أصوات الشمال
الاثنين 10 ذو القعدة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  *  نعزي أمة الضاد   * رسالة الى توفيق زياد    *  صابرحجازي يحاور الاديب الاردني د. وصفي حرب    * الاحتجاجات والسخط المجتمعي ومستقبل نظام الحكم في العراق   * حفل تتويج الأساتذة الجدد للسنة الجامعية 2017-2018 برحاب جامعة باجي مختار –عنابة-   * شهيد الواجب   * ثورة المقلع   * مركزية الهامش في أدب ابراهيم الكوني قراءة في رواية ناقة الله.   * أسئـــلة الحداثة   * حاج حمد و أسئلة تأسيس نظرية للقراءة و بناء المنهج   * ((ألبير كامو..بين نوبل و ثورة التحرير الوطني الجزائرية))   * رَيْحَانَةُ الْقَلْبِ   * ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟   * الخصاء   * الحرّيّة ..مقال رأى   * القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ    * مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة   *  لمقرّ سكني محطّتان.   * قصيدة _ انا في انتظارك امام هذا الضوء_ سليم صيفي الجزائر    * قصة قصيرة جدا / مدمن    أرسل مشاركتك
المستقبل عند مفترق طرق التاريخ (نص مسرحي تام المشاهد بعد نشر جزء منه سابقا)
بقلم : سلمى عبد الوهاب "الجزائرية "
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1695 مرة ]
من بلدة إينوغيسن بآريس (بلدة مسعود بن زلماط)

بشير من الشخصيات التاريخية الجزائرية، التي ساهمت كغيرها من أجل حاضر الحرية الذي نعيشه...كان لها وقع على المستعمر تماما كما كان لمسعود بن زلماط (أو أوزلماظ) الذي اشتهر ببسالته (ما بين 1917 الى 1921).

في هذا النص، تتواجد شخصية بشير في الماضي (ما بين 1925 الى 1962) والحاضر ( من 1998 الى 2012) ليربط بين جيله و جيل الشابين العربي وعبد الرحمان (جيل التكنولوجيا).
نص مسرحي موجه لفئة المراهقين (مستوى التعليم المتوسط)، الهدف منه توعية الجيل الجديد بتاريخ بلده و دور العديد من الشخصيات التي صنعته وأن الكثير من هذه الشخصيات حسبما روي عنها لو عاشت لكانت برعت في العديد من الابتكارات والانجازات العلمية

الشخصيات:
بشير...
العربي...
خديجة...
عبد الرحمان...
مسعود بن زلماط...
السواحي (رفيق بن زلماط)
فرانسوا لافوازييه...


**************
مشهد 1:

في غرفة العربي. يظهر بشير، منهمكا أماما جهاز الحاسوب. على المكتب مجموعة مترامية من الكتب و دفتر يسجل فيه ملاحظاته و كوب منتصف من الشاي. يدخل العربي الغرفة ويجلس بالقرب من خاله.

