أصوات الشمال شركة الراشدية
الأحد 1 صفر 1436هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * ( خبز الدار ) في ادرار يأكله ( البراني ) في زمن الفيلم ( الوهراني ) //   * لمن كل هذا الشوق....؟   * عربية معمري تتألق عبر ديوانها غطرسة مساء ممطر   * المسلمون بإسلامهم    * أيها النادي الأدبي   * أمام مدرستي   * أوروبا: "أسبوع الديانات فرصة سنوية للتواصل مع الآخر والرد على المفاهيم الخاطئة التي تسوقها منابر الإسلاموفوبيا المغرضة في الغرب.."    * الغزال الأبيض   * عندما تكون الرياضة هزيمة ودموع   *  المجاهد سَعْدُ الْعَسْكَرِي ..ذَلِكَ الصقر المنتفض... /قصة قصيرة   * تعزيـــة   * البساطة تصنع الرجال و الأبطال    * محاولة لشرح امرأة   * العظمة والوطن والقدر في قصيد( وليمة الانتصار)...للشاعرة الجزائرية سليمة مليزي   * ( بنُو سُلَيم بالجزائر ) إصدار جديد للباحث فوزي مصمودي   *  ((تدويحة مهد لتوأمي))!!!   * بنية الخبر في قصة "انتفاضة" لنبيل عودة    * الرمزية في الشعر العربي المعاصر   *  أنا وصديقي والحقيقة ثالث ثلاثة "قصة بطعم البوح"   * كلمة في رفيقة العمر     أرسل مشاركتك
العتبات النصية في رواية تلك المحبة للحبيب السائح (عصفور التل الوهراني يغرد على أسوار قصبات توات)
بقلم : الدكتور الصديق حاج أحمد
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 4043 مرة ]

حين يتزين الغلاف بمساحيق الألوان, ويوشّح وجهه الخارجي بتعشيقة اللوحات الفنية, مع ما يمكن أن يضاف إليه من توابل الإخراج الطباعي, فضلا عن ظفر الصيد الذي يكون الروائي قد أجهد نفسه في اختيار العنوان المناسب, مع ما قد يتسببه العنوان من استفزاز جرئ للقارئ, عندها تكون المؤامرة قد اتضحت معالمها مع سبق الإصرار والترصد بين الروائي ودار النشر, قصد محاولة إيقاع القارئ في مصيدة وشراك غواية الافتتان بعنوان النص ومتنه, وبالتالي قراءة الكتاب, ومحاولة شرائه, أو إعارته.


