . ن ، ص 186.
13-محمد عباس يوسف، الاغتراب والابداع الفني ، ص 60.
14-محمد عباس يوسف ، الاغتراب والابداع الفني ، ص 58.
15-الاغتراب في أدب حليم بركات ( رواية ستة أيام ) ، بسام خليل فرنجية، مجلة فصول ، مجلد 4، عدد 4، أكتوبر ، 1983، ص 209.
16- السيد علي الشتا ، نظرية الاغتراب من منظور علن الاجتماع ، ص 234.
17-المرجع السابق ، ص 239.
18- قيس النوري ، الاغتراب إصطلاحا ومفهوما وواقعا، عالم الفكر، ص 22.
19-ريتشارد شاخت،الاغتراب، ، ص 28.
20_المرجع نفسه، ص 30.
22- محمد عباس يوسف ، الاغتراب والابداع الفني ، ص 96.
23-المرجع نفسه،ص96.
24-قادة عقاق،دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر،دراسة في إشكالية التلقي للمكان،اتحد الكتاب العرب،دمشق،(د.ط)،2001،ص93.
25- قادة عقاق، دلالة المدينة في الخطاب الشعري المعاصر ، ص 101
26 -ديوان امرئ القيس، اعداد/ حنا الفاخوري، ، دار الجبل ، بيروت ، ط1، 1889، ص 328
27- ديوان عنترة بن شداد، اعداد/ د.يوسف عبيد ، ، دار الجبل، بيروت ، ط1، 1996، ص 89.
28-صلاح عبد الصبور ، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة ، بيروت، ج1، ط1، 1972.
29-عبد الوهاب البياتي، الأعمال الشعرية الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الجزء 1، 1995، (د.ط)، ص485
30-بدر شاكر السياب، دار العودة ، بيروت، 1997، (د.ط)، ص133.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 10 محرم 1435هـ الموافق لـ : 2013-11-13



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

تهنئة

كل اليمن والبركات للامة العربية والاسلامية بمناسبة حلول السنة الهجرية الجديدة

.
مواضيع سابقة
يوجين ديلاكروا :سحر الشرق وعبقرية اللون
بقلم : إبراهيم مشارة
يوجين ديلاكروا :سحر الشرق وعبقرية اللون


تجليات في ظلمات ثلاث
شعر : د. عزاوي الجميلي
تجليات في ظلمات ثلاث


المجموعة القصصية " طائر الليل " للكاتب - شدري معمرعلي
بقلم : عمـــر دوفـــي
المجموعة القصصية


شهرزاد
بقلم : الأستـاذة : خديجه عيمر
شهرزاد


ديناصورات الجامعة وديناصورات الثقفافة
الدكتور : وليد بوعديلة
ديناصورات الجامعة وديناصورات الثقفافة


العنصرية في المجتمع الاسرائيلي في تصاعد متواصل !!
بقلم : شاكر فريد حسن


جاليتنا تتجند لنجدة "حراق" من الحرق بدل الدفن أو الترحيل
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
جاليتنا تتجند لنجدة


طقوسية التثقيف و إدارة تحديات المستقبل
بقلم : علجية عيش


نحو اعادة بناء الحركة الوطنية في الداخل
بقلم : شاكر فريد حسن
نحو اعادة بناء الحركة الوطنية في الداخل


لتكن محطة لمراجعة ذواتـنا
بقلم : سعدية حلوة
لتكن محطة لمراجعة ذواتـنا




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1441هـ - 2019م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com