أصوات الشمال
الأربعاء 28 محرم 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * مريضات سرطان الثدي ينزلن إلى شارع مدينة بشار    * مولدُ حفيد (شيبة الحمد)   * متليلي الشعانبة تشييع إبنها البار سفير الجزائر المرجعية الدينية عميد مسجد كلرمون فيرون بفرنسا الإمام محجوب الحاج حسين إلى مثواه الأخير في جو مهيب بحضور ولاة ووفد السلك الديني وشخصيات من فرنسا    * ضريبة باهظة   *  الدكتور محمد سيف الإسلام بــوفــلاقــة يُقدم كتاب:«النقد الـمسرحي العربي-إطلالة على بدايته وتطوره-»    * وقفات مع الداعية الإسلامي الشيخ الإمام محمد الغزالي   * الذكرى المئوية لثورة اكتوبر 1917 الماركسية - اللينينية في الاتحاد السوفيتي   * الهوية الجزائرية بين العروبة و الامازيغ   * نقد فكرة(سلطة النواعم) في ضوء: فلسفة " اصابت امرأة واخطا عمر"   * الطائفية بضاعة الفاسدين في العراق   * بغداد كَبْوُكِ أنْهَكَنا    * زعماء حكموا بلادهم بـ: "السكايب" و ملوك يسرقون "الزعامة"   * يوماً...   * بيّاع الورد   * ماذا لو كان منفذ مجزرة أمريكا مسلما.. أو صرخ بعبارة "الله أكبر"!؟   * رسالة إلى.... صُنَّاعُ.. فُرْسَانَ الأمَل..!!    *  هاقد عطست! فترحّموا.   * عندما تتعطل التكنولوجية يتوقف العالم   * ” الحُجرة السّوداء ”للشاعر الجزائري ياسين بوذراع    * اصدارات جديدة     أرسل مشاركتك
أشباح نصّيــة..السـرود الرقمية بين جســد الكتــاب وروح التفاعليـــة .... / .. . . د. عبير سلامة / مصر
بقلم : د. عبير سلامة / مصر
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 2180 مرة ]

(1)
يستدعي باحثو النصية الرقمية مفهوم السرد بتوسع، وهناك فكرتان تسيطران على هذا الاستدعاء: الأولى تقدم النص الرقمي بوصفه نصا سرديا محدودا يحتوى على عدد غير محدود من القصص، وتفترض أنه ما دام تشعبيا فهو تفاعلي، إن لم يكن مُطلقا فبدرجة ما. وتقدم الفكرة الأخرى السرد الرقمي بوصفه وسطا تفاعليا يسمح للقارىء بأن يكون شخصية فاعلة تعيش في عالم القصة، وتفترض أن أي تبديل لمجموعة من الوصلات التشعبية سينتج سردا متماسكا.
تأطير شيء بوصفه شيئا آخر عملية شائعة، تتم عن طريق استعارة مفاهيم من مجال المصدر (السرد) إلى مجال الهدف (النص الرقمي)، ولأنها عملية مُريحة نستطيع فورا استعارة المعنى الضيق للسرد (نص يُحكى بواسطة كلمات)، أو استعارة المعنى الأوسع (قصة تُحكى بواسطة أي شىء: نص، أغنية، صورة، فيلم، عرض مسرحي، لُعبة، إلخ)، بل نستطيع لمناسبة أغراض هذه الورقة أن نتوسع في المعنى أكثر فنقول إن السرد قصة تُحكى أو تُقدم بواسطة شيء واحد أو مجموعة أشياء.
ونستخلص من التوسعة أن النصوص الرقمية سرود كاملة الأوصاف، وتفاعلية بكل تأكيد، لأن المؤلف "يلعب" بصحبة النص والقاريء معا، ثم نمضي- لو شئنا- للمهمة التالية منطقيا، وهي تحليل سردية نص تفاعلي بالتمييز بين ما يُحكى(القصة) وكيف يُحكى(الخطاب). نقطة نهاية الورقة.
ليست هذه غاية الورقة، إنما الغاية مناقشة العلاقة بين التفاعلية والسرد متعدد الخطية، من منطلق أن إمكانية عزل النص الرقمي عن وسيطه المتشعب- ونشره في كتاب ورقي/ خطي- تجعل من تلقيه باعتباره "سردا تفاعليا" مفارقة كبرى تحتاج إلى حل.
ما الذي يجعل تجربة قراءة النص الرقمي تشبه تجربة قراءة النص الورقي متعدد الخطية؟ هل يمكن أن يكون هناك بالفعل شيء يُدعى السرد التفاعلي؟ هل نستطيع استخدام مفهوم اللعب كوحدة قياس للتفاعلية؟ وما الذي يعنيه تحديدا مفهوم اللعب؟ هل يمكن لرواية الألعاب الافتراضية أن تساعد في تغيير الفهم الشائع للتفاعلية؟ ما المثير أصلا في التفاعل؟ هل هو أقصى الطموحات الجمالية للنص الرقمي؟ هل نستطيع التقدم خطوة أبعد؟
اخترتُ في ورقة بعنوان (أطياف الرواية الرقمية)( ) تعريف أهم أطيافها، أي الرواية التفاعلية Interactive Novel، بأنها "رواية قيد الكتابة أو التشكيل، يشترك في إبداعها أكثر من مؤلف". وميزت بين أشكالها: النصية، متعددة الوسائط، والافتراضية أو رواية الألعاب، ثم أشرت في النهاية إلى أن هذه المصطلحات وغيرها ليست مطلقة المعاني أو نهائية، فالحدود بين الظواهر المعقدة عموما شاحبة، والرواية الرقمية بأطيافها المتمايزة-على نحو خاص- تبدو مجموعة من الوحدات التي يُعاد توزيعها مرارا بين لاعبين: يمتلكون حساسية ثقافية مختلفة، ولاتعنيهم إجادة اللعبة قدر ممارستها.
هذه الورقة محاولة- في ضوء التساؤلات المطروحة والتعريف المذكور- لقراءة النصوص الرقمية التالية..
روجرز( ) للمدون أحمد ناجي.
شات) ) لمحمد سناجلة.
على قد لحافك( ) للمدونين سولو/ جيفارا/ بيانست.
إضافة إلى نص تحت الحصار( )، وهو نص افتراضي (ثلاثي الأبعاد) يقترح أن ما يستحق العناية في اللعبة هو إجادتها بهدف الفوز، لا مجرد ممارستها، وأن الروح الرياضية التي تُكلل المهزوم بشرف المحاولة- قد تكون في الحقيقة نظاما بلاغيا، لدفع عجلة الألعاب التجارية.
وصف الكاتب الأميركي وليام جاس) ) النصوص الرقمية بأنها نصوص بلا أجساد، ظلال قلقة تتجول إلى ما لا نهاية في الفضاء الرقمي، لذلك تبدو أشباحا نصية مخيفة، بمقابل حميمية النصوص الورقية التي تتنفس في أجساد مادية (وخير جليس في الأنام كتاب).
تبدو "الحميمية" نظاما بلاغيا يستخدمه المدافعون عن الكتاب الورقي لمواجهة خصومهم الرقميين، بتعبير يوري جوينسو) )، ومع ذلك نستطيع الاستفادة من فكرة "شبحية السرود الرقمية" في محاولة استكشاف المساحة الغامضة بين السرد باعتباره قصة تُحكى بواسطة أي شيء والتفاعلية باعتبارها لُعبة تُمارس بواسطة أكثر من فرد في زمن واحد.