العتبات النصية في رواية تلك المحبة للحبيب السائح

(عصفور التل الوهراني يغرد على أسوار قصبات توات)
على سبيل التفريش

حين يتزين الغلاف بمساحيق الألوان, ويوشّح وجهه الخارجي بتعشيقة اللوحات الفنية, مع ما يمكن أن يضاف إليه من توابل الإخراج الطباعي, فضلا عن ظفر الصيد الذي يكون الروائي قد أجهد نفسه في اختيار العنوان المناسب, مع ما قد يتسببه العنوان من استفزاز جرئ للقارئ, عندها تكون المؤامرة قد اتضحت معالمها مع سبق الإصرار والترصد بين الروائي ودار النشر, قصد محاولة إيقاع القارئ في مصيدة وشراك غواية الافتتان بعنوان النص ومتنه, وبالتالي قراءة الكتاب, ومحاولة شرائه, أو إعارته.
إن الدلالات اللسانية, والإيحائية للعنوان, والملامسة البصرية للصوّر والألوان, ومدى تناسقها مع متن النص, كل ذلك قد يُقدم للقارئ على شكل مقبلات, أو أُردوفات, إن جاز تعريب هذا المصطلح الدخيل, قلت فإن كل ذلك مما قد يفتح شهية القارئ, لتناول وجبة الكتاب.
فكم من متن ثمين مجه القارئ, وانصرف عنه, بسبب عنوانه, وغلافه, وبالمقابل كم من متن هزيل, اقتناه القارئ بسبب عنوانه الغريب والمحبوك, وغلافه الجذاب, مما قد يؤثر على القارئ, ويقتنيه, وينطبق هذا التوصيف, في معارض الكتاب, وأمام ببليوغرافيا المكتبات, إذ ليس بمقدور القارئ الوقت الكافي لمعرفة متن الكتاب, خلال ذلك الوقت الزهيد, إنما يعوّل على العنوان, ومن هنا تكمن أهمية العنوان, والعتبات النصية.
ويصدق هذا القول في أمر العتبات, ما وقع لي شخصيا مع عنوان أحد الروايات, عندما كنت أبحث عن رواية موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح بفهرس المكتبة الجامعية, وإذا بي أصادف عنوانا غريبا لأحد النصوص الروائية اللبنانية, والموسوم بـ" سأنتعل الغبار وأمشي", للكاتبة والإعلامية اللبنانية مي منسي, مما جعلني, بل أنساني البحث عن مقصدي الأول, وهو البحث عن رواية الطيب الصالح, كما أن الصورة التشكيلية الانطباعية الموضوعة على غلاف الرواية, والتي ترمز إلى أثار أقدام على أرضية بلون رمادي, كل ذلك زاد من تأملاتي التخيلية, مما أوحى لي بأن هناك سرا يجب أن يعرف, ولغزا يجب أن يحل, وما وجدتني في الأخير, إلا أن أقول للنص أنا عبدك, وأنت سيدي, وبالفعل فإن هذا العنوان يستفز القارئ, ويجعله أسيرا لاستكشاف سراديب الغلاف, ومتاهات الغرابة في العنوان.
ويذكر الناقد محمد صابر العبيد, أن التطور الحاصل في تاريخ العنوان جعله بعد سنوات عجاف, يستفيق من غفوته, ويتمرد على إهماله لفترات طويلة, وينهض ثانية من رماده, الذي حجبه عن فاعليته, وأقصاه إلى ليل من النسيان1.
وإن كانت العتبات النصية موجودة, ومحتفى بها في التراث العربي القديم, وأكبر دليل على ذلك ما صنعه القدامى في حرصهم على التطريز, و تباريهم في العناوين المسجوعة, والتي تترك إيقاعا في وقع جرسها الموسيقي, وتأثيرها الدلالي, غير أن التنظير العلمي لها, وإسقاطها على النصوص الأدبية والسردية, لم يأت إلا مع فرنسوا فروري francois fourier, وأندري فونتاناandrie fantana, في كتابيهما عناوين الكتب في القرن الثامن, وكلود دوتشيclaude dutcher, سنة 1973, والمعتب بعنوان الفتاة المتروكة والوحش البشري مبادئ عنونة روائية, وفي نفس السنة أصدر ليو هوك leo hock, كتابه سمة العنوان marque de titre, كما خصص شارل جريفال chares grivel, فصلا خاصا للعنوان في كتابه نتاج الاهتمام الروائي, نهاية بعمل المنظر الكبير لعلم العنونة جيرار جينتgenette , في كتابيه أطراس, وعتبات, حيث أضحى للعتبات النصية, والنصوص الموازية, وكذا التعالي النصي, نظريات تؤسس, وقواعد تضبط, يعمل على مراعاتها الكاتب, وتضعها في الحسبان دور الطبع والنشر.