- العربي: خالي بشير؟ أأنت هنا منذ مدة؟
- بشير(يجيب آليا): نعم...
- العربي (يتلمس كوب الشاي – في انتظار أن ينتهي خاله مما شغله – ويتحدث بصوت خافت كأنه يوجه الكلام لنفسه) : برد الشاي....ربما عليّ أن آتي له بشاي ساخن...
- بشير: لا ..دعه..أشربه باردا ...انت تعلم انني عندما اكون منهمكا في البحث، اشربه هو أو القهوة دون أن أجد فرقا بين كونه باردا او ساخنا....
-العربي (يعيد الكأس الى مكانه): لك ما تريد.
- بشير: لكن، قل لي: أين كنت طوال هذا الوقت؟ انتظرتك وقد اخبرتني امك عندما جئت صباحا انك ذهبت لتسأل عن نتائج الامتحانات...
- العربي: بلى...لم أكن لأتأخر ..لكنني صادفت في طريق العودة عبد الرحمان ابن عمي يخلف...أخذتنا متاهات التفاصيل في الحديث ولم ننتبه للوقت..
- بشير: وكيف هي النتائج؟
- العربي: عموما،، هي مقبولة....(ينظر في اتجاه دفتر خاله وهو يدوّن) ...بأية لغة أنت تكتب الآن يا خال؟...(و يواصل) هذه تشبه اللغة الانكليزية قليلا. لكنني (ويشير بإصبعه لما هو مكتوب) أرى هنا كلمات طويلة و....و....و ليست اللغة الفرنسية طبعا، فهذه أجيد قراءتها وأميّزها عن غيرها من اللغات اللاتينية.
- بشير ( يبتسم ويظهر الابتهاج بملاحظة ابن أخته): أنا أكتب الآن بالألمانية يا العربي...هي لغة قريبة من اللغة الانجليزية...و نقول عنها انها هي والانجليزية من اللغات الانجلوساكسونية...
-العربي: وما الذي تعنيه باللغات الانكلوساكسونية؟
- بشير: هي ببساطة لغات القبائل الجرمانية التي غزت بريطانيا واستوطنتها بين القرنين الخامس والسادس ميلادي... تضم قبائل الأنجل و الساكسون و الجوت. الموضوع طويل لا داعي للخوض فيه الآن ..
- العربي: أنت إذن تتقن الفرنسية والألمانية معا. (يسكت لحظة ثم كأنه تذكر أمرا) ...لكنني لاحظت انك لا تستعمل اللغة الفرنسية إلا نادرا حتى ظن البعض انك لا تجيد إلا العربية و الامازيغية...

تدخل خديجة - والدة العربي – الغرفة وتسمع الجزء الأخير مما قاله ..
- خديجة : خالك نابغة زمانه يا العربي...الكثير من الناس يجهل هذا.
- بشير( يطرق تواضعا) : أنت تبالغين يا خديجة.
يدق أحدهم الباب و تفتح خديجة. يدخل عبد الرحمان ابن عم العربي الغرفة ويلقي التحية على الجميع.
- عبد الرحمان: كأنني أحسنت المجيء الآن بالذات...نقل لي "الجوّ" نسيم حوار شيّق بينكم ثلاثتكم . أمّا وخالك بشير هنا ...فهذا أكيد.
- العربي: وهو كذلك...أتيت في الوقت المناسب. (يتذكر ما قالته أمه قبيل دخول عبد الرحمان): أتمّي من فضلك، أمّي، ما ذكرته عن خالي بشير..لقد قلت أنه كان نابغة زمانه ..كيف؟

- خديجة (بملامح وكأنها تستحضر الماضي): سأروي لكم ما حدث يوم سوق الجملة.
- العربي (مستفسرا): يوم سوق الجملة؟ !
- خديجة: كان يومها يوم سوق الجملة في المدينة، وساحة السوق بالقرب من بيتنا. خرج بشير مرافقا لسيدي العربي. وكان لكل منهما اتجاه على أن يلتقيا بساحة السوق قبل العودة إلى البيت.
- بشير: (موجها الكلام للعربي و عبد الرحمان): كان لقب "سيدي" آنذاك يطلق على الأخ الأكبر في العائلة كما كانت الأخت الكبرى تدعى "لالّة".
- خديجة: لم أكن أعلم حينها ولا باقي العائلة أن بشير نظم لقاءا مع أهالي البلدة لإلقاء خطبة في الساحة ذاك اليوم مساءا. كان هذا بتكليف من مسؤولي الثورة له و لبعض المتعلمين من ابناء البلدة ممن يحظون بالثقة و يملكون قوة الإقناع.
المشهد 2:
المكان: ساحة سوق الجملة بالمدينة؛ مسقط رأس خديجة و بشير.
الزمان: فترة الاستعمار و بدقة ما بين 1940 الى 1954.