(2)
يعتبر بعض الباحثين) ) النصية التشعبية تجسيدا عمليا لنظريات مفكري البنيوية وما بعدها، استنادا على سبيل المثال إلى قول بارت في كتاب S/Z إن هدف العمل الأدبي هو أن يجعل القارىء منتجا- لا مستهلكا- لنص مثالي، نص تتعدد مداراته بدون أن تتجاوز إحداها الأخريات، حتى ليبدو مجرّة، بلا بداية ولا نهاية، له مداخل/ مخارج لا يستطيع واحد منها ادعاء أنه الأساس، والشفرات التي ينشطّها تتوسع بقدر ما تستطيع العين أن ترى.
تنبأ بارت بالنص المتشعب، إذن، وتحققت نبوءته من خلال اشتراك خبراء بمجالات مختلفة في "كتابة" النص الرقمي (أدباء، فنانين، مبرمجين، إلخ)، غير أن هذه الموضعة الحرفية لأفكار معقدة- عن العمليات الاجتماعية للقراءة- على منجز تكنولوجي دون سواه تبدو فاقدة للمغزى، طالما أن النظرية ليست ممارسة والتفسير ليس تفاعلا.
إضافة إلى أن النصية التشعبية والعلاقة التبادلية بين المؤلف/ القارىء لا تتفقان في جميع الأحوال، أو عندما نقرأ أشكالا محددة من النصوص الرقمية، فالمسافة بين المؤلف والقارىء محفوظة في الغالب، وأحيانا تتسع أكثر مما كانت عليه في السابق، بخاصة إذا وضعنا في الاعتبار ما يتم التمييز به- عادة- بين السرود الورقية والرقمية، أي عنصر الوصل المتشعب والمجهود الأكبر أثناء القراءة.
أول ما يُلاحظ عند قراءة روايتيّ روجرز و على قد لحافك هو عدم استخدام الوصلات التشعبية في النصين، على الرغم من تعدد خطيتهما السردية. إذا اعتبرنا التفاعلية إجراءََ يمنح القارىء خيار تشكيل مسارات سردية للنص، على الأقل، من خلال اتباع وصلات/ اتجاهات دون غيرها، فسنجد أن الروايتين تقدمان درجة أعلى من التفاعل، مقارنة بالنصوص الورقية وبعض النصوص التشعبية وتطبيقات إلكترونية أخرى.
كتب أحمد ناجي، صاحب مدونة وسع خيالك، يوم 15مارس2007، هذه التدوينة:
"يعتبر ألبوم الجدار The Wall لفريق بينك فلويد واحدا من أكثر الألبومات الموسيقية المفضلة لدي، ومنذ حوالي السنة كنت أجلس في غرفتي استمع للألبوم مندمجاً مع الموسيقي، ومثل أى شخص كانت الموسيقي تدفع الصور وتحركها في رأسي، فكرت في البداية في كتابة تدوينة عن الألبوم أو فريق بينك فلويد، لكني وجدت أن أي شخص يمكن أن يقوم بعملية بحث بسيطة ليجد كل المعلومات عن الإثنين، وبكسل عدت ثانية للموسيقي وأمامى صفحة برنامج الوورد خاليه.. ثم بدأت في كتابة روجرز. "روجرز" هو مجرد لعبة، ليس رواية، ولا قصة، ولا تدوينة، وبالطبع ليس قصيدة. استغرقت الكتابة الأولى لروجرز حوالى تسعة شهور، والمراجعات والتعديلات علي اللعبة أخذت فترة لا أذكر مدتها... يمكنكم تحميل روجرز وقراءتها من خلال تنزيل ملف الوورد المرفق مع هذه التدوينة. روجرز ليس له أو عليها أى نوع من الحماية أو الملكية الفكرية، هو متاح للجميع، ويمكن لأى شخص قراءته أو طباعته، كما يمكن التعديل عليه أو إضافة أو حذف ما يريده، كما يمكن لأى شخص وضع اسمه عليها وطباعته بأى شكل من الأشكال أو الصور. باختصار هو نص/لعبة مفتوح/ة للجميع"( ).
لُعبة نصية يرافق إنتاجها- ويشترط للاستمتاع بممارستها- وسيط سمعي، حدده المؤلف في الصفحة الأولى بألبوم الجدار لفريق بينك فلويد، ثم جعل أجزاء بعينها من أغنيات الألبوم بدايات لمقاطع الرواية المبعثرة في بناء غير خطي، يُقدم بوصفه وحدة معلقة في فضاء علاقات متصلة/ غير متصلة بالإنترنت، أكثر من كونه وحدة ثابتة ومكتفية بذاتها( ).
إن منح القراء رخصة تشكيل النص- فعلا بالكتابة لا تصورا ذهنيا أثناء القراءة- يمكن أن يضاعف حجم النص وتعقيدات عالمه. نظريا.. يستطيع قارىء واحد تنفيذ هذه الخيارات:
*تغيير سارد أحمد ناجي.
*تفضيل وسيط سمعي آخر.
*تجربة ما يثيره وسيط مرئي أو متحرك.
*تطوير الأحداث في اتجاهات مختلفة.
*إضافة أحداث جديدة.