ونظرا للدور الخطير الذي تلعبه العتبات النصية, والخطب المقدماتية, والمطالع الافتتاحية في تقريب القارئ من النص, بدأت الحركة النقدية في الوطن العربي, ولاسيما في المغرب الشقيق, والجزائر, وسوريا, تلتفت لهذا الخطاب, وتوليه ما يستحقه من الدرس والمباحثة, لكونه يشكلا نصا في حد ذاته.
ومن هذا المنطلق, فإن هذه المداخلة المتواضعة, تروم إلى مقاربة أفق الانتظار لدى القارئ من خلال رؤيته للعنوان لأول وهلة, وكذا دراسة العتبات النصية, أو ما يصطلح عليه بالنصوص الموازية والمصاحبة لرواية تلك المحبة للروائي الجزائري الحبيب السائح, بما فيها من خطاب مقدماتي, ومؤخراتي, وكذا الدلالة الإيحائية والسيميائية لصوّر وألوان الغلاف.
وقبل الخوض في تفاصيل العتبات النصية للرواية المذكورة, يجدر بنا أن نوطئ ولو بإيجاز لمسيرة السرد الروائي الجزائري.
فقد مرّت الكتابة الروائية في الجزائر بعدة مراحل حاسمة, وبالرغم من ولادتها القيصرية عن طريق عبد الحميد بن هدوقة, إلا أن مرحلته شكلت التأسيس والنشأة, بالرغم مما قد يعاب عليها من قلة النضج, وهذا أمر طبيعي, لبلد كالجزائر, عشش وفرّخ فيه الاستعمار الفرنسي لأكثر من قرن ونصف القرن, فكان من الطبيعي أن يسيطر التيار الفرنكفوني على الكتابة والتأليف, وبالمقابل التأخر الحاصل في تجربة الكتابة بالحرف العربي, وتشمل هذه المرحلة فترة الستينيات.
أما المرحلة الثانية فطبعت بطابع الموضة الإيديولوجية, وهذا خلال السبعينيات من القرن الماضي.
بعدها عرفت الكتابة الروائية في الجزائر تحوّلا, بحثت فيه عن ذاتها, وذلك خلال الثمانينيات من القرن الماضي.
أما بالنسبة للعشرية السوداء, فقد انزوت الرواية الجزائرية خلال هذه الفترة, إلى التعبير الكابوسي الظلامي, مع ما تركه الإرهاب من وشم وحفر في الذاكرة الجزائرية.
ومع بداية الألفية الثالثة بدأت الرواية الجزائرية تؤسس لنفسها مرجعية ذاتية, مستمدة من التجربة الإبداعية عند كتابها, حتى غدا للنص الروائي الجزائري مشاريع, يحتفل بها في المشرق, ويحتفى بها في المغرب.
ومن بين الكتّاب الجزائريين الذين بشّروا بميلاد مشروع جديد في الكتابة السردية, يختلف عن كتابات السابقين, ويتفرّد بين الخالفين, إنه الكاتب والروائي الجزائري الحبيب السائح2, هذا الكاتب الذي عقد زواجا شرعيا مع الكتابة مذ أصدر مجموعته القصصية الأولى بدمشق سنة 1979, والموسومة بالقرار, متبوعة بمجموعته القصصية الثانية, والتي طبعها بالجزائر سنة 1981, والمعنونة بالصعود نحو الأسفل, ومع صدور أول نص روائي له, والمعتب بزمن النمرود سنة 1985, هذه الرواية التي سببت له مضايقات شديدة, مما جعله يرحل لتونس, ثم المغرب, ومع ما سببته له من متاعب, أعطته من الشهرة الكثير خارج القطرية.
