أصوات الشمال
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * البحر في الادب الفرنسي   * حب يشبه الصحراء   * في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.. على علماء المشرق أن يتعلموا من المغرب   * ملتقى حضور النص الشعري في المنظومة التربوية ( بيت الشعر الجزائري فرع ورقلة )   * الْمَخَاضُ (1)   * جمعية شعبة سيدي عيسى في زيارة سياحية للعاصمة   * الدكتور مصطفى كيحل وقضايا الفلسفة في مجتمعنا   * صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية   * غياب   *  حصيلة لسجال جميل.   * يارمزمجد للسلام محمـــــد    * الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات    * فقط أروها بالحب   * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه    * كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة   * أحفاد عقبة بن نافع الفهري   * رؤيا..   * الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !   * لو أسعفتني مراسيل الليل   * اللّي ما يقدر على الحمار    أرسل مشاركتك
قراءة في الموروث الغنائي لمنطقة (الأوراس)
بقلم : بشير عجرود
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 14261 مرة ]
بشير عجرود

* انطلاقا من مقولة (عراقية) تقول / الأغنية هي الحياة.. ينتهي الإنسان.. وينتهي العزف.. وتبقى الأغنية صدى تردده الكائنات.



مدخـــــــــــــل / لقد اعتمدت الأغنية في منطقة (الأوراس) لضمان بقائها.. وحفظها من الانحلال والتميع في بداية ظهورها كطابع ثقافي يرمز للزمان والمكان.. ويحدّد الجغرافيا.. وتداولها على ألسن مردّديها.. ومطربيها.. والصادحين بها داخل الحيز وخارجه.. كان عبر وسائل بدائية وبديهية عملت على الحفظ والتداول ألشفاهي جيلا بعد جيل.. بعيدا عن وسائل التدوين والكتابة.. ولذلك فقد ظلت تغذيها عبر العصور والسنين إنتاجا وإبداعا تستمد أصولها كلمة ولحنا وأداء من المعطيات الفنية الموروثة.. ولكنها في نفس الوقت كانت تبيح التصرف التلقائي البديهي.. ولا تجد فيه ما يمس بأصالة مخزونها الفني والثقافي.. وهكذا نستطيع أن نؤكد بان (الأغنية الشاوية) وبعنوانها الأخر (الأوراسية) كغيرها من الخامات الشعبية الأخرى.. تجمع ظاهرتين اثنتين هما التقليد والمحاكاة للموروث الشعبي.. وما سلفا طُبع بالذاكرة الجماعية والفردية على السّواء.. هذا من جهة.. والإبداع والتجديد والمسايرة من جهة أخرى تجمع بين الأصالة والمعاصرة ما يؤكد تجذرها شكلا ومضمونا عبر التاريخ في أنماطها التقليدية كلمة وصوتا.. ومن ثمة أداء وموسقة وحركة.. وما يؤكد معاصرتها الاستفادة من الأحداث والوقائع كعوامل مثيرة ومؤثرة للإبداع والإنتاج.. ولقد أصاب كثيرا – رغم محاولة المحافظة على القلب والقالب.. وأكثر الإبقاء على النصوص الشعبية المتوارثة والمتداولة محتوى ومضمونا سالمين – أنماطا من التشويه والتحريف والتعرية والتجريد بمنطقة (الأوراس) لعديد الشيوخ والأعمدة ومراجع الأغنية بمنطقة (الأوراس) واحوازه.. والخروج بذلك عن مدلول وروح المؤدى لفضا ولحنا وتعبيرا.. حتى انه ليصعب ويشق اليوم على الدّارس المتخصص.. والباحث المستقصي.. والمتتبع الشغوف أن يهتدي أي منهم إلى الصورة الأصلية والمصدر الصحيح وسط هذا الخليط من النماذج الغنائية المستنسخة والمطروحة في الأسواق والجالبة لاهتمام السامع والمتلقي.. فالموسيقى الأمازيغية عموما.. والشاوية خصوصا لم تحض بكثير الإهتمام وبالغ الدراسة المستفيضة المعمقة أكاديميا.. ومن ذوي

