أصوات الشمال
الأربعاء 5 جمادى الثاني 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ندوة تهتم بالشعر و الادب   * صاحبة الموسوعة الذهبية" جهاد شعب الجزائر" المؤرخ المفكر المجاهد بسام العسلي، في ذمة الله   * الشاعرة السورية خالدة علي أبو خليف سيرة ذاتية    * بمناسبة تكريمها في مصر أضواء على كتاب جميلة بوحيرد    * جمعية العلماء المسلمين شعبة سيدي عيسى تكرم الدكتور عمار طالبي   * التدريس الفعال   * قراءة في قصة "غابرون " للكاتبة الجزائرية / مريم بغيبغ   * سلسلة شعراء بونة وأدباؤها سيف الملوك سكتة شاعر المعنى والمعنى الآخر   * ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة   * دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد   * وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018 الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد    *  صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب    *  مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..    * بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها    * انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..   * الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع   * حوار مع الإعلامية رجاء مكي   * جاءت متأخرة   * ومضةُ حنيـــنٍ وأنين    * شبابنا    أرسل مشاركتك
حلم الجازية
بقلم : بدر السلام موفق
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1526 مرة ]
صورة ل:بدرالسلام موفق

هذا الفصل امتداد لقصتنا (في خيمة الجازية)..بعدما أخلد العريسان للنوم..تراءت للجازية أحلام غريبة،ستكون فيصلا في علاقتها بمحكوميها بعد ذلك...