نسمع جلبة في السوق. ترتفع أصوات الباعة من حين لآخر لجلب انتباه المارين نحو بضائعهم المعروضة...
يقف بشير في جانب من الساحة، بعيدا عن الباعة، ينتظر مجموعة من الاصدقاء كانوا على موعد..بعد برهة حضر الاصدقاء ثم ما مرت لحظات حتى بدأ البعض يقف حوله ممن كان على علم بإلقاء الخطبة.

- بشير(يعتلي طاولة حتى يراه الجميع): أيّها الناس....يا أهالينا في المدينة والقادمين من القرى المجاورة...إن ما حدث من جرائم في خراطة و قالمة و سطيف و هنا و في كثير من المدن الأخرى يوم الثامن ماي، أوّل أمس، ما كان إلا دليلا على الوجه الحقيقي لمحتل أرضنا ...هل تذكرون كيف وعدتنا "فرنسا" بأننا سنستعيد أرضنا ما أن تنتصر على "ألمانيا"؟ كان وعدا منها مقابل تجنيد شباب المنطقة في صفوف جيشها للحرب.
تتعالى الأصوات في الحشد الملتف حوله. ....
- بشير (يكمل): وها هي قد انتصرت و ذكّرناها بوعدها وأظهرت نية الغدر التي بيّتتها. الأرض أرضنا وهي لا تفكر في الخروج منها...اؤكد لكم هذا...أنترك أرضنا هكذا؟ لا نفكر في استرجاعها ؟ عبيد نحن إذن...
يهز الجميع رأسه بإشارة الموافقة – يرفع البعض أيديهم - ويقول على صوت رجل واحد : معك حق...معك حق يا "سي البشير" ...أرض أجدادنا هذه كيف نتركها للغريب الذي استولى عليها بالقوة واستغل خيراتها التي هي من حقنا وحق أولادنا من بعدنا.
في هذا الحين، يخترق "فرانسوا لافوازييه" مسؤول أمن فرنسي بالبلدة، مع مجموعة من الأعوان، صفوف الحشد. كلفه حاكم المدينة بإلقاء القبض على بشير بعد معلومات بلغته عنه من بعض (الأعين) كانت تتبع تنقلاته......مقابل مبالغ من المال و بعض الامتيازات.
- لافوازييه (بأسلوب مستفز موجها سلاحه في وجه بشير): اتبعني الآن.....أنت خارج عن القانون...تعلم أن ما تفعله الآن ممنوع، ولم نرخّص للتجمهر وإلقاء الخطب إلا للـ" قيّاد".
- بشير (يرمقه بنظرة تحدّي): لن أغادر حتى أنهي القاء الخطبة.
- لافوازييه (ممتعضا): حسنا أتمم. أنتظر.
ينسحب لافوازييه وأعوان الأمن نحو الخلف قليلا. يأخذون لهم مكانا بين المحيطين به وهو يواصل القاء خطبته باللغة الفرنسية غير آبه. الكل يترقب ما سيحدث وأعينهم تسترق النظر بين الفينة والأخرى صوب أعوان الأمن.
- بشير( يلزم مكانه وينظر نحو مسؤول الأمن) : لقد أكملت الآن.
وانفضّ الجمع، كل إلى وجهته. صوت موسيقى هادئة تتناغم والموقف.