الاختصاص والدراية.. بل همشت حتى في عقر دارها وذلك نتيجة عدم الاهتمام من
ناحية.. والإهمال المقصود من ناحية أخرى..
فالأغنية كتراث ثقافي وحضاري لأي امة من الأمم.. لدينا نحن الأمازيغ لم تبوتق في إطارها المراد لتخدم الوجهة الصحيح المنوطة بها ثقافيا.. وتؤدي رسالتها في لزوم الحفاظ على الهوية الثقافية لكينونة الكائن والمكون على السواء دفعا للموروث الشعبي.. وحفظه من التميع والتفسخ والزوال.. بقدر ما صارت دكان جلب الرزق والاستفادة المادية وسجل تجارة يدير الأصفار على اليمين لا أكثر..
*- ما قيل وما يقال في الأغنية الشاوية (الاوراسية)
للتوضيح /
1- (الأغنية الشاوية) مفهومها ومبتغاها.. تحرير اللفظة الشاوية من كل دخيل من المفردات الدارجة أو العربية.. وهذا النمط حافظ عليه سكان مرتفعات الأوراس منذ القدم في شرقه وغربه والى اليوم وظهر هذا النمط أكثر إيضاحا ووضوحا من عديد مطربي المنطقة بعد الربيع الامازيغي لسنة 1980 أهمهم (سليم سوهالي – عميروش – ماسينيسا – ميهوبي – جمال صابري ماركوندا - ....) فهؤلاء وغيرهم ممن حملوا لواء استعادة مجد الأغنية الشاوية بمفرداتها الأولى ورائحتها الطبيعية ومذاقها العذري وطابعها الأصيل..
2- (الأغنية الأوراسية) هي أغاني ممزوجة الكلمات بين الشاوية والعربية.. وإن تغلب عليها الأخيرة بمعدل كبير.. لسبب أن زمان هذه المقطوعات الغنائية وما قيل فيها أو عنها.. سبق فترة الاستقلال.. أي كانت إبان الثورة التحريرية وهدف مطربي (الأوراس) حينها هو العمل على إيصال معاناة الشعب الجزائري الرازح تحت وطأة الاستعمار (الفرنسي) في شقيه المادي والمعنوي إلى كل أحرار العالم وقتها خصوصا الجبهة الخلفية الممثلة في الوطن العربي والإسلامي لنيل الدعم والمساندة والنظر في قضيته أمميا وجدولتها كشعب مكافح يعمل على نيل استقلاله ورد اعتباره مجدا وكرامة وعزة.. لذا تجاوز المغني (الشاوي) لسانه الفصيح المحدود في نظره عن تحقيق المراد وإيصال الخطاب ونشر الرسالة في غيره من الأمم والشعوب ليشدو باللسان الشائع الأقرب إلى ترجمة المعاناة وتنوير الرأي العام العالمي وجلب الاهتمام الجماعي المحب للحرية والسلم مساندة ودعما لفك الاستقلال وإدانة المستعمر لما
اقترف من جرائم الطمس والإبادة والمحو لجغرافيا لا تمت له بصلة ولشعب لا علاقة له به تاريخا وحضارة.. وأهم مطربي هذا الشكل هم سكان السهول والمنخفضات لمنطقة (الأوراس).. وعلى رأسهم عميد الأغنية الأوراسية الشيخ (عيسى جرموني) وكذا (علي الخنشلي) و(بڨار حدة) كوجه نسوي.. والقائمة في هذا اللون طويلة لا يسع المجال لذكرها كلية..
*- وفي (الأغنية الأوراسية) لكون جاءت على لسان مطربيها أفرادا وجماعات ذكورا ونسوة.. تتغنى في معظمها بحيثيات الثورة التحريرية.. وبطولاتها عبر الوطن.. خصوصا في حيزها الجغرافي (الأوراس) لقرب الحيثية من المعني من جهة واشتراكه في الحيثية ذاتها كفرد فرض عليه الواجب الوطني وأداء ما عليه من التزام اتجاه الثورة والتحرير..
*- كان من الأجدر بي أن أتناول معكم هذا الجانب من تاريخ (الأغنية الأوراسية) في شقها الثوري لتسليط الضوء عليه كفاية.. وتنوير المتلقي المتطلع لهذا الشكل زمانا ومكانا.. ومفردة صدحت بقوة ردحا من الزمن .. ولا زالت..
قراءة مفاهيمية في الأغنية الثورية الأوراسية
تعد الجزائر من أكثر البلدان غنى بتراثها الشعبي,المتنوع الأشكال,سواء منها المادية كالصناعات التقليدية مثلا أو المعنوية المتمثلة في كل ما يتعلق بالجانب الأدبي الفني,وقد أسهم في تشكيل هذا الإرث الثقافي عدة حضارات عريقة,كالعربية و البربرية والإسلامية وغيرها,ظلت أثارها بارزة في مختلف الأشكال الأدبية.
ومن هذه الروافد التراث الامازيغي الذي يظهر في عدة نواح من حياة الجزائريين إلى يومنا تاركا ترسبات مؤثرة على الحياة العامة,لأنه جزء لا يتجزأ من التراث الجزائري, و نحن لا نبالغ إذا قلنا أن الجزائر من اغني الدول تراثيا,حيث لا نلمس العناصر الثقافية تتكرر من جهة أخرى,بل نلمس التغير و التجدد و التميز في كل مرة,وهذا لا يعني القطيعة بين روافد هذا التراث بقدر ما يعني التكامل و التنوع و التفنن في كل ما يمثل الثروة التراثية الجزائرية.
فن الأغنية الشعبية مثلا,تتباين فيه الأذواق من منطقة لأخرى,حيث يفضل الطابع الغنائي المسمى"الشعبي",في الوسط,أما في الشرق فنعثر على الحوزي و الأندلسي,بينما في الجنوب فنجد الغناء الصحراوي (اياي) و بالموازاة الغناء الامازيغي المتنوع الطبوع,لاختلاف اللهجات الامازيغية من قبائلية و شاوية و شلحية و تارڨية وميزابية في مناطق مختلفة من الجزائر.
وان اخترت من كل هذا,الحديث على بعض ما تشتهر به منطقة الأوراس الأشم,من أغاني شعبية عريقة و متوارثة,تعود بنا إلى حقبة مهمة جدا من تاريخ الجزائر,وهي فترة الاحتلال الفرنسي.
وقبل أن نخوض في غمار الموضوع, نقدم لمحة موجزة عن أنواع الغناء الأوراسي,الذي ما يزال يؤدي إلى اليوم, و أهم طرق الأداء التي يعتمدها سكان الأوراس.
1- الغناء الجماعي / وهو الأصل المتوارث بالمنطقة,و المتعارف عليه منذ أزل بعيد,وتطلق عليه عدة تسميات منها / الرحابة.. الذكّارة.. والسباحة التي تعتمد فيهم دبكة الأرجل و التسمية الأولى أكثر شيوعا.. أي (الرّحّابة)
و الرحابة فن أصيل,تنفرد به, منطقة الأوراس عن غيرها من المناطق, يعتمد طريقة أداء جماعية,حيث يتقابل صفان من الرجال أو النساء,وأحيانا من الجنسين,ويضبط ايقاع الأغاني بضرب الأقدام أرضا,كما هو معروف عند سكان السهول, أما سكان الجبال فيجمعون بين ضرب الأقدام و آلة إيقاعية أخرى وهي البندير (الدف), وضرب الأقدام بالأمازيغية يعني (أردّس),لهذا اختير هذا المصطلح للدلالة على هذا النوع من الغناء الأمازيغي.
تضبط طريقة الأداء وفق أصول متعارف عليها عند الاوراسيين,حيث يقوم الصف الأول بترديد المقاطع الأولى من الأغنية,بينما يقوم الصف الثاني بترديد آخر مقطع منه, ويتوالى هذا الترديد بطريقة متعاقبة.
ويطلق سكان الاوراس مصطلح (ئزرّاعن) صاحب الكليّة على الصف الأول,بينما مصطلح (ئخماسن) المشاطر في الجزء.. على الصف الثاني,مثله مثل ترديد الصدى.
ويتواصل الترديد بالطريقة المشار إليها سلفا, إلى أن يأخذ الصف الأول مكان الصف الثاني, و العكس على مستوى ترديد المقاطع مثال/ الصف الاول (ئزراعن)..
طلّت نجْمة يا لحباب محْلا الدنيا لو كان تدوم.. الصف الثاني (ئخماسن)
محلا الدنيا لو كان تدوم
يلثم الرحابة وجوههم أثناء الغناء, تفاديا للبحة أو إصابة أحبالهم الصوتية, خاصة وأنهم يغنّون ليلا حتى مطلع الفجر, ويعد الصوت القوي من أهم أساسيات الغناء الاوراسي, يضاف إليه الحدة و النفس الطويل, وحسن مخارج الحروف.
لهذه الأسباب تعتمد الأغنية الشعبية الأوراسية على مجموعتين أثناء الأداء, مجموعة تردد المقاطع الأولى, والثانية ترد عليها وهكذا,لتستجمع كل مجموعة نفسها,لان أداء الأغنية كاملة متعب نوعا ما و لهذا يضطر المغنون بين الحين و الأخر تناول ملعقة سكر أو عسل لشد أصواتهم كلما تراخت أو فترت.
يقسم الرحابة أغانيهم إلى ثلاثة أقسام أو أنواع , حيث يستهلون الليل بأغاني التهليل و التكبير و الصلاة على المصطفى- صلى الله عليه وسلم – ولهذا يطلق عليهم في المناسبات الدينية ( كزيارة ولي صالح أو إقامة زردة أو طقوس استدرار المطر ) اسم "الذكارة" لأنهم يرددون أغاني ذات طابع ديني, على أساس الذكر و التكبير ومن الأغاني التي تردد بداية
بسم الله الرحمان الرحيما
الرحمان الرحيما
أو