وعمليا، يظل نص أحمد ناجي محتفظا بحجمه الحالي ومستويات تعقيده، ما لم يقرر هو نفسه تحديثه، أو إعادة كتابته. يظل أيضا محتفظا بهويته الحالية المكتسبة من كونه "وصلة تشعبية" في نص تدوينة مستقلة تشكل مع بقية التدوينات النصية، إضافة إلى الوحدات المرئية والسمعية، نصا أكبر هو مدونة وسّع خيالك، إلا إذا نفذ المؤلف فكرة نقل روجرز إلى "ويكي"، ليمارس القراء اللعب معها بحرية، كما قال في أحد تعليقات التدوينة.
إذا اختار قارىء تدوينة روجرز تحميل نص الرواية على جهازه، ومن الصعب مقاومة ذلك، ستظل علاقته بأحمد ناجي في إطار علاقة أي قارىء بمؤلف، قد يسجل في التعليقات تحية للفكرة الجريئة، أو سخرية منها، قد يحذر من خطر وضع النص في ملف عام بدون حماية لحقوق التأليف، على الرغم من تصريح المؤلف بتنازله عن هذه الحقوق، وأخيرا- عندما يقرأ النص- ربما نعرف ما فعل به إذا نشر نصا جديدا، وأعلن أنه مشاركة في لعبة روجرز، أو لم يعلن لكن نصه تناص معها بعلامات لا يمكن تجاهلها.
تتفق روجرز، في ملمحيّ التدوين وإمكانية القراءة بدون حاجة للاتصال بالإنترنت، مع رواية على قد لحافك التي بدأت- يوم 5مارس 2006- على مدونة تحمل الاسم نفسه بهذه المقدمة:
"على قد لحافك رواية سنتعاقب نحن الثلاثة على روايتها... لا يعرف أينـا أى المسارات أو الأحداث أو الأشخاص ستتخذها روايته.. لا يعرف أينـا أيضاً ما سيضيفه الآخران إليها ولكنه سيكتب لربما تقوده الكتابة فيعرف.. هى لعبة إذن ستتداخل فيها ثلاثة أخيلة... رواية واحدة مرتجلة وثلاثة رواة يحاولون فيها على قد لحافهم مد رجليهم وغزل خيالهم لتكوين عالم واحد مشترك.. معنا عماد شباك مصمماً لغلاف ولوحات الرواية، ولا يعلم أيضاً ما الذى سيحمل غلافه".
تتشكل الرواية من تسعة فصول، تم إدراجها بالمدونة على مدى شهرين، وتوقف تحديثها منذ 8 يوليو 2006. المؤلفون الثلاثة المُشار إليهم مدونون مصريون، يحملون هويات افتراضية/ أسماء حركية، وهم: سولو (كتب المقدمة، والفصلين الثالث والسادس)، بيانست (كتب الفصل الأول، الرابع، السابع، التاسع)، جيفارا (كتب الفصل الثاني، الخامس، الثامن). يستطيع القارىء نسخ الفصول كلها في ملف واحد، وتحميل الملفات الموسيقية المستقلة، للقراءة والاستماع بعيدا عن الوسط الموصول (اوفلاين)، مثلما يقرأ رواية/ نوفيلا ورقية، ولن يتجاوز الجهد المبذول للقراءة تحريك العينين وتقليب الصفحات بالماوس.
ميز الناقد النرويجي اسبن آرسيث) ) بين السرود الورقية والرقمية اعتمادا على عنصر المجهود الأكبر الذي يبذله قارىء السرد الرقمي لتشكيل النص، من الواضح أن هذا العنصر مفقود في الروايتين، بدرجة ما، إذا عزلنا النص السردي مؤقتا عن إطار المدونة، وليس السبب عدم اعتمادهما على تقنية النص المتشعب، لأن العنصر مفتقد- بالدرجة نفسها تقريبا- في نصوص تشعبية عربية.
تقدم رواية شات لمحمد سناجلة، كمثال، نظاما يبدو للوهلة الأولى خاليا من التقييدات المادية للصفحة الورقية، وساعيا إلى تجاوز الفروق الصارمة بين العلامات اللغوية وغيرها، اعتمادا على وصلات تشعبية تقود مراسيها (ما تنفتح عليه) إلى حوارات، ومؤثرات مرئية/ سمعية/ حركية ما كان تمثيلها لغويا- كما حدث في روجرز- أو وضعها في فضاء مفتوح- كالمدونة- سيغير آلية القراءة، المحددة بالنظر إلى شاشة بدلا من صفحة ورقية، والنقر على الماوس/ لوحة المفاتيح بدلا من تقليب كتاب، مع بعض المشقة الناتجة عن تفكك صفحاته.
القارىء حرّ في أن يبدأ جولته مع نص شات، مثلما يبدأ على قد لحافك، تحثه الرغبة التقليدية في اكتشاف حدود المحتوى، النهاية الغامضة، والمغزى، لكن حاله ما بعد البداية مع الروايتين مختلف، برغم اتفاقهما في صعوبة الحصول على فكرة عامة حول السرد (الطول/ البناء/ المحتوى) قبل القراءة، واتفاقهما أيضا في خطية السرد مع إبراز عامل التشويق. نص شات بما يجاوره/ يخترقه من وحدات مرئية وسمعية مُصمم للعرض في وسط موصول (اونلاين)، قدراته الشبحية حاضرة بوضوح أكثر، فهو: يُصدر أصواتا مباغتة، يظهر/ يختفي فجأة أو جزئيا بالتدريج، ويستعصي على اللمس.
النص معزول في صناديق محمية، لا يستطيع القارىء أن يترك آثار مروره عليه، حتى لو كان الأثر مجرد تعليق، يظل مشاهدا من الخارج لمنظور فردي يمثل إمكانية تقنية لوعي مؤلف/ مخرج ينقل تجربة، خلافا لمنظورات سردية افتراضية مثل لعبة تحت الحصار، التي تمثل تقنية تمكين لوعي مشاهد/ مخرج يجسّد تجربة. توجد خمسة منظورات/ شخصيات يستطيع المشاهد أن يتبنى أربعة منها (واحدا مختلفا في كل جولة لعب)، وبذلك يتمكن من دخول إطار القصة، السيطرة على مستويات خطيتها، والتأثير في عالمها الافتراضي، كأن:
*يتسلل إلى مواقع عسكرية إسرائيلية.
*يستولي على أسلحة خفيفة أو ثقيلة.
* يُطلق النار ويقود سيارة في طرقات.
*يغير التاريخ بقتل المتطرف اليهودي الذي نفذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في سنة 1994.