المشهد 3:
غرفة العربي
- العربي: ربما لم أفهم جيدا..أين وجه النبوغ فيما رويته لنا. بل تبدو لنا منه شجاعة خالي الأدبية. أعني شجاعته في الرد بما يجب دون خوف و دون أدنى عقدة نقص.
- خديجة: معك حق...نبوغ بشير كان في مجال العلم. تعلم الى جانب العربية، اللغة الفرنسية و كان يطمح في تعلم لغات أخرى و حتى الألمانية كان له استعداد لتعلمها....لم يتوقف عند هذا. كان ماهرا في فهم تركيبة الكثير من الأجهزة التي اخترعت في ذلك الوقت مما كان بإمكان البعض من الأهالي حيازته.
- العربي: صحيح، يبدو هذا واضحا....كلما احتجت اليه في تعطل جهاز أسعفك.
- بشير (يضيف مبتسما وهو يتذكر أمرا حدث): أتذكرين يوما يا خديجة، عندما دخلت البيت و قلت جملة كاملة باللغة الألمانية و كررتها ...استدرت نحوي مذهولة و تمتمت حينها: "ما به أخي بشير؟..هل أصيب بمس؟...لعل عفريتا من جنس آخر ينطق عن لسانه....مسكين أخي."
- خديجة (ضحكت و هي تتذكرها): آه أذكر...عندها انفجرت أنت ضحكا و قلت : هذه لغة "الحاج" يا خديجة...الألمانية هذه.
- العربي (مستغربا): لغة "الحاج"؟ الألمانية؟ أي حاج؟...
- بشير: كل ما في الأمر أنه في زمن الاحتلال الفرنسي، كان الأهالي يطلقون على الألمان كنية "الحاج" كشفرة سرية للإشارة الى ما يتعلق بهم ....
- العربي : و كيف تمكنت من تعلم الفرنسية وإتقانها ومعظم العائلات في ذلك الوقت - خاصة في هذه المنطقة - كانت ترفض أن يدرس أبناؤها هذه اللغة؟
- عبد الرحمان (يصغي باهتمام): لقد ذكر لي والدي يوما أن الأهالي كانوا ممنوعين من الدراسة في المدارس الفرنسية خاصة بعد مستوى الابتدائي وإن بطريقة غير مباشرة. نادرون هم من تمكنوا من مواصلة الدراسة فيها.
- بشير (يشير برأسه موافقا): صحيح.
- خديجة (تكمل): هذا يذكرني بما قامت به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. لقد فتحت مدارس لتعليم النشء باللغة العربية عوضا عن الزوايا. وكان لي الحظ في الدراسة مع باقي بنات العائلة. ....كان اسم المدرسة وكأنني الآن أراها أمامي (تحاول تذكر اسم المدرسة) ....اسمها....اسمها....آه تذكرته "تهذيب البنين والبنات"..."مدرسة تهذيب البنين والبنات".
- بشير: و ما كان جديدا على أهل المنطقة، حينها، أن البنات حظين بالدراسة تماما مثل الأولاد. بل أعضاء الجمعية هم من دعا لضرورة تعليم الفتاة وقد كانت التقاليد تستهجن هذا.
- عبد الرحمان (يشرد قليلا ثم ينتبه): ونعود ثانية للّغة الألمانية، لست أدري لما أتشبث بهذا....كيف تعلمتها، يا عمي بشير؟ لم تكن معروفة أصلا هذه اللغة في ذلك الوقت عند الجزائريين.
- بشير: أما كيف تعلمت الألمانية، فهذه لوحدها قصة. (يسكت قليلا ثم يواصل) كان الدافع يومها كرهي للمحتل. وكانت ألمانيا في تلك الفترة من ألدّ أعداء فرنسا لأنها استولت على بعض أراضيها كما فعلت في الكثير من دول أوربا الشرقية. وأنت قد اطلعت حتما في دروس التاريخ على هذا ..وأنت كذلك يا العربي (متوجها في الحديث اليهما معا).