يا لالّا فطيمة بنت النبـــــــــــي
باهية وزينة وصي باباك اعلينا
أما وسط الليل فيخصص لنوع أخر من الغناء الثوري على شاكلة الأغنية الآتية
زوج ادراري طلعوا الجبال
هزوا السبتــة زادوا الرفال
ضربوا ضربة جابوا ليشـــار
يا حمودي نجمة وهلال

أما آخر الليل فيخصص للغناء العاطفي
ألف ليلة وليلة القلب ئخمـــــم
هاتولي دليلــة أرُوحْ أرْوَاحا

2- الغناء الفردي / ظل الغناء الجماعي السمة الغالبة على الأداء الأوراسي , إلى أن ظهر صاحب الصوت الجوهري " عيسى الجرموني " الذي كسر كل التقاليد المتعارف عليها في هذا الشأن, و خاض تجربة الغناء الفردي في وقت كان فيه هذا النوع من الغناء يتعارض مع أعراف الأوراسيين , الذين ينظرون إليه على انه عار وعيب في حق الجماعة, ورغم ذلك أحب الأوراسيون هذا الصوت المتميز, وغنوا كثيرا من أغانيه التي أصبحت جلها من التراث الأوراسي, ومن أغانيه التي رددوها أغنية " ابقاو بالسلامة " , ومن مقاطعها
ابقاو بالسلامة يا عرب مروانة
أحنا صدينـــا و لبلاد بعيـــدة
أو