حركة القارىء بين الصفحات في شات مقيدة بشبكة من الوصلات الداخلية المقررة سلفا، ولا سبيل أمامه لمتابعة سياق القصة- إذا أربكته الوصلات، أو أراد مراجعة صفحة سابقة- إلا بإغلاق المتصفح والبدء من جديد. حرية الحركة في تحت الحصار أيضا ليست مطلقة، فهناك مستويات من الصعوبة في التقدم، لكنها تنشأ عن القصة نفسها وترتبط بخصوصية عالمها، كالفشل في عبور حاجز تفتيش، نفاد ذخيرة اللاعب، ومعاقبته على إصابة أحد المدنيين. لا يوجد في اللعبة نفسها شيء مؤكد أنه صواب للفوز، القرار الأخير بشأن الخطأ والصواب يتخذه اللاعب، قراراته تؤثر على سلوك الشخصيات غير اللاعبة، وتسمح بنهايات مختلفة للعبة.
العوالم التي بناها المؤلفون متميزة بحالاتها الخاصة وغموضها، تنطوي على مسالكها المتشعبة مثل متاهة لايستطيع القارىء/ اللاعب عبورها إلا إذا أمسك بخيط سردي، لكنه لا يملك خيار الإزاحة الفورية لطبقات من الفضاء الافتراضي والمعنى، الخيار الذي توفره اللعبة الافتراضية الجيدة بطريقتها الخاصة في تمثيل الزمن وموضعة المشاهد أمام مواقف السرد.
تفاعلية النص الرقمي إذن، سواء كان متشعبا أو غير متشعب لكن خطيته المتعددة منجزة قبل بدء السرد- شأن أحادي الاتجاه لا علاقة حوارية، إذا كان القارىء/ المشاهد:
*يستجيب للنص.
*يتخذ قرارات حاسمة.
*تستند قرارته بنموذجية إلى شروط التلقي.
ولا يستجيب النص- في الوقت نفسه- لأفعال القارىء التي قد تبدو للوهلة الأولى كثيرة ومتنوعة، لكن آليتها في أغلب الأحوال واحدة، وتتمثل في:
*سحب أجزاء مختلفة من نسيج مرتجل بدون خطة، يغزله ثلاثة مؤلفين في على قد لحافك. كل واحد منهم يكتب فصلا على حدة، والقاريء ينتظر ثم يقرأ، ويعلق- إن فعل- على عمل منجز. وسحب النسيج نفسه بعد اكتماله وطيّه بعناية، كما يفعل القارىء الذي لم يحضر المراحل الأولى من غزل اللحاف.
*سحب أجزاء من نسيج مطوي بعناية أكبر، حسب خطة صممها مؤلف واحد في شات.
*سحب نسيج مُحكم التصميم على شكل زي في روجرز، أنجزه مؤلف وقدمه لقارىء كي يُعيد تصميمه، لكن غيابه عن المشاركة في التصميم الجديد سيمزق هوية النص، ويغير توصيف القارىء من مؤلف مشارك- بترتيب الاحتمالات- إلى مُنقّح، مُتأثر، مُقلد، سارق.
آلية أفعال القارىء متكررة، إذن، تجاه النصوص، برغم اختلاف عوالمها، مع ملاحظة أن الوحدات المرئية/ السمعية/ الحركية التي تشارك في صنع عرض أكبر من وحدة النص اللغوي- تميز شكلا من المشاركة بين خبراء، بعيدا عن أنظار قارىء، لا يعدو دوره- في حالة اللعب من طرف واحد- دور شريحة في آلة عرض، الشريحة الضرورية فقط لإخراج المنتج المكتمل من الآلة، ولهذا السبب ربما يبدو موقفه من هذه النصوص الشبحية موقف شبح آخر، حائر بين عالمين: لا يعترف بموته، لا يتصور وجود حياة بعد موت، ولا يستطيع أن يكسو روحه أو روح السرد جسدا.

(3)
ما دمنا اعتبرنا النصوص الرقمية سرودا، فلابد أنها تتشكل في نوع ما من البناء السردي، ليس بالضرورة أن يكون مشابها لأبنية السرود الورقية، فهوية أي سرد منهما تتحقق اعتمادا على طريقته الخاصة في تمثيل الموقف الزمني وموضعة المتلقي بإزائه. هل نستطيع وصف السرود الرقمية بأنها تفاعلية؟ هل نستطيع وصف أي سرد بأنه تفاعلي؟
تسبق محاولة الإجابة مشكلتان، الأولى: أن السرد لا يمكن مشاهدته مستقلا. لا نستطيع رؤية القصة نفسها، نستطيع فقط رؤيتها من خلال وسيط آخر كالرواي الشعبي، الكتب، والأفلام. إمكانية نقل قصة من وسيط إلى آخر توحي بأن السرد أبنية مستقلة عن أي وسيط، أشكال مرنة تنقبض وتنبسط بقدر ما تستوعبها وسائط أخرى، تتنقل كيف تشاء وتظل مع ذلك مخلصة للبناء السردي الأول. لماذا لا يبدو هذا الوحي صادقا؟.
نُقلت رواية نجيب محفوظ اللص والكلاب إلى فيلم سينمائي بالعنوان نفسه، المشاهد الذي قرأ الرواية سيقول- ربما بخيبة أمل- إنها القصة نفسها، وهنا تأتي المشكلة الأخرى، ما المقصود تحديدا بأن شيئا ما يمكن نقله من وسيط إلى آخر؟ ماذا يكون هذا الشيء؟ لتحديد المنظور.. توجد ثلاثة أنواع من الزمن داخل الإطار السردي وخارجه (زمن المؤلف/ زمن الشخصية/ زمن القارىء)، الإطار السردي نفسه ينقسم) ) إلى:
*خطاب: حكاية قصة.
*قصة: ما يُحكى، وبدوره يمكن تقسيمه إلى:
- كائنات: شخصيات، أشياء، ومواقع.
- أحداث: أفعال مقصودة وحوادث عارضة.
فيلم اللص والكلاب مألوف لدى مشاهد قرأ الرواية، لأنه يشتمل على الكائنات نفسها والأحداث، ليس هذا ما يستحق الانتباه، بل الفارق الذي يجعل هوية السرد السينمائي مختلفة عن السرد الأدبي، الفارق الذي جعل محفوظ يقول إن روايته موجودة في كتاب، هذا هو! منطق الخطاب: الحيوية المنظمة لطريقة إدراك الأحداث، ولمزاج الحكاية عنها بترتيب معين.
يمكن باستخدام هذا العنصر اختبار ما إذا كان الأدب الرقمي تفاعليا أم لا. إذا انتقلت هوية الألعاب إليه، فلابد أنه تفاعلي. طيب..، أليس من اللازم أولا أن نحدد ما نقصده بهوية الألعاب؟
الكلمات المتقاطعة لعبة و الشطرنج لعبة.
الاسكواد لعبة و الرايخ الثالث لعبة.
السلم والثعبان لعبة و دائرة المعرفة لعبة.
كرة القدم لعبة و الأدب الرقمي لعبة.

أي شيء في الحياة- حتى الحياة نفسها إذا أردنا- يمكن أن يكون لعبة. ليس هذا ما يستحق التساؤل عنه، بل ما الذي يجعل اللعبة تستحق ممارستها؟
يصف مصمم الألعاب المعروف جريج كوستيكيان( ) الألغاز بأنها ساكنة، لا تؤثر أفعال اللاعب عليها، هناك بناء منطقي معقد يحله اللاعب بمساعدة بعض التلميحات) )، هذا صحيح، لكن الألعاب شيء آخر، لننظر إلى الفارق..

الألغاز الألعاب
لا يوجد دور تلعبه الشخصية. تفاعلية تتغير حسب أفعال اللاعب.
لا توجد مقاومة من خصم. تمنحه مصادر قوة ثابتة أو متغيرة.
لا توجد مصادر قوة لإدارتها. تشجعه على صنع قرارات.
الفوز تتابع زمني لعملية حل اللغز. الفوز حالة انتصار.