- عبد الرحمان والعربي (يردّان في نفس الوقت): بلى..نعلم هذا.
- بشير: جيّد.. (يصمت لثوان)..كنت قد التقيت - بحكم نشاطي مع الثوار- بألماني تطوع مع مجموعة شبان فرنسيين وأفارقة لمساندة الثوار والمدنيين. هم من الأحرار المنصفين الذين آمنوا بأن الأرض قد احتلت ومن حق أهلها استرجاعها... ولأنني بطبعي شغوف بالمعرفة منذ الصغر ولا أستصعب شيئا، حاولت تعلم اللغة وأنا أتحاور معه. لحسن الحظ كان يعرف العربية و قليلا من الفرنسية.
-عبد الرحمان: لعلك انطلقت أيضا من فكرة أن عدو العدو صديق..فوجدت في لغة الألمان بدلا للفرنسية....و هل ساعدك هو؟ أعني هذا الألماني الذي تعرفت عليه.
يتوقف الكل عن الحديث فجأة...يسود هدوء في الغرفة للحظات.
- بشير(يواصل): أجل... استغرب الأمر في البدء. كانت لديه صورة خاطئة عنّا، ثم تغيرت بعد تعامله مع الكثير منّا؛ المتعلمين والأميين.
- العربي:(يعقّب) ألم يكن تعرّفك عليه هو الدافع لهجرتك نحو ألمانيا أم أن تعلم اللغة كان الدافع الأوحد؟
- بشير(يقوم من مكانه، ينتقل نحو نافذة الغرفة،، يفكر بملامح كأنه يستحث الذاكرة): بلى هو.. واللغة بل وأمور أخرى أيضا...
- العربي: فقط لحظة، من فضلك، خالي.. كيف صاحبته و هو يمثل هتلر النازي في ذلك الوقت. والكل يعلم من كان هتلر واحتقاره للأجناس الأخرى.
- بشير: جيّد يا العربي..ملاحظة في محلها...(يسكت قليلا ثم يستمر) أوّلا، بالرغم من أنه كان يمثل ألمانيا النازية حينها، إلا أن خصاله و مبادئه من خلال سلوكه كانت تشعر من معه بالراحة نحوه و يدعوه للثقة فيه. على كل، هذا ما أثبتته لي الأيام لاحقا.
- عبد الرحمان: كان مضطرا إذن؟ أهذا ما تعنيه؟
- بشير: بلى...لكنه..لم يشارك في جرائم قتل....لهذا هاجر خفية نحو بلدنا هو ومجموعة من مواطنيه حتى انتهى عهد النازية وعاد لبلده.
- العربي: و على هذا الأساس ربما فكرت في الهجرة لألمانيا...بينما الكثير أخذ وجهة فرنسا أو الدول العربية، وأولها تونس بحكم الرابط القوي الذي ربط بيننا خلال الثورة.
- بشير(يبشّ وجهه لتحليل ابن اخته): أنت لست فقط سميّ خالك، بل أخذت من جيناته...جميل جدا يا العربي. (ثم يوجه نظره نحو عبد الرحمان) وأنت كذلك يا عبد الرحمان، بالفعل أنتما تشرفان جيلكما بل وعائلتيكما.
- عبد الرحمان (يضحك): هكذا كان هتلر ليعتبرنا من الجنس الآري رغما عنه ....
- العربي (يضحك لإدراكه أنها مزحة): بل الجنس الجزائري الأمازيغي-العربي وبكل فخر.
- عبد الرحمان: لو تعلمون فيمن أفكّر توّا؟ ستحتارون دون شك...
- العربي (مبتسما): أكاد أجزم أنه مسعود أوزلماظ، أليس كذلك؟ خمنت أنك ستذكره. فأنت ما تنفك تحدثني عنه.