ومع صدور رواية ذاك الحنين3, حدثت طفرة في الكتابة السردية عند الحبيب السائح, وإن كان النص في بؤرته, وتيمته, وإيقونته, ظلّ مرتبطا بتنميطته السابقة, إلا أن الناقد قد يتلمس بعض الإرهاصات الخاصة بمشروعه المستقبلي.
وبصدور رواية تماسخت دم النسيان4, أضحى جليا عند النقاد, والمتتبعين للحركة السردية الروائية الجزائرية, أن الحبيب السائح يقوم بوضع لبنات حقيقية لتأسيس مشروع روائي جديد, يعتمد فيه على مملكة اللغة, والاحتفاء بها, وكذا التمثيل الجنسي للأشياء, إذ يصعب على من لا يفهم تشكل البناء السردي عند الحبيب السائح, أن يكون له من النفس ما يشجعه على إكمال نصه, ولعله أمر مقصود من الكاتب, لكونه يريد أن يقصي قارئا معينا.
ومع ميلاد رواية تلك المحبة5, يكون المشروع الروائي للحبيب السائح قد اكتمل ونضج, واستوى على سوقه, ومع ما تبعه في روايته الأخيرة زهوة, ليس من جانب مملكته اللغوية فحسب, بل من سلطنته الغرائبية والعجائبية, وإمارته الشعبية المحلية الأسطورية الصوفية.
وفي الآونة الأخيرة, بدأنا نلحظ اهتماما من لدن النقاد الأكاديميين الجزائريين بسرديات الحبيب السائح, كالأستاذ السعيد بوطاجين, والأستاذة آمنة بلعلى, والأستاذ تحريشي, والأستاذ الخير شوار وغيرهم.
قراءة في العتبات النصية لرواية تلك المحبة
وتشمل هذه القراءة ثلاثة جوانب, هي كالتالي:
ـ قراءة في سيميائية الغلاف وصوّره وألوانه.
ـ قراءة في دلالات العنوان, ووجبته اللسانية الدلالية, ووصفته الإيحائية.
ـ قراءة في النصوص الموازية الافتتاحية للنص الروائي.
1 ـ قراءة في سيميائية الغلاف, وصوّره وألوانه:
الغلاف هو الوجه الأول الذي يُنظر إليه, وهو آخر ما يبقى بذاكرة القارئ, وإن كان من تمثيل لمكانة الغلاف من الكتاب, فيمكن تمثيله بمثابة وجه المرأة, ومن ثمّ وجب الاحتفاء به, وإعطائه المكانة اللائقة به, فاختيار الصوّر والألوان, مما يجب على صاحب النص مراعاته, وأن لا يترك لدار النشر والطبع حق التصرف في ذلك, اللّهم إلا إذا كانت بها هيئة مشكلة من الخبراء, الذين لهم معرفة بدلالات الصوّر والألوان.
فالصوّر والألوان, ومع ما يمكن أن تتركه من دلالات حقيقية ومجازية, وانطباعات تأملية وتخيلية, يعوّل عليهما كثيرا, في شد انتباه القارئ, وإيقاعه في غواية الاهتمام بالكتاب.
فالدلالة الإيحائية للرماد ولونه, مثلا في رواية سأنتعل الغبار وأمشي, مرتبطة بالنص, لكون النص مأسوي تراجيدي, يتحدث عن طفلة صغيرة يتيمة مع أخيها الصغير, فقدا والديهما, إبان الحرب اللبنانية, وهجرا إلى ملاجيء الأيتام بالخارج, فذهبت هي لملجأ, وذهب أخوها إلى ملجإ آخر, ولم يبق لها سوى الحزن والرماد.
فتصميم الغلاف في تلك المحبة, يعبر عن صوّر فوتوغرافية واقعية, بعيدة عن الانطباعية, والتجريدية, وإن كان الخبراء يوصون باستعمال التشكيل الانطباعي والتجريدي, لكونهما يفتحان مجالات متعددة من التخيل والتأويل, وهو أمر مفقود في الصوّر الفوتوغرافية, لكونها تُقرأ وتُفهم من أول وهلة, وبالتالي يحرم المتلقي من متعة التخيل والتأويل.
ويمكن مقاربة صوّر الغلاف وألوانه, في عدة معطيات, وهي كالتالي:
ـ المعطى الأول, وهو علية صورة المرأة الأدرارية التارقية, ووضعها في الجانب الأعلى من الغلاف, وفي ذلك دلالة رمزية لمكانة المرأة في المجتمع التارقي,غير أن السؤال الذي يبقى مطروحا, ونعتقد أن الكاتب مسؤول عن الإجابة عليه, وهو أن المرأة التارقية, وإن كانت تمثل جزء بسيطا من المجتمع الأدراري, كما أنها حديثة العهد بأدرار, إذ يرجع أول وجود لها إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي, بفعل الجفاف والمجاعة التي ضربت شمال مالي, حيث هاجرت أعدادا غفيرة من الطوارق نحو رقان, وأدرار, وبرج باجي المختار, وتيمياوين, وتينزاوتين, وتمنراست.
أما صورة المرأة الأدرارية الحقة, فهي صورة المرأة القصورية القروية, ومما يزيد الاعتقاد بتارقية الصورة, هو ذلك اللون الأزرق الداكن المكثف, وهو رمز من رموز الطوارق, وينسب عندهم لنوع من اللباس يسمى الطاري والنيلة.
غير أننا قد نجد تجويزا وترخيصا للكاتب بسبب وضعه لصورة المرأة التارقية دون غيرها, إما لإعجابه بها, وإما لجمالها الفاتن, وهذا أمر لا مشاحنة فيه.
كما أن تكثيف اللون الأزرق الداكن, ومحاولة طمسه لتجليات صورة المرأة الأدراية التي تظهر خلف ضباب أبيض, وكذا أسنانها البيضاء, قد يُفهم منه مدى صعوبة فهم المرأة الأدرارية, والتي تظهر لأول وهلة بسيطة, ويمثل هذا الضباب الأبيض, لكن محاولة إخفائها خلف ذلك اللون الأزرق الداكن المكثف, يفهم منه مدى صعوبة قرأتها وفهما كما قد يتوهم للمرة الأولى.
ـ المعطى الثاني, وهو صورة عرق الرمل الأصفر الذهبي الممتد على عرض الغلاف, ويوحي هذا المشهد للقارئ أن الرمل بنعومته, وصفائه, جزء من تلك المحبة.
ـ المعطى الثالث, وهو صورة المخطوط التراثي, ويرمز للمرجعية العلمية, والدينية, والصوفية للمنطقة الأدرارية, وقد نصص الكاتب عليه باسم المصنف في تضاعيف المتن, وهذا المعطى هو الآخر جزء من تلك المحبة التي وهبها الحبيب السائح لمدينة أدرار.
ومن سيميائية وجه الغلاف كذلك اسم الكاتب الحبيب السائح, الذي وضع في أعلى الغلاف, كما يستشف من سيميائية الغلاف كذلك عنوان الرواية تلك المحبة, الذي كتب بخط غليظ وبارز, بخط الثلث, مع استرسال وسباحة لحروفه, ترمز لانبساط الكاتب, ومحبته لأدرار, وأهلها, هذا وقد لون العنوان تلك المحبة باللون الأصفر, الرامز لاصفرار رمال أدرار الذهبية, وتحته للجهة اليسرى, وضع تجنيس الكتاب, ليشير لجنس الرواية, وقد كان ذلك بخط نسخي أقل بكثير, من حجم خط عنوان الكتاب, وفي نهاية منتصف وجه الغلاف, وبخط أرق, وضع رمز واسم دار النشر.
هذا بالنسبة لوجه الغلاف, أما ظهره, ففيه نصوص موازية أخرى, قد يعوّل عليها في تذليل الصعوبات أمام القارئ, لولوجه عالم النص, فالنص الموازي الأول, هو وضع ترجمة مضغوطة تعرف بالكتاب, ولم تتجاوز ثلاثة أسطر, وهذا أمر مقصود, من الكاتب.
أما النص الموازي الثاني, الذي جاء على ظهر الغلاف, وهو كلمة دار النشر, وقد وضعت في شكل توطئة, وتفريش للنص, وقد وظف عامل التلخيص, والمنهج, والإغراء, والتحبيب, قصد جر القارئ, لافتضاض بكرة المتن, ويظهر أن هذا التقديم, قد وضع من لدن خبير بأمر السرد ومصطلحلته, ضليع بخبر التاريخ وعبقه, ومما جاء فيه ما نصه:" هذه الرواية نص جديد جدا في تيمته, وفي شكله, ومقاربته الفنية, وفي سرديته, التي تماذج بين الموروث والحداثي, لغة ونظما بنفس يلامس الصوفي, ويتداخل مع الغرائبي, بما وفر له من إمكانات الكتابة, التي تجعله رواية مختلفة, وبما بذل فيه من جهد