أحنا شوية لا تقولوا ذلـوا
جينا جينا حواسه ونولوا
وقبله تعرف المنطقة نوعا قديما من الغناء الفردي يسمى ( أصراوي) المأخوذ من كلمة أمازيغية ( أصراواث ) بمعنى المرتفعات, وقد نسب هذا النوع الغنائي إلى هذه المرتفعات. لأنه يؤدي بالجبال من قبل الرعاة. الذين يستعينون بالقصبة كما أداه المزارعون في حقولهم.. ويحتاج هدا النوع إلى قوة الصوت وحدته.. وطول النفس والى مدّ طويل جدا أثناء الأداء..
ونادرا ما يؤدي هذا النوع من الغناء في مناسبات رسمية كالأعراس أو غيرها.. وإنما ظل غناء فرديا يردد أثناء انشغال أحدهم بعمل ما.. كالرعي أو الحرث والدّراس خصوصا في عمليات (تْويزه) وغير ذلك .
أما فيما يخص أغاني الأحزان والشجن.. فتسمى بالمنطقة (عيّاش) وهو ذو مسحة حزينة . يتغنى به الرجال و النساء على السواء .يعتمد الصوت فقط وأحيانا أخرى (الڨصبة) التي تساعد على استثمار المشاعر و الأحاسيس.. وغالبا ما تكون مواضيعه مستمدّة من معاناة الناس كهجرة حبيب.. أو زوج.. أو ابن.. أو رثاء أحد الأعزاء وعموما كل ما تعلق بالمعاناة و الآلام والأحزان لأن (عيّاش) يساعد على تخفيف الآلام والتنفيس عن الروح..
أما عن مضامين الأغنية الأوراسية .فتعددت و تنوعت حيث ارتبطت بالواقع الاجتماعي .ورصدت أفراح وأحزان الشعب.. وطقوسه واعتقاداته.. وأهم ما ميز مساره الحضاري.. فأفرزت بذلك أغاني ذات مضامين اجتماعية.. وأغاني ذات مضامين اعتقاديه أو دينية.. وأغاني ذات مضامين ثورية فازت بحصة الأسد من هذا المورث الغنائي الضخم.. حيث مازال الشعب يرددها في مناسباته المختلفة – إلى يومنا هذا – وقد يفسر هذا الأمر بما يلي ..
1- أن (الأوراس) كان ولا زال قلعة من قلاع الثورة.. وقبلها مركزا من مراكز المقاومة الشعبية –على مر العصور – فما تلبث أن تلفظ غزاة الأرض و الوطن .
2- أنها من أكثر المناطق تضررا جراء الاستعمار الفرنسي.. خاصة على مستوى الخسائر البشرية.. إذ لا يكاد يخلو بيت من اسم شهيد أوأكثر .
3- معاناة سكان الأوراس معاناة نفسية حادة.. ترجمت كلمة ولحنا..
4- أن الأوراس شهد أهم حدث في تاريخ الجزائر (الثورة التحريرية )
ونضرا للانكسارات المتتابعة للأحلام و الأماني و الأرزاق و علاقات العشق وعلاقات الإنسان بالإنسان.. صار الفرد الأوراسي يحمل انكسار القلب كما يحمل أتعاب يومه وهمومه وأعباءه , فأصبحت كل الأفواه فمًا واحدًا, ينطق في التعبير عن همومه انطلاقة واحدة بصورة تلقائية وعفوية متناهية تحمل له اطمئنانا مطلقا وسكينة روحانية وفكرا وضاء فلا تمتلك كل النفوس حيال هذا التمزق المدمر ألا أن تستصرخ متفانية.. أو تغني مستصرخة.. فأوحت لها الآلام والإشجان حسًّا فنيا سحريا يتدفق حلاوة و طلاوة, بأغاني شعبية ثورية ذات نغمة حزينة أحيانا, وتفاؤلية في أحايين أخرى, فكسرت كل الطابوهات التي اقرها المستعمر الفرنسي, وتعالت أصوات النساء والرجال والجنود والأطفال مرددين هذه الأغاني , بعثا للأمل وحشدا للهمم, وتحريضا على الجهاد, وعزفا على أوتار العاطفة بذكر حال الثكالى و اليتامى و الجنود للتحفيز على المضي قدما في مواجهة ظلم ووحشية الاستعمار الفرنسي.
ومن بين الأغاني الثورية المنتقاة في هذا المقام, أغنية أدت دور التحريض على الجهاد عن طريق هذا الاعتراف المسجل من أفواه الشباب المناضل, دون اللجوء إلى الأسلوب المباشر للجهاد, بل تترك المجال مفتوحا أمام الشباب للاختيار
يا خنشلة يا الڨبليــة وترابك بالنـــــــــــوار
أحنا دراري شاوية وطلعنا للجبال صغار
هذا الشباب الأوراسي ( الشاو ي) المفتخر بأصله الأمازيغي, اختار الإلتحاق بالجبال, رغم صغر سنه غير مبال, متفائل بهذه الخطوة التي أقدم على اتخاذها تفاؤله بتلك الزهور التي تزين مدينة (خنشلة).
و نحن نقرا هذه المقاطع الغنائية, نشعر بقوة روحية لا مثيل لها وإصرار عجيب من هؤلاء الشباب في محاربة الاستعمار الفرنسي دون هوادة, وبينما تستهل الأغنية السابقة باسم مدينة, تبدأ الأغنية الموالية باسم جبل من جبال الأوراس, وهو الجبل الأزرق الشامخ, الذي اتخذه المجاهدون ملجأ و مخبأ, لا يسمعون فوقه غير دوي المدافع, و صوت طلقات الرصاص التي لا تتوقف, ولكن كل هذا يهون من اجل الوطن و الحرية
يا جبل لزرق العاليــــــــا سكنوه ادراريــــــا
الحب و الرصاص اشاليا أعلى جال الوطنية
و الملاحظ أن الأغنية الثورية في كل مرة توظف لفظة ( اذراري ) بمعنى " الشباب " تحفيزا و تحريضا لهم, للالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني, وغرس مبادئ الوطنية في نفوسهم, واستعطاف باقي الشعب, حتى يتبرعوا بما لديهم, ويساعدوا ولو من بعيد, فالكل يغني من اجل الخلاص من هذا المستعمر الغاشم, لهذا كانت تلك الأغاني الشعبية رصاصات ( معنوية ) هادفة تحمل الموت إلى قلوب المستعمرين الغاصبين.
وقد غدا الجبل في نظر الشاعر والمغنّى على السواء مكانا للإنس والألفة والراحةومصدرا للطمأنينة, رغم ما فيه من شقاء وعذاب وكأنهما يتقاسمان معه الجراح والألم والمعاناة, لأنه توحّد معه وأصبح جزءا لا يتجزأ من حاضره و ماضيه ومستقبله, فهو أنيسه الوحيد, لذلك يناديه متوخيا منه الإجابة و الرد, على شاكلة ما جاء في هذه الأغنية
يا جبل لزرق يا جبل لزرق
امشات البيعة عشّا امسركل
اذراري شبان لمحارم تشعل
فالشاعر ينقل خبر الوشاية إلى الجبل الأزرق, الذي أصبح محاصرا من قبل قوات الاحتلال الفرنسي, و كأن المكان معني بما أصاب هؤلاء الشباب, الذي وصفتهم
الأغنية بتلك المناديل التي كانت تربط في اعلي السراويل, و هي عادة قديمة, ميزت شبان المنطقة عن سواهم, للدلالة على ريعان الشباب, وهكذا تؤكد الأغنية الثورية في كل مرة, أن المكان جزء لا يتجزأ من الكيان الثوري. ولا يفوت الأغنية الثورية بالأوراس تصوير حال المجاهدين المزرية, وقد أنهكهم التعب و المرض, من كثرة قطعهم للمسافات البعيدة راجلين (من عنابه ), وتنقل على لسانهم طلب السماح و العفو من الوالدين, لأنهم اختاروا طريق الجهاد , تلبية لنداء الواجب الوطني, الذي لا رد له مهما تعددت الأسباب.
جينا من عنابــــــــــه وحنا مرضى وغلابة
اسمحيلي يا يمّا وبابا هذا الحرب اللي نـادى
وفي الأغنية الأخرى كان المجيء من ( عين مليلة ) مسافة سبعة أيام مشيا على الأقدام, إلى أن حط الجنود رحالهم بإحدى جبال المنطقة لشدة تعبهم, داعين المولى - عز وجل - أن يفرج عليهم وينفس كربهم, وفي رواية أخرى لنفس الأغنية مع اختلاف في المقطع الأخير.
جينا من عين امليلـــة سبع أيام على رجلينا
أوصلنا لجبال كمبينا يا ربي فرج اعلينـــــا..
وفي رواية ثانية /
جينا من عين مليلـــه سبع أيام على رجلينا
أوصلنا لجبال كمبينا ربي عساس اعلينــــا
في نص أخر يصور لنا على لسان احد الجنود.. كيف التقى المجاهدون بعدد هائل من الجيش الفرنسي على غفلة بمكان يسمى (بوحمامة) ورغم قلة المجاهدين اختاروا الحرب.. حفاظا على كرامتهم و كرامة جيش التحرير الوطني, لان تراجعهم وصمة عار ستلاحقهم أحياء أو موتى.
جبيت على بوحمامــة لقيت لعسكر اغمامة
يا خوتي واش مالهانة اولاد الشهدا ليتامــى
اذا قدمنا شعلت النـــار اذا وخرنا هذاك العار
وقد اكتسب الثوار صناعة ضد الرهبة من طائرات العدو وقذائفه, وضد ما يصيبهم من جراح وتقتيل, فهناك طاقة مخيفة داخل النفس الثورية تمنع صاحبها من الهلع, فيلاقي الموت مبتسما
آها سجعوا الشبان حازمو المحــازم
نقلوا رّفــــــــــال ضربوا طيـــارة
زادوا ليشـــــــــار يحكموا الاستقلال
نجمة و هلال
وتنتصر الأغنية الشعبية للثوار, رغم العتاد العسكري المتطور الذي تملكه فرنسا, ورغم بساطة ما يحمله هؤلاء الشباب من سلاح, ألا أنهم تمكنوا من إسقاط دبابة بضربة واحدة, و الأغنية تدعو إلى تشجيع هذا الشباب للمضي قدما لتختم برموز العلم الجزائري وهي النجمة و الهلال, بعثا للأمل وغرسا للثقة في نفوس هؤلاء الجنود, حتى يحققوا حلمهم وحلم الملايين وهو الاستقلال التام, وان لا يستهينوا بقدراتهم مهما كان عتاد فرنسا.
وهكذا تؤكد الأغنية الثورية, مع كل نص جديد بسالة هؤلاء الثوار وشجاعتهم وحبهم للجزائر, هذا الوطن الأم الذي لم يتردد أبناؤه قيد أنملة في التضحية بأنفسهم لأجله.
كما لعبت الأغنية الشعبية الثورية دور الإعلام و الأخبار, حيث تنقل كل ما استجد بالمنطقة للثوار, وتحذرهم من أي طارئ أو حصار, مثلما تحذر هذه الأغنية, احد الثوار المشهورين بالمنطقة وهو"الحاج لخضر" محددة لون عمامته الصفراء من المرور بمنطقة "المعذر" التي حوصرت من قبل قوات الاحتلال الفرنسي, داعية للشباب بالنصر.
الحاج لخضر مول الشاش لصفر ماتعڨبش اليوم على لمعذر
اصبح امسركل بالعسكـــــــــــــر هيا لاولاد الله ينصــــــــــر