- بشير(مستغربا): أوزلماظ؟ لا غيره؟ ما العلاقة بين ما ذكرناه الآن و بين تفكيرك فيه.
- عبد الرحمان: أجل هو بالذات أعني.
- بشير: كيف؟
- عبد الرحمان: هل يمكنني تأجيل الحديث عنه؟..بعد الغداء مثلا.
- خديجة (تشاركهما الضحك و تنتبه): أظنكما أثقلتما على بشير .....شغلناه جميعنا منذ ساعتين عما كان يقوم به. ولعله تعب..
-بشير: لا يا خديجة، بل سعدت.
- خديجة (توجه الكلام للجميع): ماذا لو ذهبنا لقاعة الطعام. وقت الغداء حان. سأسبقكم اليها و الحقوا لا تتأخروا...أنتظركم.
تخرج خديجة من يسار المسرح.
- بشير(يواصل موجها نظره لعبد الرحمان): تعجبت في البداية....لكنك أحسنت، يا عبد الرحمان، بذكر هذه الشخصية الكثير يجهلها ومن سمع عنها لا يعرف التفاصيل...
- عبد الرحمان: هل تعرفه؟
- بشير: وافقت الظروف أن ألتقي به يوما في "إينوغيسن" ...كان المتمرد الشهم ...فترة قضيتها معه لا يمكنني نسيانها.
ويخرج عبد الرحمان و العربي و بشير من يمين المسرح.
المشهد 4:
المكان: في جهة ما من بلدة اينوغيسن بآريس. يجلس بشير على ربوة و بجانبه مسعود أوزلماظ يتبادلان الحديث...وبيد مسعود غصن رفيع يخط به على التراب اشكالا تحاكي ما يخطر بباله.
الزمان: ما بين 1920 الى 1921
- مسعود: من قال أننا سنلتقي أخيرا يا بشير !. حدثني عنك "سي سواحي" بعدما عاد من عندكم في المهمة التي أوكلت إليه ..و بقيت منذ ذلك الحين أسعى للتعرف عليك فسألت الكثير عنك من أهل بلدتك ممن يعرفك ...وإذا بالصدفة تلعب دورها.
- بشير: ايه صحيح .. الصدفة تجمع ما لا تنجح فيه المواعيد. (يبتسم لموضوع الصدفة يسكت ثوان ثم يواصل) ما بلغنا وما تناقله الناس عنك "أذنا عن فم" هو ما أثار لدى الكثير منّا التساؤل..ترى من يكون "المسعود أوزلماظ" الأسطورة التي أتعبت الحاكم الفرنسي للمنطقة؟ ! ...لقد أرهقتهم يا صاحبي.
- مسعود: (وهو يفرش أمامه بساطا يضع عليه بعض الأكل أحضره معه): أسطورة؟ ! لا يا بشير، اذا كان الأمر على هذا المعيار، إذن فجلّ سكان البلدة - بل و الجزائركلّها - أساطير...(يسكت لثانية ثم يوجه الدعوة لبشير لمشاركته الأكل) هيّا ..بسم الله يا بشير ..شاركني هذه النعمة.
- بشير(يمد يده نحو الرغيف أوّلا ثم باقي الطّعام الموضوع على البساط): بسم الله ...(ثم يواصل) ...إنما بسالتك في المواجهة و حزمك و رفض الإذعان أمام أي أمر تصدره سلطات المحتل، ويمسّ أهل البلدة والأرض، هو ما ذاع صيته عنك ..و هو ما بهر القاصي والدّاني.
- مسعود: لعلّك تشير إلى رفضي تجنيد الشباب للانضمام إلى صفوف الجيش الفرنسي والمشاركة في الحروب التي يخوضها واحتلاله لأراضي الغير..أليس كذلك؟
- بشير: بلى. (وهو يقضم تفاحة ممّ وضعه مسعود على البساط ويبدي اعجابا بطعمها)..هذا تفاح البلدة على ما أظن.
- مسعود: أجل هو من شجرها، له طعم خاص (يسكت ثم يكمل الحديث) يا "سي البشير" لست وحدي من سلك هذا النحو. هذا حال الكثير..ثمّ، لم نذهب بعيدا؟ ها أنت ذاتك .
- بشير (وهو يتأمل منظر الشلال الصغير مقابل الربوة التي يجلسان فيها): إينوغيسن بجمالها الطبيعي أنجبت صناديد و كانت جديرة أيضا بأن تكون مسقط رأس أدباء ورسّامين...لم لا؟.. المكان خلاّب.
- مسعود: أدباء ورسّامون مرّة واحدة يا بشير؟ ! بل كثر فيها الرّعاة أمثالي..لقد ضاعت خيراتنا من ايدينا لينعم بها المستعمر؛ فضعنا من الفقر و ها أنذا لست إلاّ راع للماشية و لعلّي كنت ذا مكانة أعلى لولا الفقر.
- بشير(وهو يمسح يديه وقد توقف عن الأكل): الحمد لله على هذه النعمة....شكرا لك يا مسعود..لذيذ حقّا...(ثم يواصل الفكرة السابقة) أوّلا، قد يكون هؤلاء أيضا من أبرز الثوار المتمرّدين على سلطة المحتل...فهي أرض تجمع في الفرد بين الاثنين والاثنان لا يتناقضان . و أمّا عن قولك أنك راع ليس إلاّ..فأنت بشهامتك و بسالتك محوت صورة الراعي البسيط لترسم في أعين الغير صورة القويّ الأمين. ألم تكن تستولي على ما استحوذت عليه السلطات الفرنسية من خيرات في مخازنها لتعيده لأصحابه؟ وماذا أقول لأقول يا "سي مسعود" ما أتذكره الآن من شهامتك أن هو إلاّ غيض من فيض.