إبداعي من أجل أن تقرأ, وبشكل جمالي, صورة أخرى عن جزائر أخرى, قابعة في التاريخ المنسي, والعمق المجهول, هناك, من خلال صحرائها, وعن غزوها, صحراء أدرار خاصة, وقصورها, وفقاراتها, ونخيلها, في قورارة, وتيديكلت, وتوات, التي عرفت مدينتها المدينة القديمة تمنطيط هجرات من اليهود, والمسيحيين, والمسلمين, جاءوا من من فلسطين, والشرق, والأندلس, والمغرب, وعن حرب المغيلي ضد اليهود, وعن تبشير الآباء البيض, والتنصير, على رأسهم الأب الضابط دو فوكو, وعن التجارب النووية في رقان, صحراء مملكة السر, والماء, والنار, حيث تجليات الخالق التي تزهر تلك المحبة".
فهذا النص الموازي مهم جدا للقارئ, إذ يتيح له العديد من المقاربات, فهو مقاربة نقدية, بالمفهوم المتداول في عرف النقاد, كما أنه مقاربة أدبية, وفنية, وجمالية, وتاريخية.
فسر أدرار, وسكونها, وماء فقارتها, وقصورها, جزء من تلك المحبة التي يريد الكاتب أن يطلع القارئ عليها, ويقربه منها.
أما اللون الذي وشح به ظهر الغلاف, فهو اللون البني, وفي ذلك دلالة رمزية للون البنايات الطينية والطوبية لقصور وقصبات أدرار.
2ـ قراءة في دلالات العنوان:
لا يمكن للدارس, أن يتفهم دلالة عنوان تلك المحبة, إلا بالرجوع إلى النص الذي صدر قبله, والموسوم بذاك الحنين, ففي النصوص الموازية لذاك الحنين, ولا سيما في الخطاب المقدماتي لهذا النص, يصادفنا ما يشبه التصدير, أو الإهداء, حيث عمد الروائي, إلى التنصيص بقوله:" حنينا, ومحبة"6, وهو بهذا قد بشّر بقرب ميلاد تلك المحبة, كما أن الارتباط في الدلالة اللغوية واللفظية, هو الآخر مرتبط بذاك الحنين, حيث أنتج العنوان سريا وهديا بذاك الحنين كذلك, فالتوصيف الإشاري باسم الإشارة, المرتبط باسم مشار إليه, وإن كان من اختلاف, فهو من جهة التذكير والتأنيث, بين اسمي الإشارة ذاك وتلك, وبين الحنين والمحبة, وكلاهما أمران معنويان قبليان نفسيان, ارتبط أحدهما بمدينة سعيدة, وحنين الروائي إليها, والثاني بمدينة أدرار, ومحبة الروائي إليها.
فالدلالة اللغوية والإيحائية للعنوان, تفهم من سياقه, ويتكون من اسم الإشارة"تلك", والاسم المشار إليه بعدها"المحبة", فالعنوان الذي جاء في شكل جملة اسمية, يوحي إلى دلالة مكثفة, ومختزلة للنص, لكن هذه المحبة تظل مبهمة, وغامضة عند القارئ, أهي المحبة بالمفهوم الصوفي, والتي تعني الحب الإلهي, والفناء فيه, أم هي محبة العاشق للمعشوق, غير أن هذا الخبال, والتحيّر لم يبق طويلا, وسوف يزول بمجرد انتباه القارئ لصوّر الغلاف, عندها سوف يفهم, أن المحبة المقصودة من الكاتب, والتي هي في متن الكتاب, فهي لرمال أدرار, وقصورها, ونخيلها, وزواياها الصوفية, ولجمال نسوتها, ومن هنا نستنتج أن الصوّر الموضوعة على وجه الغلاف, كان أمرا مقصودا من الكاتب, لتقريب القارئ من النص, وانفتاحه عليه.
3ـ قراءة في النصوص الموازية الافتتاحية للرواية:
ـ أول نص مصاحب يقابلنا لنص المتن7, هو العنوان المزيّف faux titre , الذي يأتي مباشرة بعد العنوان الحقيقي le titre principale , وموضع هذا الأخير الغلاف الخارجي للكتاب, وكما تقول شادية شقرون, أما العنوان المزيف, فهو في الحقيقة ترديد وتأكيد, وتعزيز للعنوان الحقيقي8.