يصل كوستيكيان، من ثمّ، إلى تعريف اللعبة بأنها شكل فني يتخذ المشاركون فيه قرارات تمكنهم من إدارة مصادر قوة، لتحقيق هدف واضح. الكلمات المتقاطعة ليست لعبة، إنها لغز. أليس من المحتمل أن تكون السرود الرقمية التي نصفها بالألعاب مجرد ألغاز؟
لقد كُتبت شات خصيصا لتقرأ على شاشة كومبيوتر متصل بالانترنت، ثم أُخفيت بعض الأجزاء من النص مع إضافة تلميحات (وصلات تشعبية) تساعد المتلقي في العثور على موقعها. نستطيع أن نقول إن السرد في شات جمع بين سرديات لا تستطيع الرواية الورقية أن تحتملها، مثل الرسوم المتحركة ومقاطع الأفلام السينمائية، لكن مَنْ الذي نلوم هنا أو نمدح؟ هل نلوم روايات ما قبل الكومبيوتر لأنها لم تستخدم تقنياته؟ أم نلوم الروائيين الذين يرغبون اليوم في أن يبدعوا بطريقة أخرى يفضلونها؟ هل نمدح شات عندما نقارنها بغير نوعها؟
إن جمع شات بين سرديات متنوعة يمنحنا الفرصة لنرى المشهد من هذه الزاوية..
النوع
أسلوب النقل الموقع الزمن وصف المتلقي
الرواية الورقية الكلمات، إما بأسلوب مباشر أو غير مباشر، مثلا (قالت: - نعم. قالت إنها موافقة) سطح الورقة. ظاهر للقاريء في موقعه على الصفحة نفسها التي يقرأها. لحظة الشخصية في عالم القصة قارىء
رواية رقمية شات الكلمات، بأسلوب مباشر، من خلال استخدام وصلة تشعبية تعني أن حوارا جرى بين شخصيتين. سطح الشاشة. خفي عن قاريء الصفحة، لكنه موجود في صفحة أخرى من الرواية، وهناك تلميح بموقعه (أيقونة الوجه الأصفر المشهورة في غرف الدردشة)، كل ما على القارىء أن يفهم دلالة هذا التلميح ويتبعه ليظهر المخفي. لحظة الشخصية في عالم القصة قارىء مشاهد
رواية افتراضية تحت الحصار الصوت فضاء عالم القصة لحظة القارىء بوصفه شخصية في عالم القصة لاعب متفاعل