وما من شك أن ما صاغه الشاعر الشعبي في نصوصه من رصد للأحداث السياسية و الاجتماعية, تعكس بحق ما عاشته المنطقة إثناء الاستعمار الفرنسي للجزائر, بيد أن هذا الشاعر قد يكون مجاهدا في جيش التحرير أو مناضلا يعمل على شاكلته.. أو أمًّا في بيتها أو راع في قطيعه, أو فلاحا وراء محراثه أو أي مواطن جزائري أخر شريف اكتوى بنار الاستعمار وذاق مرارته ووحشيته, فلم يجد سبيلا للتخفيف عن نفسه أو الإسهام في الانتقام منه سوى الكلمة المفعمة بالمعاني و اللحن الشجي, والتي يجوب بها أنحاء المنطقة وهو يرددها ليحفظها عنه الأطفال و النساء و الرجال و الشباب, وهكذا تخترق الكلمة جدار الصمت, وتزعزع كيان المستعمر وتوحد صفوف الشعب من أجل هدف واحد, ومصير مشترك وهو تحرير الجزائر.
وعلى هذا النحو نجحت الأغنية الثورية على فعل ما لم يقو السلاح على فعله, من استجماع لقوى الشعب وتوحيد لصفوفه, وشحذ الهمم وتزويد المجاهدين بالمعلومات والأخبار.
وتتوجه الأغنية في أحايين أخرى إلى مخاطبة الشعب لتحسّسه بروح المسؤوليةوالوطنية اتجاه هؤلاء الثوار الذين اتخذوا من الجبال مسكنا لهم, قصد رفع الظلم عنهم وتحقيق حياة العزة و الكرامة, فتتوجه على وجه الخصوص إلى المرأة التي تعرف بعاطفتها الحساسة و مشاعرها المرهفة, وبالتالي السّعي لاستقطاب اهتمامها بالقضية الوطنية وكسب تعاطفها مع هؤلاء الجنود الذين يبيتون تحت الثلوج بلا (برانس) تقيهم صقيع الشتاء, وكأنها تطلب بطريقة غير مباشرة بأن ينسجن لهم (البرانس), لأنها تندرج في اختصاصاتهن, وتأمرهن بضرورة نزع الذهب و الفضة و التبرع بها لصالح الثورة, واصفة إياهن بباردات القلوب دلالة على القسوة لتحرك فيهن روح المسؤولية و الوطنية وتغلب المصلحة العامة على المنفعة الفردية.. وتعلمهن روح الإيثار, وفعلا كانت المرأة رمزا من رموز الثورة الجزائرية الخالدة, حيث لم تتوان
يوما عن التبرع بمجوهراتها, مهما بلغت قيمتها مثلما يعرف عن المرأة الأمازيغية (الأوراسة و القبائلية و الترڨية والمزابية والشنوية.. وكل حرائر الجزائر) التي سلمت اغلي ما تملكه من حليها الفضي و الذهبي المصنوع من قطع ذهبية والتي تسمى بالتعبير الدّارج (حبات لويز)
ادراري بلا يعـــــــلاون الشباب بلا برانيــــــس
اثنوسن اق ذ فــــــــلاون يبيتون في الثلـــــــــوج
اكسمث اورغ ذيژرفاون
انزعن الذهب و الفضة
اهيبراذيـــــن ن وولاون
يا باردات القلــــــــــوب
إضافة إلى العراء و البرد الذي كان يعانيه الجنود في جبال الاوراس, كانوا يعيشون حياة مزرية فهم يفترشون الأرض, ويلتحفون السماء ويتضورون جوعا كلما نفذت المئونة التي معهم, فيحتاجون التزود بالأكل والشرب والملبس فيضطرون للنزول من مخابئهم لزيارة القرى وهذا يحتاج لتامين الطريق من قبل الحراس, ليتمكن الجنود من نقل ما يلزمهم خلسة, دون أن يشعر بهم المستعمر أوعملاؤه, وهذا ما تصفه الأغنية التي تقول/
اهوتيد اي اعساســـــن انزلوا أيها الحـــراس
الجنود اخسن اداســـن الجنود يريدون المجئ
اهن غاضيين امساكن إنهم يثيرون الشفقـــــة
اربي فرج فلاســـــــن اربي فرج عليهــــــــم
ومن التقاليد الشائعة في الأغنية الثورية إنها تختتم بالدعاء نظرا لطبيعة مضامينها التي تسفر عن معاناة الشعب, تكبد خسائر مادية و معنوية لا تحصى, حتى يفوز بحياة كريمة فهو يحتاج في كثير من الأحيان إلى شحنة نفسية تقوي عزيمته وتثبت قلبه ولا خير لبلوغ هذا الهدف من دعاء, بوخز الجانب الروحي الديني عند الإنسان ليتمسك أكثر بأمل غد جديد و على سبيل المفاخرة تتغنى الأغنية الشعبية الثورية بأحد رموز
الثورة التحريرية, فتوضّف صيغة التصغير, دلالة على التدليل (ڨرنين).. وتصف لون عينيه الزرقاوين وهيأته العسكرية المهيبة, وهو يحمل سلاح ذو خمسة طلقات (الخماسي) وتصوره الأغنية بألفي طلقة وهي صيغة مبالغة, الهدف منها المفاخرة والتباهي بالثوار وقدراتهم كما أنها تصف حزام الخراطيش بطول مترين للدلالة على امتلائه وكثرة خراطيشه ترهيبا للعدو.. ورفعا لمعنويات الثوار, من خلال تصوير شجاعتهم وحسن تصويباتهم, فكل طلقة بطلقتين, وتسقط في كل مرة مئتي جندي فرنسي .
ياڨرين ياڨرنـــون يا زرق لعينيــــــــن
لخماسي فيه الفين ولحزام فيه ميترتين
الحبة حبتيــــــــن وطيح ميتيــــــــــن
ومثل هذا الوصف الحسّي لهذه الشخصية الثورية, ينم عن إعجاب الشعب بها ولوعه بما تقوم به من عمليات ضد المستعمر, ولهذا تعتمد الأغنية الشعبية بالأوراس إلى تضمين اسم احد الثوار المعروفين, ببسالتهم وقوتهم في كل مرة, ومن بينهم (بومدين, الحاج لخضر, فرحات عباس, قرين بالقاسم, بن بلة..) وغيرهم, وبهذا يسهم الثوار في غزل أجنحة المستقبل الوضاءة عبر ليل حالك السواد ,فيحوّلون ظلام القهر والاستعباد الى خيوط صباح مشرق ثقة منهم بقوة سلاحهم الخفية التي تتحطم بواسطتها جميع أسلحة العدو, مهما بلغت درجة قوتها وحداثتها.
وترصد لنا الأغنية الثورية, علاقة الثوار فيما بينهم, فتنقل رسائلهم ووصاياهم لبعضهم البعض, مثلما تصور الأغنية الآتية التي يبعث من خلالها (ڨرين بلقاسم) سلامه إلى (مصطفى بن بولعيد), وقد ترك له وصية الحفاظ على الدين الإسلامي, في وقت كانت فرنسا تحاول طمس كل مقومات الشعب الجزائري من دين ولغة عربية.. وهوية وطنية.. وموروث ثقافي زاخر عن طريق تحطيم جميع الهيئات الثقافية, ومنع تدريس (القرىن الكريم) بالكتاتيب والجوامع.. واللغة العربية في الزوايا والدّور الخاصة, وقد قصد الاستعمار عن وعي وإصرار أن يقضي على عناصر ثقافية تؤكد أصالتنا ومكاننا من التاريخ ومن الحضارة سعيا لمحو الشخصية الجزائرية كلية.. وطمسها
عنوة في الذهن والذاكرة..
يا بن بولعيـــــــــــــد يا بن بولعيـــــــــــــــد
يتسالد فلّاك قريـــــن يسلم عليك قريــــــــن
يقّاراك اتهلّا ذى دين يقول لك اعتني بالدين
ذ لحرب المجاهديــــن هو حرب المجاهدين
ويتباهى المغنّي الشعبي بما ألحقه الثوار بقوات الاحتلال الفرنسي من خسائر لا تُعد خاصة الخسائر البشرية, منتهجا أسلوب الوصف الحسي للدلالة على نوع العتاد العسكري الذي تملكه فرنسا, فيطلق عبارة "الطائرة بلا جنحين" للدلالة على "مروحيات الإجلاء" التي سارعت لحمل الجثث الهامدة, وإنقاذ ما بقي من أحياء, لتؤكد الأغنية في الأخير أنها حرب المسلمين, ضد من أراد اغتصاب ارض الجزائر الطاهرة.
الطيارة بلا جنحيـــن
تهز الموتى و الحيين
هذي حرب المسلمين
وكم يثير البعد عن الوطن المشاعر ويهيج الذكريات, خاصة إذا كان الفرد مجبرا على أمل العودة يوما إلى البلد الذي شب فيه وسط أشخاص أعزاء عليه, وأشياء حبيبة إلى نفسه, وتصبح الحسرة أكثر إيلاما, كلما كان هذا الأمل اشد استحالة.. أو ضاع إلى الأبد عندما يتعلق الأمر بموضوع النفي, حيث قامت السلطات الفرنسية أثناء تواجدها الاستعماري بالجزائر, إلى إصدار قرار بنفي عدة شخصيات, وحتى عائلات إلى خارج الوطن, وأحيانا إلى مناطق داخل الوطن, ولم تنس الأغنية الأوراسية هذه الشريحة التي تكبدت عناء النفي و الحرمان من الأهل والوطن من اجل القضية الوطنية, وتنادي جبال الأوراس الشامخة لتشكو لها الم الفراق, وضراوة الحرب التي دامت سبع سنوات (ثورة التحرير) ومازال صوت الرصاص يلعلع مدويا, لأنه يؤمن
بان (الجبل) هو الوحيد الذي باستطاعته أن يجيب عن تساؤلات الإنسان ويبدد حيرته ويبعث الأمل فيه بعودة هؤلاء الرجال المنفيين الذين يثيرون شفقة كل وطني, وليس لأحد ان يفك هذه العقدة من غير المولى -عز وجل- هؤلاء الرجال الذين ناضلوا وسكنوا الجبال من اجل الوطن, نُفوا منه على أيادي المستعمر الفرنسي..
ياجبل لوراس العاليــــــا سبع سنين و النار تقديــــــــا
غاضوني الرجال المنفيا ما يفك الفكاك من غير العليا
غاضوني الرجـــــــــــال غاضوني الرجـــــــــــــــــال
ؤما بيّاش المال
عفسوا في النضال اللي حرقوا الجبال
ودامت معاناة الجزائريين ردحا من الزمن (1830-1962) إلى أن تحقق النصر بدم الشهداء الأحرار, وبدموع اليتامى والثكالى ومعطوبي الحرب وغيرهم, ممن تضرروا من هذه الحرب القذرة التي شنتها فرنسا عنوة.. ودون سابق إنذار على الجزائر, ولا ننسى جبال الأوراس, وتراب أراضيها و أحجارها و أشجارها, وديارها التي دنست بأقدام هؤلاء الغاشمين, لكل هؤلاء غنت حناجر المغنين فرحا بالاستقلال الذي طال انتظاره/
ابن بلة يا بن بلــة يا بن بلة يا بن بلة
اجملــــد الجيـــش اجمع الجيــــــــش
ماني ڨّـــــــــــــلّا حيثما كـــــــــــــان
سبع سنين المذلة سبع سنين مذلــــة
اربحنا الاستقلال ربحنا الاستقــــلال
بدم الشهــــــــداء بدم الشهــــــــــداء