ـ ثاني نص مصاحب يأتي بعد هذا9, وصفة لأعمال الكاتب, القصصية, والروائية, والمترجمة, موصوفة بتاريخ نشرها, ودور نشرها, لوضع الثقة من لدن الكاتب في القارئ, بالإيحاء له من أن هذا الكاتب متمرس بالكتابة, وقديم العهد والصلة بها.
ـ ثالث نص مصاحب يأتي بعد هذا10, صفحة تشبه الإهداء, كتب في أعلاها وفاء, ووضع بعد هذا نقطتين مقصودتين, لتبئير التخيل لدى المتلقي, أهو هذا الوفاء من الكاتب لأدرار, أم لغيرها, لتترك مساحة كبيرة, ويأتي الكاتب في نهاية الصفحة, ليخبر القارئ, من أن هذا الوفاء المعلن منه, هو لتلك المحبة, ولأدرار وحدها, دون سواها.
ـ رابع نص مصاحب11, هو بيتان للخيام, استشهد بهما الكاتب من رباعياته, ومطلعهما:
يا قلب كم تشقى بهذا الوجود ـ وكل يوم لك فيه هم جديد
والظاهر أن الكاتب يريد أن يضع النص, ضمن المقاربة الفلسفية الوجودية, وبالتالي, وضع القارئ أمام طلاسم فلسفية, لا يفهم مقصديتها, إلا من خلال العبور إلى النص, وهذا أمر مقصود من الكاتب.
ـ خامس نص مصاحب, يأتي في الصفحة الموالية, هو نص مقتبس لأبي حيان التوحيدي, يقول فيه ما نصه:" إياك أن تعاف سماع هذه الأشياء الجارية على السخف, فإنك لو أضربت عنها جملة لنقص فهمك, وتبلد طبعك, ولا يفتق العقل شيء كتصفح أمور الدنيا, ومعرفة خيرها وشرها, وعلانيتها وسرها", والواضح أن الغرض من هذا التنصيص مقصود من لدن الكاتب, فهو يغريه بالتحذير بالابتعاد عن مج ما يبدو للقارئ سخيفا, وفي ذلك تبطين خفي من الكاتب للقارئ, فالقارئ لم يصل إلى النص بعد, حتى يعافه ويمجه, ولو وُضع هذا الكلام في نهاية النص, لجاز لنا ذلك, ولكنه كما قلت حيلة وضعت من الكاتب للقارئ, ليقوم القارئ بمسآلة نفسه عن هذا السخف, لأن في كلمة السخف, شيء من المحظور والممنوع, كالجنس وغيره, وبالتالي جر القارئ للنص.
ـ سادس نص مصاحب, هو العناوين الفرعية للنص, وقد بلغت 12 عنوانا, ترتبط ارتباطا وثيقا مع العنوان الرئيس, كما أنها خادمة له في انفتاح القارئ على النص, ونظرا لضيق الوقت, فسوف اختار العنوان الفرعي الأول منها, كنموذج للدراسة.
وعنون الفصل الأول من الرواية, بعنوان موسوم بـ " خطي بشفتيك على صدري صبر النخيل", فليس من باب الاعتباط تصدير محبة أدرار, التذكير بمكانة النخلة وفضلها على أهل أدرار, لكونها أول شيء يخلق في الوجود, بعد آدم وحواء هذا من جهة, ومن جهة ثانية لأن الأدراريين, والتواتيين في القديم, قد التمسوا من عمتهم النخلة مصادر لاستقرارهم وعيشهم, فمنها تصنع أبواب بيوتهم, ومنها تسقف مساكنهم, ومنها, تخلق نعالهم, ومنها يعيشون ويتقوّتون, وقس على ذلك في كل أمر ضروري في الحياة عندهم, فكان من الطبيعي أن تتصدر محبة أدرار بالنخلة.
واللافت أن المقدمة الافتتاحية للفصل الأول جاءت محبوكة, ومدروسة, ففيها يشم القارئ رائحة تصوف أهل أدرار, حيث يقول الكاتب في مطلع الفصل الأول ما نصه:" استغفر الحق, وارتجي الشفاعة من حبيبه, وابتغي مرضاة الأقطاب, والأولياء, والأئمة, والأوتاد, والحكماء, والصالحين, والصوفية والزهاد, ورجال الرمل والماء, والفقارا, والأعماد, والأحباب والقراء من الأولاد إلى الأحفاد, فإنما أنا للخالق مذعن, وإلى الخلق مركن, وبمرضاة الوالدين الشريفين تمتد لي بساطا من العون أخضر ممعن, وباللغة ملسن, وبالأسماء ممكن, وللمطامع ممهن".