تتكفل صيغ التراكيب النحوية في السرد الأدبي بتوضيح العلاقة بين زمن الأحداث المروية في القصة وزمن سردها. لا توجد في السرود السينمائية والمسرحية صيغ تراكيب تبين العلاقات الزمنية، لكن هناك الوعي بوجود نص سابق للعرض. الفرق بين السرد الأدبي والسرد السينمائي أو المسرحي- بتعبير آخر- أننا نشاهد فيلما الآن، أو نري ممثلين يؤدون عرضا دراميا الآن، ونعرف أن الأحداث المروية لا تحدث الآن. نعرف أن الفيلم/ المسرحية سرد لأحداث وقعت، اكتملت قبل أن تبدأ حكاية قصتها في كتاب، وإلا ما استطاع السارد حكايتها. القراءة/ المشاهدة- إذن- تعني إعادة بناء القصة على أسس السرد الذي يقدمه مؤلف أو مخرج.
لطالما كان طموح الأدب والفن أن تنمحي الحدود بين داخل الإطار السردي وخارجه، أن يعيش القارىء/ المشاهد في عالم القصة، لا أن يعيد بناءها ناظرا إليها من الخارج. تم السعي لهذا الطموح بمحاولة تقريب المسافة بين الأنواع الثلاثة من الزمن، المسافة التي تفصل بين زمن القصة (الشخصية) وزمن الخطاب (المؤلف) وزمن التلقي (القاريء أو المشاهد)، وبرغم تنوع تقنيات الإيهام/ كسر الإيهام التي تأرجحت بين الأدب والسينما- ما زالت تلك المسافة واضحة في كل من السردين. ماذا عن السرد الرقمي؟
تتقارب المسافة في النصوص الرقمية بين أنواع الزمن، عندما يكون العرض الرقمي أكبر- قليلا أو كثيرا- من مجرد نص لغوي، لأن أية محاولة من القاريء/ المشاهد لإعادة بناء أحداث هذا العرض ستبدأ دائما بفعل: لا بد أن ينقر على وصلة روجرز ليتمكن من تحميل النص ثم قراءته، وليُظهر فصلا من شات أو على قد لحافك، لابد أن يضغط على مفتاح تحكم أو اتجاه- في لوحة المفاتيح- حتى يستكشف النص أو ينسخه.
النقر على الوصلات للقراءة أشبه بمستوى من مستويات لَعِب تحت الحصار، وفي أية لعبة ينبغي أن يفعل اللاعب شيئا لينتقل إلى المستوى التالي. النص كله باعتباره سردا/ أحداثا وقعت قبل زمن حكايتها هو جائزة الانتقال في الروايات الثلاث الأولى، الأمر الذي يعني أن بقاءها في مواقعها على شبكة الإنترنت يجعلها ألعابا بهذه الدرجة فقط: أنها سرود متعددة الخطية.. تضم بين وحداتها المختلفة وحدة سردية خطية/ لاخطية.. يسهل عزلها في روايتين على الأقل بتحميل النص أو نسخه، ويمكن التأثير في نص برخصة مؤلف واحد من الثلاثة.
هل يكفي هذا لنقول إنها تفاعلية؟ إذا اعتمدنا على تفرقة كوستيكيان بين الألغاز الساكنة والألعاب المتحركة، فينبغي أن تسبق الإجابة تساؤلات محددة.
أمامنا صفحة من شات تضم وصلتين، ما الذي يجعل اختيار المشارك الوصلة الأولى بدلا من الثانية أفضل؟ ما الذي يجعل اختياره أفضل هذه المرة ولا يجعله كذلك في المرة التالية عندما يعيد قراءة الرواية؟ ما العوامل التي وفرها سيد اللعبة لتقود اللاعب في عملية صنع القرار؟ ما المصادر التي وفرها له ليتحكم في العملية؟ ما الهدف النهائي الذي حدده بوضوح ليصل اللاعب إليه؟ ما الشروط التي وضعها لتنفيذ الهدف ومن ثمّ للفوز في اللعبة؟
إذا عدنا إلى تفرقة كوستيكيان بين الألغاز الساكنة والألعاب المتحركة، سنجد أن الاستراتيجية الكبرى في أكثر الألغاز شيء غامض ندعوه الحظ أو التوفيق، ومعناه وجود مصادر/ معلومات خفية تظهر فجأة لصالح طرف دون آخر، حتى لو بدا للجميع أن الطرفين اجتهدا بالقدر نفسه في السعي لهدف واحد.
تتكرر مثلا في الأفلام المصرية صورة الطبيب الذي يخرج من غرفة العمليات، ينقل خبر موت المريض لأهله بحزن بالغ، لكنه يعلق بثقة:" نحن فعلنا ما علينا، والتوفيق من عند ربنا". حقا، وكل شيء في الكون من عند الله، لاجدال، لكن ما الذي يجعل هذه اللازمة المشهورة عاملا مشتركا بين الطبيب ولاعب الكرة مثلا؟ يتردد التعليق نفسه عقب كل مباراة على لسان الفريق المهزوم، وبالمثل الموظف الذي لم ينل ترقية، الطالب الذي رسب، والسيدة التي لم تنجب. حقا، مالسرّ؟ الحياة لعبة أم لغز؟
تشتمل أية لعبة على درجة ما من عملية حل لغز، حتى ألعاب المعارك البسيطة تتطلب من اللاعبين أن يحلوا لغزا، كيفية تنفيذ هجوم ناجح على موقع مثلا. في الواقع، تستخدم اللعبة أي نوع من عمليات صنع القرار: وضع خطط، توقع مشاكل، تبديل مصادر، وتفضيل حلول. شروط اللعبة تتغير اعتمادا على قرار اللاعب، والنتيجة تتغير حسب هذا القرار، الخطأ وارد لكن له عواقب أهونها ربما خصم النقاط، وأصعبها أن ينتبه اللاعب الغافل على رسالة: اللعبة انتهت. اللغز الساكن، إذن، جزء من بناء اللعبة، لكن اللعبة كلها ليست لغزا، اللعبة تفاعلية.
أليست التفاعلية مصطلحا يشير إلى ميديا الكومبيوتر؟ طيب، ألم توجد ألعاب قبل اختراع الكومبيوتر؟ ما مادامت الألعاب كلها تفاعلية، فلابد أنها تعني الشيء نفسه في الثقافة الرقمية وما قبلها، فماذا تعني؟ لا تعني الكثير في الحقيقة. تضغط على زر فيعمل جهاز الكومبيوتر، تضغط عليه مرة أخرى فيتوقف عن العمل. هذا هو التفاعل. أن تفعل شيئا. من الواضح أن تشغيل جهاز ليس لعبة. لا توجد قيمة اللعب في التفاعل نفسه. القيمة في أن يكون للتفاعل هدف. الآن نتحدث عن التفاعل( )، أو للدقة عن عملية صنع القرار التي تعني التفاعل من أجل هدف.
التأثير في نص القصة أمر مختلف عن التأثير في عالم القصة. نعم أي فعل مؤثر تفاعل، لكن الأثر الناتج هو ما يستحق النظر. التفاعل مع النص يحفاظ على استقلالية المسافة بين المؤلف والشخصية والمتلقي (بين أنواع زمنهم)، فيبقى القارىء متفرجا على العالم مهما أجهد خياله في التصور. والتفاعل مع عالم القصة يقرّب المسافة بقدر ما يتمكن اللاعب من فعل شيء. جائزة عبور مستوى في تحت الحصار المزيد من القدرة على التأثير في عالم القصة، ودائما هناك هدف( ) لا يستطيع اللاعب تجاهله.
مَن يلعب تحت الحصار يكون واعيا لاكتمال عملية السرد من قبل ممارستها، بخاصة في ظل اعتماد القصة على أحداث حقيقية تبدأ من مذبحة الخليل حتى حصار جنين، ومع ذلك سريعا ما يتراجع هذا الوعي، فهناك حبكة رئيسية يجب أن يتبعها اللاعب. الحبكة تستوعب اختيارات كثيرة، وتعتمد على أفعال اللاعب، على إجراءات معينة ينفذها. هذا تنويع أكثر لخطية البناء، اللاعب يتبع خيطا واحدا من بضعة خيوط تشكل بناء السرد، وليس مضطرا للانشغال بمحتوى بقية الخيوط، لماذا يفعل ذلك وهو يريد الوصول بسرعة إلى هدف؟.
إنها طريقة سرد قوية لم تكن ممكنة قبل الكومبيوتر، مهما ادعينا تفاعلية النصوص الورقية متعددة الخطية، اللاعب يسيطر فعلا على النص، يؤثر في عالمه، وما زال المصمم هو مؤلف القصة، اللاعب يشارك فقط في إظهار واحد من الاحتمالات التي فكر فيها المؤلف وأضمرها في بناء السرد.
ما يُنتج الإثارة في سردية تحت الحصار ليس عامل مساعدة الفلسطينين المحاصرين، ولا عامل الانتقام من وحشية الإسرائيلين، ليس الخداع والهروب أو تسجيل النقاط، الإثارة أن هذه العوامل يحفزها ما يحدث الآن، لا يعنى ذلك أن المشاهد يرى الأحداث الآن، كما يرى نقلا تليفزيونيا مباشرا لاجتياح بلدة فلسطينية، أو أطفالا يواجهون المدرعات الثقيلة بأحجار، بل يعنى أن أحداث القصة تقع الآن، وما سيأتي فيها لاحقا يتوقف على قرار يتخذه لاعب.
كان القارىء شبحا حائرا بين زمنه وزمن شخصيته المفضلة، في روايات الغموض والخيال العلمي، وتمكن أخيرا من دخول الإطار السردي، الحلول في جسد الشخصية، وممارسة حياة أخرى بالسيطرة على أفعالها وانفعالاتها. المسافة بين زمن القصة وزمن اللعب تنمحي تماما، وبهذه الخطوة قفز السرد خطوات، تفوق آثارها ما أنجزه النص المتشعب للأدب والفن.
السرد تصميم لأحداث وقعت، التفاعلية تصميم لشروط الأحداث لا الأحداث نفسها، تخطيط لشبكة احتمالات وتشكيل في الوقت نفسه لنظام ينتج أحداثا فورية في ماكينة قص. تتابع الأحداث حتى الخروج من متاهة الاحتمالات يتأثر بالمشاهد، حتى إذا كان إطار الشروط والاحتمالات مصمما من قبل المؤلف.
يتصل السرد بأسلوب مختلف في التلقي، سواء كان خطيا أو متعدد الخطية، ورقيا أو رقميا. السرد حكاية قصة لا تحدث في لحظة السرد (زمن المؤلف) ولا في لحظة التلقي (زمن القاريء/ المشاهد). التفاعل قصة تحدث في لحظة التلقي. السرد اكتمال والتفاعل استمرار. نستخلص من ذلك أن الجمع بين السرد والتفاعلية في وقت واحد غير ممكن، لأن المرء لا يستطيع التأثير في أحداث وقعت بالفعل.


السرود الورقية
السرود الرقمية الألعاب الافتراضية
زمن القصة مكتمل. زمن القصة مكتمل. زمن القصة مستمر.

الشخصية آخر يعيش تجربة. الشخصية آخر يعيش تجربة. الشخصية أنا.
السرد وصف تجربة. السرد وصف تجربة. السرد تجربة.
المتلقي قارىء. المتلقي قارىء/ مشاهد/ مستمع. المتلقي لاعب.
لا يستطيع التأثير في نص القصة. يستطيع التأثير في نص القصة. يستطيع التأثير في القصة نفسها.
يبدأ القارىء متابعة حكاية القصة من نقطة ما ثم ينهيها عند نقطة أخرى، وترتيب ما يظهر من الأحداث بين النقطتين يكون حسب النظام الذي يختاره المؤلف، والمتلقي مضطر للقراءة حسب نظامه.
يبدأ القارىء/ المشاهد متابعة حكاية القصة من نقطة ما ثم ينهيها عند أخرى، وترتيب ما يظهر من الأحداث بين النقطتين يكون حسب النظام الذي يختاره هو لتشكيل حبكة واحدة من حبكات متعددة صممها المؤلف.
يدخل اللاعب عالم القصة، ما يحدث بعد ذلك يكون حسب اختياره، اللحظة التي يفعل فيها شيئا، هي لحظة تغير القصة من كونها حكاية لأحداث وقعت إلى تجربة أحداث تقع في الحال.