وفي أغنية أخرى دعوة صريحة للشعب للخروج و التعبير عن فرحه وزهوه, بإشراقة يوم جديد, تبدد فيه ظلم الاستعمار, وتضئ شمس الحرية ربوع الجزائر.. إنه يوم يغني لعيشة الحرية و السلام..
اكر فلاك اسّفــيل انهض يا مدني
اكر فلاك اتزهيذ انهض لتزهـــو
الاستقلال اخلضد الاستقــلال لاح
بن بلة ئروْحـــــد وبن بلة عاد
نافلة القول أن هذه ألاغاني الثورية الأوراسية.. وثيقة ثمينة تفنّذ أقوال من يدعون أن الأدب الشعبي مجرد خرافات رضعناها أو ترّهات صدّقناها على مر العصور, وأنه خال من أي معنى أو هدف, ولعل هذه الأغاني التي صورت لنا بحق الآم وآمال الشعب الجزائري في فترة جفت فيها أقلام الكتّاب ولم يبق لهم سوى سبيل واحد وهو اعتماد المشافهة, كوسيلة لزرع الوعي و التّحسيس بثقل المسؤولية التي ألقيت على عاتق هذا الشعب, وهي تحرير الجزائر, فانطلقت حناجر المغنّين على اختلاف أعمارهم تردّد أغاني متنوعة المضامين, كلها تسعى لتكسير حاجز الخوف وتوحيد الصفوف وشحذ الهمم, واتخاذ قرار مصيري لا رجعة فيه وهو القتال حتى الموت أو الحرية و الاستقلال, وكان لهم ذلك سنة 1962م.. وهذا نموذج من الشعر الشاوي الحديث فإليكموه..!