في هذه اللحظة تمر طائرة صفراء تجوب السماء تمشيطا للمنطقة. و يلمح مسعود و بشير سواحي و آخر معه يركضان بكل قوة نحوهما.

- سواحي ( بصوت عال وهو يهرول و يتنفس بصعوبة بعد ركضه مسافة طويلة ليبلغ مسعود): يا سي مسعود، يا سي مسعود، هيّا بسرعة ...الطائرة الصفراء تمر بحثا عنك وعن الثوار.
- مسعود (يقف في رمشة عين ما أن سمع ما قاله "السواحي") : هيا يا بشير نلتحق بالثوار في المكان المتفق عليه.
- سواحي: اخفضوا رؤوسكم و تواروا بين الأشجار..قد تقصف الطائرة المكان.
- بشير(وهو في وضع كهذا لا تفوته المزحة): يبدو أنهم أرادوا الجمع بيننا حتى في لحظة الموت و طريقته..
- مسعود (يلتفت اليه و هو يجري وقد غلب عليه الضحك): حتى في هذه والقصف على رؤوسنا لا تفوتك روح النكتة يا بشير؟

يخرج مسعود و سواحي من يمين المسرح و بشير من يساره.


المشهد 5:

غرفة العربي

يدخل العربي الغرفة و يليه عبد الرحمان.

- العربي: كانت قصّة شيّقة تلك التي رواها لنا خالي بشير.
- عبد الرحمان: تعني قصته مع البطل بن زلماط؟
- العربي: أجل.
- عبد الرحمان: كأنهما نفس واحدة، أليس كذلك؟ و كأن بعضها عاش في فترة من تاريخ الثورة و بعضها الآخر تلاه ضرورة لإكمال المهمة مع بعض الإضافات على الشخصية.
- العربي: تماما أصبت الوصف يا عبد الرحمان. وما الفارق بينهما يا ترى؟
- عبد الرحمان: ما يفصل بينهما إلاّ أن مسعود كان راعيا حرم نعمة التعلّم، بينما عمّي بشير حظي بها رغما عن سياسة المستعمر. لعلّ ظروف الأول كانت أقسى.
- العربي: لكن أميّة مسعود لم تحجب الوعي عنه. و الأميّة لا تعني الجهل.
- عبد الرحمان: كما كان يقول عمي بشير دائما " التعلّم الذي لا يرافقه وعي و تهذيب للذات و تطوير للفكر كأنه سقي لأرض غير نفوذة. يذهب هباءا".
- العربي: " لقد جعلني حديث أمي المستمر عن خالي بشير أتمنى لو كان بيننا. كم أفتخر به . بعبقريّته في مجادلة السلطات الاستعمارية آنذاك و تحدّيه لسياستها في منع التعلّم على الأهالي. لقد تعلّم ثلاث لغات رغم كلّ الظروف الصعبة. لقد تعلّم ثلاث لغات رغم كلّ الظروف الصعبة. (يسكت قليلا يفكر ثم يواصل) هل تعلم يا عبد الرحمان؟ تمنيت لو تمكنت من لقاء مسعود بن زلماط خاصة بعدما علمته عن سيرته.
- عبد الرحمان: ألا تلاحظ يا العربي أننا شعرنا و كأن كليهما حاضران معنا الآن جسدا وروحا؟ اليوم منذ دخلنا البيت و نحن نتبادل الحديث عنهما.
- العربي: خاصة عندما شاركتنا أمّي الحوار و أجزلت في سرد ما يتميزان به.
- عبد الرحمان: عندما نقلت والدتك الحوار الذي دار بين عمي بشير و صاحبه مسعود. رأيتني و كأنني أمامهما تماما. وكأنه هو بالفعل من كان يرويه.
- العربي (يردف و هو يبتسم): أما أنا، فصدقت أن خالي بشير بين ظهرانينا الآن. و كنت الآن على وشك طلب الحديث معه عبر الهاتف.
- عبد الرحمان ( يضحك): فلنتصل بهما الآن إذن لنلتق بهما حيث يريدان. اشتقت اليهما.
- العربي: (وكأنه سها للحظة أو نسي): بمن نتصل؟
- عبد الرحمان: أنسيت فجأة؟ ببشير و مسعود.
- العربي: أخواي؟
- عبد الرحمان: كدت أخشى عليك.
- العربي: (ينظر الى ساعة الحائط..وكأنه تذكر موعدا): هيا يا عبد الرحمان. عند ذكرك لمسعود. تذكرت للتوّ اننا تواعدنا للقاء عند صديقه سامي. لنذهب الآن، علينا أن نسرع.
و يخرج بشير من يمين المسرح. و يغادر عبد الرحمان من يساره.