تقتضي ألعاب الكومبيوتر التي يؤدي اللاعب فيها دور شخصية وجود مشرف أو سيد لعبة، يضع قواعدها ويراقب عملية تنفيذها. قد يحصل اللاعبون قبل بداية اللعبة على مصادر قوة تعينهم على تحقيق الهدف النهائي، قد يضيفون إلى مصادر قوتهم بالنجاح في تحقيق أهداف مرحلية، وفي أي حال ينبغي أن يكافح اللاعب في سبيل الفوز، إذا لم يفعل ذلك فمن المحتمل أن سيد اللعبة لا يؤدي عمله جيدا، والمؤكد أن اللاعب لن يعود إلى اللعبة مرة أخرى، ما دام لم يدخل عالمها في أول مرة.

(4)
الفرق بين السرد (القصة) والتفاعلية (اللعبة) هو اختلاف طريقة تمثيل الزمن، التي تقود بالتالي إلى طرق مختلفة في موضعة القراء بإزاء الموقف السردي. يشير السرد إلى الماضي. إنه إعادة إنتاج لأحداث وقعت، وإلا ما استطاع السارد حكايتها. السرد محدد في ذاته ولديه وظيفة محددة: القيمة التاريخية التي هي جزء من طريقته الخاصة في التمثيل، ومن ماهيته. التفاعلية- على الجانب الآخر- تشتغل في الحاضر، ما يحدث هو نقلة/ حركة تتم باختيار حالي، سواء كانت الحركة في أبنية قيد الإعداد أو سبق إعدادها.
لا تستطيع الألعاب التفاعلية، ربما لأسباب تجارية في المقام الأول، أن تنجز الوصول إلى نقطة التطابق بين الأزمنة، نقطة التفاعلية القصوى، حيث تجتمع أشباح المؤلف/ الشخصية/ القارىء/ المشاهد، لكن النصوص الرقمية الأخرى تستطيع، بخاصة الرواية التفاعلية، ولنتذكر التعريف في ضوء جديد " لعبة افتراضية قيد الكتابة أو التشكيل، يشترك في إبداعها أكثر من مؤلف".
لعل هذه الرواية تكون الأفق الذي تفتحه الألعاب لتطوير النوع كله باتجاه تفاعل أقصى، بعيدا عن مراوغة أنظمة بلاغية تفترض أن التمثيل السردي التقليدي (الأدب، الفن، التاريخ ..إلخ) ينطوي على مغزى عميق يفتقر التمثيل التفاعلي إليه (الألعاب، الأدب الرقمي).
النقلة من التمثيل السردي إلى التمثيل التفاعلي تقتضي نقلة مماثلة من اكتمال الوعي إلى استمراره، من خارج زمن الظواهر قيد الدرس إلى داخله، بكل ما يعنيه الداخل من فوضى، وحركة متواصلة لربط شظايا عالم الكومبيوتر والمؤسسات. نستطيع التفكير في هذه النقلة باعتبارها تقنية تمكين، تزود الأدب والفن معا بجماليات مختلفة، الأدباء/ الفنانين بقدرات تسليط خيالهم على فضاء جماعي، الناس العاديين بالقدرة على تعديل توقعاتهم الجمالية، وتزودنا جميعا بإمكانية تحفيز حوار جماعي وحلم مشترك.

- مشاركة بمؤتمر الرواية العربية في المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، دورة فبراير 2008:
http://www.arab-ewriters.com/?action=showitem&&id=4585
- انظر تدوينة روجرز على مدونة(وسّع خيالك) لأحمد ناجي:
http://shadow.manalaa.net/node/556
- انظر الرواية:
http://www.arab-ewriters.com/chat
- انظر مدونة (على قد لحافك):
http://le7afak.blogspot.com/2006/03/blog-post.html
- توفر الشركة المنتجة نسخة تجريبة صالحة للعب، ولا توجد شروط لتحميلها سوى التسجيل على الموقع التالي:
http://www.underash.net/n_regist.htm

- William H. Gass, "In Defense of the Book- why books are good?" Harper’s Magazine November 1999. http://192.211.16.13/curricular/artofthebook/documents/indefenseoftheBook.pdf
-J. Joensuu, "Intimate Technology? Literature, Reading and the Argumentation Defending Book and Print" M/C Journal, 8(2). http://journal.media-culture.org.au/0506/02-joensuu.php.
- انظر على سبيل المثال:
George P. Landow," Hypertext and Critical Theory", in Hypertext: the convergence of contemporary critical theory and technology.
http://www.usp.nus.edu.sg/cpace/ht/jhup/contents.html
- تدوينة روجرز، سابق.
- ليس من السهل تصور حدود محتوى النص الرقمي أو الاتفاق عليها، غير أن الطريق إلى روجرز لابد أن يبدأ من موقع ما. قد يبدأ قارىء من ورقة بحث تحمل عنوانا غريبا (أشباح نصية)، ويتبع عنوان صفحة الإنترنت المُشار إليه في الهامش، بنقرة واحدة تنشط وصلة التخاطر، نقرة أخرى.. فيصعد شبح الرواية من هذه الورقة. النقر..هذا الإجراء البسيط في حد ذاته يجعل من المكونات التالية محتوى نص:
مدونة كاملة على صفحة إنترنت.
تدوينة مفردة تحكي عن استلهام نص أدبي من نصوص موسيقية (كلمات وألحان).
وصلة تشعبية للنصوص الموسيقية.
وصلة تشعبية لموقع فرقة روك إنجليزية.
وصلة للنص الأدبي.
موقع لتخزين الملفات الرقمية ومشاركتها مع جميع مستخدمي الإنترنت.
يستطيع القاريء أن يكتفي بقراءة نص أحمد ناجي وحده، لكنه لا يستطيع التعامل معه باعتباره وحده "ما يُحكى"، هناك أجزاء أخرى ضرورية لفهم العلاقة بين مقاطع النص من جانب، والعلاقة بينها وكلمات الأغاني التي تسبقها، من جانب آخر، كأن يبدأ مقطع بهذين السطرين:
All in all it's just another brick in the wall
All in all, you're just another brick in the wall
ويحكي السارد فيه عن ثورة خياله: "في الحصصِ الدرَاسية الْمُملة بشَكلِ يسمح بإطلاق الخياَل، جربت "المجد" واستشعرت العظمة. في سَاعةِ الصفر، سَينطلق الجميع، خمسة عشر طالباً منا يقتحمون غرفة الناَظرِ، ويحتجزونه، واحد سيقطع سلك الكهرباَء....إلخ". اقرأ: روجرز، ص9. عنونة المقطع بجزء من أغنية "حجر آخر في الجدار" يجعلها كلها جزءا منه، يضيف إلى حكاية السارد ما يفسر أحداثها، بل يجعله هو نفسه بطل الأغنية الدرامية بأجزائها الثلاثة، إضافة إلى المشهد الأخير (خارج الجدار)، الطفل بينك الذي فقد أباه في الحرب، أفرطت أمه في حمايته، تعذب على يديّ أستاذه، وخانته زوجته. كل جزء من رحلة الفقد والمعاناة كان حجرا في جدار يعزله عن المجتمع، ويقوده شيئا فشيئا للجنون. استمع إلى الأغنية:
http://www.youtube.com/watch?v=m3aIQyL9Mh0
-Espen J. Aarseth, Cybertext: Perspectives on Ergodic Literature. www.books.google.com
- هامش: تعتمد كل نظريات السرد- تقريبا- مثل هذا التقسيم. للحصول على فكرة عامة، انظر:
Dino Felluga, "General Introduction to Narratology". Introductory Guide to Critical Theory.
http://www.purdue.edu/guidetotheory/narratology/modules/introduction.html
Manfred Jahn, Narratology: A Guide to the Theory of Narrative.
http://www.uni-koeln.de/~ame02/pppn.htm
ولمراجعة بعض التطبيقات، انظر:
Sergei Eisenstein, Film Form: Essays in Film Theory. Edited & translated by Jay Leyda.
http://cla.calpoly.edu/~dgillett/ENGL_411/pdf/DP_Chapter_2_selection_I.pdf
Zwaan, R. A., Madden, C. J., & Stanfield, R. A. Time in narrative comprehension: A cognitive perspective.
http://freud.psy.fsu.edu/~zwaan/time_in_narrative.pdf
Henry McDonald, THE NARRATIVE ACT:WITTGENSTEIN AND NARRATOLOGY.
http://www.pum.umontreal.ca/revues/surfaces/vol4/mcdonald.html
- انظر الموقع الشخصي لكوستيكيان:
http://www.costik.com/