ئناســـــــــــــــــــــــــــــن..
***
ئناسن..!
آزڨن.. ذسبعا ذيسوڨّاسن..
انسعدّا ذلعفيفث.. هتّقّذ ذاشعّال..
انزڨوم ئخل / ذِيجولال..ذق ؤولاون
نتكّس فيماون نتلمّذ.. نڨّار..
نسّتشاي ذيلغوابي.. ذيذورار..
----------
ئناسن..!
آزڨن.. ذسبعا ذيسوڨاسن..
يمّوث وازڨننّغ.. ذيرْڨازن ئزيزاون..
اڨلاوثن ذيغسان.. غبْرَنْ سيمطّاون..
فْيَثري ذازوڨّاغ.. ئبڨّس لهْلال..
يسّو ازيزاو.. ئلمّذ املّال..
---------
ئناسن..!
آزڨن.. ذسبعا ذيسُوڨّاسن..
نبارّاد افوكث.. سڨ ئيض ازڨرار..
هنّبضا ذيژنـژارن.. هَصْكا ذينُورار..
نسّوذن اجنّا.. نڨرا ذڨ ابريذ..
هحّوزم اڨلّان.. هدجيمانغ (اشكريذ)..
----------
ئناسن..!
آزڨن.. ذسبعا ذيسوڨّاسن..
ذْوَا يغلين سِيهمدّورثنّغ.. ؤرناسن..
ذْوا اديوسين.. نسّوسم آوراسن..
هتّاليم ذينركبن /.. لعواثقنّغ.. ئناسن..!
هتنڨرم* ذڨ يثران.. نطّربخ ذڨ فاسَّن..!!
----------

الترجمة / أخبرهــــــــــــــــــــم..!
****

اخبرهم..!
نصفا.. وسبعا من السنين..
أمضيناها نارا تحرقنا لهيبا
الهموم تراكمت في قلوبنا أكداسا
ننزع عن أفواهنا.. نجمع.. وندفع..
نطعم الغابات.. والجبال
***
اخبرهم..
نصفا.. وسبعا من السنين..
مات نصفنا رجالات زرق
تفرقوا أشلاء.. وانقبروا بالدموع
لنجم يديره هلال
افترش الأخضر.. والأبيض احتضن..
***
اخبرهم..
حزنا الشمس من الليل البهيم..
لاحت أشعة.. تراكمت نعما..
لثمنا السماء.. وأكملنا الطريق
أخذتم كل شئ.. ما تركتم لنا غير (الكشريد)
***
اخبرهم
نصفا وسبعا من السنين..
وما فات من أعمارنا قبلا..
وما آت صامتون بعدا..
تتسلقون عواتقنا سلالم / اخبرهم
تنتقون النجوم.. بالأكف لكم نصفق..