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 15 رجب 1433هـ الموافق لـ : 2012-06-05

التعليقات
أحمد الحاجي
 النص المسرحي متين البناء تتداخل فيه الأزمنة من خلال الشخصيات وتتبلور فيه أفكار تحيلنا إلى قضايا الحاضر. تبدو الأديبة سلمى عبد الوهاب متمكنة من اللغة المسرحية ومبدعة في ذلك.
تحية وتقديرا. 


سلمى عبد الوهاب
 أشكر الشاعر أحمد الحاجي على هذا التقييم الفني الموضوعي للنص. توخيت قدر المستطاع الجمع بين الخيال و الفكاهة والمعلومة التاريخية و التوعية نحو ما هو مطلوب حذوه من أبناء الجيل الجديد، حتى يستساغ النص من قرائه (خاصة فئة المراهقين الموجه اليها)و أحقق من خلاله الغاية المنشودة من كتابة النص المسرحي. لك مني خالص التحية و سامي التقدير.  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
أسئـــلة الحداثة
الدكتور : عبد الله حمادي
أسئـــلة الحداثة


حاج حمد و أسئلة تأسيس نظرية للقراءة و بناء المنهج
بقلم : حمزة بلحاج صالح
حاج حمد و أسئلة تأسيس نظرية للقراءة و بناء المنهج


((ألبير كامو..بين نوبل و ثورة التحرير الوطني الجزائرية))
السيدة : زاهية شلواي
((ألبير كامو..بين نوبل و ثورة التحرير الوطني الجزائرية))


رَيْحَانَةُ الْقَلْبِ
الشاعر : احمد الشيخاوي
رَيْحَانَةُ الْقَلْبِ


ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟
بقلم : أمال مراكب
ما مصير القوميات تحت ضغوط العولمة؟


الخصاء
بقلم : سمير عباس
الخصاء


الحرّيّة ..مقال رأى
موضوع : ‏ابراهيم امين مؤمن
الحرّيّة ..مقال رأى


القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ
بقلم : شاكر فريد حسن
القانون الأسوأ والاخطر في التاريخ


مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة
بقلم : علجية عيش
مؤسسة المحبة و التضامن لولاية غرداية تحل بمدينة قسنطينة


لمقرّ سكني محطّتان.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                         لمقرّ سكني محطّتان.




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com