وضعت رأسها على كتف مليكها المتوج بفؤادها،وأخلدت لنوم عميق...
((كم هو ممتع أن تنام على كتف حبيبك،بل ليت العمر كلّه كان بمقدار هذه الرقدة،أو على الأقل على شاكلتها..))..
كان هذا الحديث بوابتها إلى عالم (الماوراء) المسكون بالأشباح الخضراء والمدارات السوداء والبيضاء ..
راحت عيونها تسافر في (اللا مكان) ،في (اللامستحيل )،حيث الأقنعة لا تخفي شيئا،والشك يعادل اليقين،حيث لا حلو لا مر ولا حامض، بل لا بارد ولا حار...أين يتساوى الوجود والعدم،في عالم تنمو فيه الأشواك في الأكفّ والورود على الصخور،وتنحلّ به ذرّات الهواء وتتجمّع لتنسج الريح والغناء والقصيدة...
استحالت حرارة جسد الزوج السّعيد بأنفاسها ،إلى شمس حارقة تغزو عوالمها المستفيضة في تتبع شطط مشاعرها الدفّاقة كشلاّلات حسنها الّتي تراءت فجأة في خيالاتها الأنثوية نهرا فراتا ،نمت على ضفافه بضع نخلات فارعات بدونّ كعربيات شطّ بهنّ النّوى في بلد الغرب...
سقطت يده – وهو الذي لم يتعود النوم إلا منفردا- ،ولولا لطف الله، لصنعت تلك اليد الخشنة بذاك الوجه النضر ما يصنع بعدوّه العدوّ..
أمّا هي فلكأنّ السماء اكفهرّت وأرعدت في حلمها ،وهي وإن كانت جازية العرب،وسيدة هلال الأولى غير أنها كسائر النساء تخاف الريح والبرق والفئران،وتثيرها الثياب القذرة والروائح النتنة أكثر مما تصنع بها وجوه الموتى..
ورغم أنها شهدت كذا غزوة وغارة ،وعرفت من الدنيا ما عرفه منها كل عربي في تلك الأيام ،وجرّبت سنين القحط والشظف ،قبل أن تعود الأقدار لتمنّ عليها بما هي له أهل من جديد،وترفعها لسابق مقامها،بل وتزيدها رفعة حين توجتها فارسة العرب،وأميرة الهلايل ،ومليكة قلوب فتيتهم،والحكيمة التي لا يصدرون عن غير رأيها.. وتجعلها بلقيس الزمان دون مجاملة..إلا أن هذا وغيره لا يمكن له أن يعيد صياغتها في قالب إنساني آخر لا تكون الأنوثة معدنه والأصل في نشأة كل معانيه وخصائصه..
أخذت في ذلك العالم الغريب تبحث لنفسها عن مخرج من هذه الأرض الجميلة القاسية...
شيء من ذلك الحسن الساحر ،وبعض الفضول الطاغي عن سرّ وجود النخيل في غير أرضه يدعوها للمكوث والبقاء ..،أماعدا ذلك فدوافع أقوى للفرار...خوف غريزي،تسلّط سيف الحيرة على مجامع قلبها الذي لا يهتزّ عادة إلا لجلل الأمور...،وهذا الرعد ،أممم .. كم تكره صوت الرعد ،وهذا أمر آخر تخافه النساء..
المشكل الوحيد الذي اعترض هرولتها المفزوعة تذكّرها - دون ميعاد- أنها تجهل إلى أين تفر..؟..بل و((هل عليها أن تفرّ..))؟
راحت تجول بعينيها في الفراغ الأخضر الممتد إلى غير غاية أو نهاية ،تحت الشّمس الحارقة،وفي حضن ألف ألف من أشجار الزيتون ..
عادت خائرة القوى لتسند رأسها إلى إحدى النخلات..،ابتسمت في بلاهة ،حين خامرتها ذكريات طفولتها بمكة..
كان صوت الراهب الغساني الجهوري أقوي من أن لا يسمع ،و منظره المزري أغرب من أن لا يتذكر ،وهو يتلو قول المسيح عليه السلام ((للطيور أوكار وللضباع أوجار،وليس لابن الانسان أن يسند رأسه)) في مجلس الشريف هاشم ،(( إي تزوجته طفلة صغيرة،جد صغيرة..))،آه.. إن هاجس الشريف ينغص عليها ذكرياتها الجميلة عن التسامح الديني في جزيرة العرب...، فتحت عينيها ثم عادت لتطلق بعد لحظات ضحكات أكثر بلاهة وأشد سخرية .
المسألة كل المسالة أنها لم تجد فارقا جوهريا بين أن تفتح عينيها أو تغمضهما في هذه الوحدة القاسية المؤلفة من كل ما تخافه من عناصر الوجود ،و- للغرابة - من كل ما تحبه أيضا...''رباه ماذا يمكن للحكمة أن تصنع ؟''..
توقف ذئاب عن حركاته الغريبة ،واستسلم أخيرا للموجات السحرية المسماة في لغة العامة نوما،..،لا بد أنه كان يحلم بدوره ،والظاهر أن الابتسامة التي لا تنفك تتزايد على ثغره الأحمر ،مصدرها رؤى جميلة وضعتها ملائكة ذلك الليل حَرَسََا على عيونه التي باتت الجازية تعشقها حتى الثمالة...
وللصدفة سكت الرعد أخيرا،وسحب البرق فيالقه،بينما عادت حبات المطر القهقرى، ثم أخذت -في منظر عجائبي لا يتحقق عادة إلا في أحلام الأطفال- تتراجع –السماء السماء- عائدة إلى إسفنجاتها العلوية في قرارها المكين...،بينما الجازية تشيعها- ذاهلة- إلى الأفق البعيد...
عادت لتسند رأسها إلى جذع نخلة ،..،أغمضت عينيها،واسترسلت فيما يسترسل فيه كبار المتصوفة -عادة- ساعة الخلوة بالمحبوب السماوي التي يدعونها أحيانا جلوة،ويصفون المقام بالحضرة .راحت تهمهم كما يفعلون ،تمتم ،ثم ترفع صوتها الشجي شيئا فشيئا،بأبيات تمزق الأكباد :
بكَــــى صَاحبي لما راني فأظهرا **** بوادر دمــــــــــــع قبل ان يتصبرا
فهل راقه عطر الجزيرة إذ جرى **** بريح الصبا مسكا فطيبا فعنبرا
وأحـــــــزنهُ ذكرٌ المنازل واللوى **** بنجد ترى وجــــــه الهلاليّ نيرا
يقول ,ومن يدري لعلّ الذي برا **** يريد لنا خيرا بثامــــــرات بربرا
رياح وأثباجٌ , فــــــمرداس ثعالبه **** دُريدُ , سويدَ ,قل فمن شاء ذكّرا
وأحياءُ معقل وفـــــزارة إذ رنت **** فزغبة ,وقرةُ ,زد لمن كان أنكرا
طرود وعدوان ,وعياض وعامر **** حصين وعروه بأبراز أمـــــطرا
بنو عـــــامر طـــــــرا وأولاد نائل **** فأشجع غُطفان الى حيث عمرا
ألا لوسرت تلك الــــــــــرياح بليلة **** دجـــــوجية عبر مرابع عبقرا
فجرت علـــى البصحا و أديال يمنة **** لتجني بيبرين البيع المـــنُورا
فـــــــــأبت بريحـــان ,ونرجـــــس **** ونجم ألأقاحـــي قبل أن يتحيرا
فنبهني عطر ليـــــبرين مـــوهنا ****** يزورُ بتاغـيت هلالا وأقمــرا.