الشاعر / بشير عجرود


ملاحظة/ للموضوع مراجع و اسناد

نشر في الموقع بتاريخ : الثلاثاء 3 جمادى الثاني 1433هـ الموافق لـ : 2012-04-24

التعليقات
عادل سلطاني
 "ءيناسن ع ءاذادا بشير ءيناسن" ، " قلهم أخي الأكبر بشير قلهم "
فالشعر الأمازيغي "الشاوي"تحديدا مازال بخير لأنك بصراحة ودون مجاملة قطب من أقطابه ، ولن أنسى مطلقا كل الملتقيات التي شاركنا فيها من أجل إبداع أمازيغي جزائري وطني حقيقي بعيدا عن الشعارات السياسية الجوفاء التي ضربنا بها عرض الحائط ، لتدخل نفايات التاريخ ، مامن شك أخي بشير فلسانناالأمازيغي من الألسنة التي نضحت ولاتزال بشهد إبداع حقيقي منذ أفولاي " أبوليوس" المادوري " وأوريغ " " القديس أغسطين " وغيرهم من أساطين الجزائر المبدعين إلى مبدعي راهننا الحاضر المعيش ، وتمازغا الواسعة التي سماها فراعنة مصر " أمينتي " أي عروس المغرب ، لم تزل أرضامعطاء غنية بتراثها الزخمي الكثيف المختلف المتنوع مما يشكل خزانايغذي روافدنا الثقافية المختلفة ويمدها بالحياة ، قرأت باهتمام وتأملت ما ورد في مقالك من تجلية لذاكرتنا الشفهية التي لاتزال شاهدا على حياة إبداعية رغم عصر العولمة وتغييراته الساحقة السريعة لهذه البنية الثقافية أو تلك ترى ما سر المشافهة لدى الأسلاف كمؤسسة لغوية اتصالية ثقافية تشكل عصب كينونتنا الوجودية.؟، شكرا مبدعنا الشاعر الحبيب عجرود بشير  


بن فليس احمد
 كي جيينا من عين امليلة سبع ايام على رجلينا والرافال يتبع فينا
اسمحيلي ها لميما واسمحيلي في الجهادي سماح رباح البابا ولدي مرسولة من عند العالي ماتبكيش ها لميمة ماتبكيش غير من والا ابكي على الشهداء لي قتلتهم الخداعة
زوج ذراري طاعوا لجبال هزو سبتة زادو رفال ضربو ضربة هبطو ليشار ياحمودي نجمة وهلال يافرنسا يا الهنتاسة الشاوية دارولبياسة بومدين نحالك لبلاصة اوولاو هوما الرياسة  


رياض
 شكرا علي الموضوع ولكن نتناو لوكان ديرو كلمات الاغاني الشاوية
وانا نحوس علي كلمات "" اكرد انوقير اقبعذ وبريذ""
واغاني اخري اتمني ان اجدها هنا مادمتم مهتمين بالموضوع
ونشكركم علي الاهتمام 


هشام خنوش باتنة
 موضوع شيق ويتضح منه بجلاءمدى تأثير الموروث الغنائي التراثي في حاضر ومستقبل الشعوب. و الشاوية خصوصا معروفون بتراثهم الغنائي سواءا في الثورة أو قبلها ونتمنى أن يحذو جيل الاستقلال حذو الأجيال التي سبقته ويكتب تاريخه بشتى الوسائل على أن يكون هذا التاريخ مشرفا ورافعا للهمم حتى تحس الأجيال القادمة بما احسه ونحسه نحن اليوم من أسلافنا ومدى تشبثهم بالحرية . 


Aziza
 موضع رائع وقيم في زمن أضحت العولمة فيه تهدد بقاء الكثير من الثقافات المحلية المشبعة بروح الشجاعة والتضحية والعاطفة الجياشة التي صرنا نفتقدها مع كل جيل يفقد من ثقافته وينسلخ من جذوره الاولى "إيزوران". أريد فقط أن أسأل عن أغنية "عياش": هل هناك معلومات تاريخية عن السياق الذي غنيت فيه. شخصيا عندي معلومات ولكنني لا اعلم مدى صحتها قرأتها عن قصة امراة من مروانة تآمر أحد البايات فقتل زوجها وابنها وكلاهكا يسمى عياش وذلك ليظفر بحبها... فغنت هذه الاغنية على قبرهما.  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
غياب
بقلم : سامية رحاحلية
غياب


حصيلة لسجال جميل.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                     حصيلة لسجال جميل.


يارمزمجد للسلام محمـــــد
بقلم : د.فالح نصيف الحجية الكيلاني
يارمزمجد للسلام محمـــــد


الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات
بقلم : شاكر فريد حسن
الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات


فقط أروها بالحب
السيدة : وفاء احمد التلاوي
فقط أروها بالحب


اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد


كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة
بقلم : إسماعيل غراب عراني
كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة


أحفاد عقبة بن نافع الفهري
بقلم : الدكتور فؤاد فلياشي
أحفاد عقبة بن نافع الفهري


رؤيا..
بقلم : وردة ايوب عزيزي
رؤيا..


الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !
بقلم : د. سكينة العابد
الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com