-Greg Costikyan, I Have No Words & I Must Design: Toward a Critical Vocabulary for Games.
http://www.digra.org/dl/db/05164.51146.pdf
- انظر: ليس لدي كلمات، يجب أن أصمم. كوستيكيان، سابق.
- هل كل لعبة لديها هدف؟ أغلب الألعاب تشتمل على حالة فوز واضحة، ومجموعة شروط للفوز. العقد الأساسي في الألعاب يتضمن الموافقة على التصرف كما لو كان تحقيق الفوز مهما، لكي يقود الهدف سلوكنا في اللعبة. ليست وظيفة اللعبة أن توفر هدفا واحدا، بل أن توفر أهدافا متنوعة، وتسمح للاعبين باختيار ما يناسبهم منها. عندما يشعر اللاعبون بأنهم لا يملكون هدفا يستحق السعي من أجله، يبدأ شعورهم بالقلق. وعندما يمتلكون الهدف ويفتقدون الإصرار يشعرون أيضا بالقلق، لأن الأهداف وحدها لا تكفي.
مهما كانت أهداف اللاعبين التي توفرها اللعبة، فلابد أن تجعلهم يفعلون شيئا لإنجازها. وضعهم في مقابل بعضهم البعض إحدى الطرق لفعل ذلك، لكنها ليست الطريقة الوحيدة. إضافة عوائق أخرى يمكن أن يزيد ثراء اللعبة وجاذبيتها العاطفية.
تتم مهاجمة الألعاب الافتراضية عادة بأن تنافسيتها الظاهرة تنمي روح العدوانية في اللاعبين، هناك فائزون وهناك خاسرون، هذا لا يجوز، يُفترض بالبشر أن يكونوا متعاونين، لماذا لا توجد ألعاب رقمية تعاونية؟ تنافس! من الذي يتحدث عن التنافس؟- يتعجب كوستيكيان ثم يتساءل ونحن معه- نتحدث عن الإصرار.
الإصرار: المقاومة.. النضال.. الكفاح. هذه كلمات قوية، ربما نسينا ما تعنيه لكن النسيان لا ينفي وجودها. ماذا تختار؟ في لعبة تحت الحصار- ليس الإيقاع مقصودا- اخترت أن تعيش لتكبد جيش الاحتلال خسائر بشرية/ مادية توجعه كل يوم؟ تهانينا، لقد فزت؟ اخترت أن تفجر نفسك لتقتل بضعة جنود يعبرون طريقا بالمصادفة؟ تهانينا، لقد فزت؟ أليس هذا مُرضيا؟ إثارة أن يكون هناك هدف.. تحول دونه عقبات.. ويفوز اللاعب بعد كفاح.. فيشعر بقيمة الانتصار، حتى لو كان الكفاح الذي أدى للنصر بسيطا بقدر ما يضغط اللاعب زرا أو ينقر على وصلات.
التنافس بين لاعبين أول خطوة لكي تشتمل اللعبة على قيمة الإصرار. لا شيء يحفز المرء مثل أن يكون له خصم عنيد يزاحمه الطريق إلى هدف. الشطرنج لعبة قوية لأن كل حركة رهينة بحاجة ملحة، الحاجة إلى توقع حركات الخصم، والتصرف على أساسها. جزء من الإصرار يقع في استكشاف عالم القصة، جزء منه في حل الألغاز، وجزء في صعوبات تواجهها الشخصية التي يقوم اللاعب بدورها في العالم الافتراضي. ليس مهما أين يقع، المهم أن يكون موجودا.

نشر في الموقع بتاريخ : الخميس 24 جمادى الأول 1429هـ الموافق لـ : 2008-05-29

التعليقات
بلطرش رابح
 د. عبير سلامة
أهلا وسهلا بك معنا بأيكة اصوات الشمال
ننتظر دوما المزيد
سأعود لموضوعك لاحقا اردت أن اسجل مروري  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
نقد فكرة(سلطة النواعم) في ضوء: فلسفة " اصابت امرأة واخطا عمر"
بقلم : د. سكينة العابد
نقد فكرة(سلطة النواعم) في ضوء: فلسفة


الطائفية بضاعة الفاسدين في العراق
بقلم : سعيد العراقي
الطائفية بضاعة الفاسدين في العراق


بغداد كَبْوُكِ أنْهَكَنا
الشاعر : غسان حسن عبد الفتاح
بغداد كَبْوُكِ أنْهَكَنا


زعماء حكموا بلادهم بـ: "السكايب" و ملوك يسرقون "الزعامة"
بقلم : علجية عيش
زعماء حكموا بلادهم بـ:


يوماً...
بقلم : مادونا عسكر/ لبنان
يوماً...


بيّاع الورد
بقلم : شعر: محمد جربوعة
بيّاع الورد


ماذا لو كان منفذ مجزرة أمريكا مسلما.. أو صرخ بعبارة "الله أكبر"!؟
بقلم : محمد مصطفى حابس: جنيف/ سويسرا
ماذا لو كان منفذ مجزرة أمريكا مسلما.. أو صرخ بعبارة


رسالة إلى.... صُنَّاعُ.. فُرْسَانَ الأمَل..!!
بقلم : محمد الصغير داسه
رسالة إلى....          صُنَّاعُ.. فُرْسَانَ الأمَل..!!


هاقد عطست! فترحّموا.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                      هاقد عطست! فترحّموا.


عندما تتعطل التكنولوجية يتوقف العالم
بقلم : علجية عيش
عندما تتعطل التكنولوجية يتوقف العالم




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2017م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com