كان ذئاب آناء ذلك يدفع عن صدره لهيب دموعها،دون أن يعي شيئا مما كان يحصل قربه،بينا هو مسترسل في أحلامه اللذيذة ،التي تشبه مطاردة الأعداء في ساحات الوغى...،أو أرانب الصيد على نحو ما من الشبه...
ومثله لم تكن تشعر بشيء غير ذلك اللاشيء الذي كانت تعيشه بكل حواسّها في عوالمها الباطنة ...،حيث لم تكن تقوى على فتح عيونها لئلا تصطدم بالأسئلة التي تخيفها:
((أين أنا ؟)) ،((كيف أتيت؟.. وماذا أريد؟))...
لكنها لم تستطع أن تغمضهما أكثر وهي تسمع ذات الغناء ،ذات الشدو ،نفس النبرة الحزينة التي تتوسط زجل الأعراب –في الجزيرة -وحداءهم ،ممزوجة بصوت ناعم و رقيق يتدفق كموسيقى كونية تنبعث من لامكان أو من كل مكان ...شيء ما كالريح إلا أنه عذب... يصر على تكرار بيت واحد :
((فهل راقه عطر الجزيرة إذ جرى ** بريح الصبا مسكا فطيبا فعنبرا))
لم يخفها في حياتها صوت جميل ،بل مطرب لهذا الحد ،وانفجرت بكاء...وغنت :
( ساعاتْ عِندي سَبْعَ لْسَانَاتْ
وما عندي فَمْ
ساعاتْ نتكلّمْ سَبْعَ لُغاتْ
لكنْ واحدْ ما فهمْ
ساعاتْ نْشَعِّل صْوابعي شمعاتْ
وليلي فحمْ
ساعاتْ تتمضّى سكّيناتْ
... آنا لْحَمْ
نعوم بين مُوجاتْ
بحري دمْ
ساعاتْ نقولْ الدّنيا وْفاتْ
من الصّاحب والعمْ
يا ما ليلاتْ في الخلا نْباتْ
إذا لزمْ
مع النّجومْ نبكي بلا دمعاتْ
وتشفوني... نـتـبـسّمْ )

((مهلا ،لست وحدي من يبكي ،يا لجلال الرب ،اكشفن لي أنفسكن أيتها الناحبات ،أنا ابنة سرحان ..أنا الجازية حكيمة هلال ،وأميرة قيس عيلان ،أنا زوجة فارس العرب ..أنا من لا يضام عندي ولا يجار ،اكشفن بالله عنكن القناع مؤنساتي في وحشتي..)) قالت ذلك ،بلغة تكاد تستأصل لواعجها قلبها من قفصه الصدري الهش....
عند ذاك فقط ،مالت إحدى النخلات –وكانت الفارعة بين قريناتها- بين يدي الجازية، كمن تنحني في حضرة سلطان ،أو تستأذن بكلام،..،فلم يكن من الغريب –طبعا- أن يتعاظم وجل الجازية ويزداد اضطرابها ،رغم كل ما عهدته في نفسها من حزم ورباطة جأش..
((بنت لكْرام وزينتهم
سلطانة هلال وعْرابْها
نجمة من حْضَر وغاب
وردة مكه وترابها..
أم محمد سيف لعربان
زوجة الحامي ذيابها
ما تخاف نوارةقلبي
حبيبه ولقات حْبابها))
أنا زهرة سليم ،وفاتنة قيس عيلان ابنة حاتم السلمي ،التي فاخرتك يوما عند وادي النيل بحسني ،وكان من شأننا أن سبقناكم وربعي إلى إفريقية ،ثم شطت بنا السبل في دروبها،وتقاذفتنا صحاريها وبحارها حتى حللنا هذه الأرض ..
هنا قاطعتها النخلة الثانية التي لم تتخلف بدورها عن أداء فروض الاحترام ،بالقول :

'' (وساق نجعك ساق
وخشّو الفيافي
وينْ رحلو بيك
يا الزّين الصّافي ؟)
أنا عزيزة المعقل ،بنت شيخ همدان ،التي فاخرتك في ذات المقام الذي روته زهرة سليم بعزها وكثرة مالها ومجد آبائها ،وكان من شأننا ما روته أختي ،إذ أن قبيلتي كانت في وفد سليم على إفريقية ،ولم نزل أرض ترفع وأخرى تضع ،نازلين بين جبل ووهد ،تتقاذفنا الأرباع والقفار حتى حشرنا إلى مكان يسمى تاغيت ، منذ حللنا به وأمرنا كله عجب...
هنا نطقت الجازية بكبرياء أنثوي خالص ،لا تشوبه شائبة من أنفة الملك أو عز الإمارة أو سطوة الغلب ...إنما هي روح أنثوية بامتياز تتمتع برؤية خصيماتها في الحسن والجمال والمجد ،ومنافساتها على قلوب الرجال يرزحن على تلك الحال نلا شماتة في اشكالهن الممسوخة ،ولكنها الطبيعة التي جبلن عليها جميعا ،حتى أن أحدنا يحتار في زوجه وأخته وأمه في مواقف كثيرة ،كيف تستحيل الرقة التي فطرن عليها إلى روح متوحشة ،حين تنتفض الغريزة المتحدة بدواخلهنّ دونّ اختيار منهنّ ولا مشيئة ،فيصدر عنهن ما يشيب له رأس الحليم...:
(( إني لأذكركن ،أو لست أنت يا زهرة سليم التائهة –الأمس- علينا بحسنك ،كأن الدنيا لم تعرف الشمس إلا في صورة وجهك ؟.. ألا زلت تذكرين مقالتي لك:
((لا يعجبك نوار الدفلى في الواد عامل ظلايل...
ولا يغرك زين الطفلة حتى تشوف لفعايل))..
هل وجدت ذلك حقا ؟..أين ذهب حسنك ،وما الذي أغرى الدهر بك حتى جرّ عليك الدواهي ؟...وأنت يا ابنة العز والمجد التليد ،سليلة همدان ،ألا زلت تذكرين يوم أسرفت في الرفع من شأن قومك ونفسك، حتى لكأن الأرض تخضر وتزهر ما وطأتها أقدامكم ،أين هم قومك،ما قذف بك إلى هاته الحال ؟...أتذكرين قولي لك حينئذ:
((ياداخل سوق النسا رد بالك
سوق النسا سوق مطيار
يخسرك في راسمالك
ويوريك من الحبه قنطار))
''وأنت ''واستقبلت النخلة الثالثة لم تحدثيني بشيء منذ انحنيت ((هيه..، ما بالك صامتة ..لم لا تجيبين ،بل لم لا تكفين نفسك عناء كل هذا الانحناء ،ما دمت لا تظهرين لي من الاحترام غيره ،..،يالله ،ألا تتكلمين ؟...آه ..حقا ..سابقا كان كل النخل أصم أخرس ،ومن المحال أن تتكلم نخلة،أما اليوم فكل النخل يتكلم غيرك،لا بد أن ساعة النخيل قامت ،وهذا يوم حسابها ..رباه أكاد أجن..))..صرخت بهاته الكلمات ..في وجه الشجرة التي ظلت غير مبالية لا تجيب...
ثم استدارت في يأس متناه إلى الأخريين ،قالت بحدة واضحة (( وأنتما ألا تقصان علي نبأكما؟))...
قالت كبراهما وهي زهرة..أيتها الأميرة إنه لما كان من شأننا ما تعلمين، وارتحالنا مع قبائل العرب الأولى التي قدمت من مصر بعهد الخليفة الفاطمي برسم المغرب وإفريقية كان من نصيب قومي -كما علمت- هذا الشبر المسمى بالمغرب الأوسط، مناصفة مع المعقل وبطنك من هلال ''زغبة''..، وسائر القبائل التي تغنيت باسمائها ((قبلا)) حين بكيت وأبكيتنا.. ثم إنه لما قرّ بنا المقام واطمأنت أنفسنا إلى الأرض ،ونفضنا عنّا وعثاء السفر ،وهمّ المشقة ما لا بد أنك عالجته مثلنا ،تاقت نفسي إلى التنزه والمشاكسة على ضفاف الوديان كما كنا نصنع في طفولتنا –إن كنت تذكرين – في نجد ،يا سقى الله نجدا..فطلبت إلى عزيزة مرافقتي إلى نهر قريب من مضاربنا يسمى وادي الذهب ،صافي الماء طيب الهواء كثير الشجر ،متنوع الخضرة..فبينا نحن نلعب على غصنه الرطيب ،إذ بعجوز لم نر كالنساء مثلها قامة ولونا ، لكأنّ العظم يكاد يتكشف تحت جلدها لشدة بياضها ،فسألتنا من نكون ولم نحن هنا ؟..
فأخبرناها بالحال التي كنا عليها ،ولم نترك من معاني الفخر شيئا إلا ذكرناه..ثم إنها سألتنا عن أشياء فأجبنا بما نعرف ،فقالت شيئا بلسان لم نفهمه ،وقبل أن تنصرف نصحتنا أن لا ننام ليلتنا،ولكننا فعلنا ،فأصبحنا على هاته الحال...،ومنذ ذاك اليوم ونحن هنا ،والعجوز تزورنا مرة كل شهر...ولا تنصرف حتى تقول ..(( إن مثلّث الغرور قريبا سيكتمل،وسينفخ من الثالثة في شقيقتكما روح))...
كاد قلب الجازية يقع،حين سمعت هذه الكلمات الأخيرة -لا شفقة عليهما مما هما فيه،ولا انعكاسا بافلوفيا لإحدى حركات زوجها المقيتة ،أو نتيجة ارتفاع حدة شخيره،إنما لموافقة وصفهما للعجوز التي لقيتها هذا الصباح ،ونصحتها- مثلما فعلت معهما- بعد حوار مستفيض أن لا تنام لأنها قد لا تفيق..رباه كيف نسيت ذلك..؟
قالت وهي تلوّح بأصبعها الرقيق إلى النخلة الخرساء ، بربكما وبالذي بيننا من دمّ ((ما الذي عنته بمضلّع الغرور ؟ ومن الثالثة التي تقصد؟ ..))..واستمرت تسأل دون فائدة،حيث انقطعت أصواتهما ،لوم يتسن لها سماعها رغم كل توسلاتها من جديد..
لم يكن لصمتهما إلا تفسير واحد ،وفهمته...
(( هل أنا الثالثة ،مهلا هل هاته النخلة أنا ؟...-يا مولاي-..و هاته هي الجزيرة الأسطورية التي يدعونها ''سجن الغرور'' ؟ ...أكيد هي كذلك...))
((أنتما مثال للتعالي والفخر المبني على أسباب واهية ،فلا أنت قدمت بجمالك إضافة إلى عالمك،ولا رفعة نسب ابنة خالتك ومجد آبائها قدمت لإنسانيتنا شيئا ..أما أنا..ما شأني..؟...))
((لقد قدّمت حكمتي لقومي الكثير من أسباب سعادتهم ،نصحت..صالحت ، ألّفت جمعت قومي على قلب واحد ،أنا نبضه ،على صوت واحد أنا لحنه،على فكر واحد أنا مصدره...أنا أختلف عنكما ..))..
هنا نطقت عزيزة،بعد صمت طويل :((يا جازية ،ما أنت إلا نحن ،وفضّلت علينا برأي سديد،...،فيك عيوب النساء القاتلة ،أنت لا تتجملين لأنك مقتنعة بأن جمالك أقدس من أن تلوثيه ببضعة ألوان، و أكمل من أن تستعيني بعنصر من عناصر الطبيعة لتحسينه،..،لا تفاخرين بنسبك ،لأنك تعرفين أن ذلك شغل التاريخ لا صنعنا نحن،وإلا لتصرفت في هذا أيما تصرف،ثم ها أنت لا تكفين عن التحقير من أنساب الآخرين ،وتكذيب أمجادهم ومروياتهم عن آبائهم،وإنما مصدر ذلك كله قلة اقتناعك بما ترك لك آباؤك لا تواضعا منك ،أو شعورا بفقدان هذا الأمر لكل أهمية ...،أنت تعتقدين أنك خلقت لأمر أهم وشأن أعظم لم تخلق له النساء ،بل ولا الرجال حتى ،ونافست في ذلك ،حتى بلغت الغاية،وحزت المنى،وخضعت لك رقاب الرجال،ودانت القبائل ،وسرت في الناس السيرة التي ترغبين ، مع كثير من العدل لا ينكرونه عليك،ولكن تلك الطاعة وذاك الانقياد عظم في نفسك ،حتى توهمت أن لا مشيئة في هلال غير مشيئتك،ولا ماجد بينهم إلا أنت،فحقّرت وجوههم وسفّهت أحلامهم ،وانفردت برأيك في كل الأمور لا تشاورين منهم أحدا،رغم ما في نفسك من حرص على مصالحهم،..،ثم بطشت بكل رأي معارض،حين توهمت أن كل من خالفك الرأي ،خالف مصلحة القبيلة كلها...وتلك لعمري في فنّ السياسة لقبيحة ،وصاحبها أشد الناس غرورا...،ولليونان والروم في ذلك لفظ عجيب يصفون بها صاحب هاته الحال إذ يسمونه ''الديكتاتور ''...))
عند هذا الحد صمتت ،وأومأت لزهرة ،فتكلمت هذه قائلة: ((إن سقطاتنا أمام هفواتك لا شيء يذكر،فليست غلطة الجاهل بمقدار سهو العالم،وقد انتهى إليك كثير من العقل والعلم،ما لم ينتهي إلينا مثله أو قريب منه،فصاحب الدرهم ليس كصاحب الدرهمين ومسؤولية العارف غير مسؤولية الجاهل...))
للحظات بطول عمر شيخ هرم،مضت على الجازية ثواني معدودات عالجت فيها كل ما رأت وسمعت ..،قبل أن تتنهد أخيرا ...
((صدقتما ،أنا كما وصفتما ،,أرى أني أستحق هذا المكان ،والمكث بهذا السجن الأبدي))...
وما كادت تنهي كلامها حتى ذاب جسدها في الجسم النباتي الجديد،واتحدت روحها بعناصر الطبيعة الغريبة...
والحق أنه عند هذا الحد استيقظت فزعة مذهولة ،يتصبب العرق من كل جسدها،ولا زال على خدّيها من دموعها أثر...،لكن المفاجأة التي لم تحسب لها حسابا ،وضاعفت ذهولها، كانت في الانتظار ...كانت صدمة أنستها كل ما سبق ..
لقد اختفى ذياب...((ذياااااااااااااااااااااااااااااااب...)) (تم هذا الفصل..)

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 16 رجب 1433هـ الموافق لـ : 2012-06-06



أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

ايام لها حضور بالتاريخ

17 أكتوبر 1961 اليوم الوطني للهجرة

.
مواضيع سابقة
ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة
بقلم : محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـة
ملاحظات عن الفرق بين مصطلحي الثقافة والحضارة


دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد
الدكتور : وليد بوعديلة
دكتوراه بجامعة تبسة عن نقد النقد


وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018 الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد
بقلم : الاستاذ بامون الحاج نورالدين
وقفة تذكر و ترحم 11 سنة مرت 2007--2018  الفقيد الأستاذ بن مسعود الحاج الشيخ بن محمد


صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب
حاورها : صابر حجازي
 صابر حجازي يحاور الشاعرة الجزائريه رزيقة بنت الهضاب


مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في القنوات ..
بقلم : محمد الصغير داسه
             مَا يُكتبُ فِي الْجَرَائِد ومَا يُقال في  القنوات  ..


بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها
بقلم : الاستاذ عرامي اسماعيل
بونة تئد شعراءها وتلتهم مثقفيها


انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..
الدكتور : حمام محمد زهير
انتربولوجية القلب في قصيد ( وتعلم كم أنت عندي) للشاعر إسماعيل عريف..


الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع
حاورته : علجية عيش
الروائي رابح بوشارب: أنا ضد تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس و مقر الجاحظية ليس للبيع


حوار مع الإعلامية رجاء مكي
بقلم : بلعامري فوضيل
حوار مع الإعلامية رجاء مكي


جاءت متأخرة
بقلم : محمد بتش"مسعود"
جاءت متأخرة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com