الهوامش:
1ـ جمالية العنوان وفلسفة العنونة ـ محمد صابر العبيد ـ مجلة الأسبوع الأدبي ـ العدد 835 ـ دمشق ـ سوريا ـ 2002 ـ
ص04.

2 ـ ولد سنة 1950 بمنطقة أولاد سيدي عيسى, بنواحي معسكر, ونشأ وشب بمدينة سعيدة, خريج جامعة وهران,اشتغل بالتدريس, والتفتيش التربوي, والصحافة.

3 ـ صدرت بوهران سنة 1997.
4 ـ صدرت سنة 2002, عن طريق دار القصبة بالجزائر.
5 ـ صدرت عن منشورات الديوان الوطني للنشر والإشهار بالجزائر سنة 2002.
6 ـ ذاك الحنين ـ منشورات cmmـ وهران ـ الجزائر ـ ص03.

7 ـ رواية تلك المحبة ـ ص03.

8 ـ سيميائية العنوان ـ شادية شقرون ـ منشورات جامعة بسكرة ـ 2000 ـ ص270.

9 ـ رواية تلك المحبة ـ ص04.

10 ـ المصدر نفسه ـ ص05.

11 ـ المصدر نفسه ـ ص06.

نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 30 ربيع الأول 1433هـ الموافق لـ : 2012-02-22

التعليقات
عبدالله كروم
 الأستاذ الدكتور الصديق/عزيزي وأستاذي.. أشكرك على هذه الإطلالة المستهلة بهذه الصفحة الأدبية،وصوتك إضافة ابداعية ولمسة فنية ومسحة نقدية، بل صباغة جمالية للقوس الخامس من أقواس مدينة أدرار..رواية تلك المحبة صينية شاي بنكهة أدرارية/عالي التركيز..قمت يا أستاذ بالكشف عن مقدمات طقوسه،وأنت وحدك عتبة من عتبات التاريخ والأدب والثقافة لولاية أدرار والجزائر جمعاء..أتمنى لك التوفيق والنجاح.
من نهر الحب الذي لا ينضب تغترف مع الحبيب كؤوس المحبة حد الثمالة..ودي  


بشير خلف
 أشكرك دكتور على هذا الموضوع القيم وأنت ابن المنطقة تعرف أسرار إنسانها وطبيعتها..كما أنت الباحث المجد ..لقد استفدت كثيرا من موضوعك وقرّبتني أكثر لسرديات الصديق الحبيب السايح ..قربتني لرواية " تلك المحبّة" التي تكلّم عنها الدكتور بشير بويجرة في مداخلته القيمة التي قدّمها في ملتقى القصة والرواية بمدينة أدرار في شهر ديسمبر الفائت وكنت حاضرا في هذا الملتقى..قربتني أكثر إلى عوالم الحبيب وأنا الذي أهداني روايته" زهوة" وأرسلها إليّ إلى الوادي وأتعبتني ولكن تعبها كان ممتعا لأنها نص مخضّب بالغرائبية و" تفتيق" اللغة وهتك سرّها ..بعد قراءتها مرتيْن كلمته وقلتُ له : رواياتك وبخاصة آخرها" زهوة" تجعلني أقول لك : إنك غير كريم تشحّ على الكسالى بإبداعك ..لماذا؟
كل ما قلته في موضوعك كان رائعا ليس في ما جاء به من مفاهيم نظرية فحسب إنما في الوقوف عند كل عنصر وتشخيصه، وإعطاء المثل له ..شكرا دكتور وهنيئا لأدرار الحبيبة بكم، وبأمثالكم كالأستاذ عبد الله وغيرهم. 


د/الصديق حاج أحمد
 إلى الأخوين/ عبدالله كروم وبشير خلف
شكرا لكما هذاالشعور. 


الطالبة دلال ام البواقي
 اشكرك اتمنى ان تفيدني اكثر في موضوع سيميائية الشخصيات الطعنات لطاهر وطار لانه موضوع دراستي افيدوني جزاكم الله

 


ميلس بوحفص
 الكاتب ميلس: الموضوع فعلا ممتع و يدعوك ـمرغماـ للقراءة عدة مرات ، لأسلوبه الجميل الذي يربط عناصر الموضوع كصورة عضوية واحدةرغم ثقل المفاهيم و المعاني و التي أحيانا قد لا تقبل التفاعل و بمهارة كبيرة في الصياغة و ترتيب الأفكار ينقلنا الدكتور الصديق الى موضوع جديد الإهتمام وجدير به... و إسمح لي بهذه الملحوظة البسيطة: لم تقيم المضمون بنفس الطريقةالتي صورت بها الشكل و من خلال معرفتي الشخصية للحبيب أن مضمون الرواية هو النقلة الحقيقية ،و ردت السايح الى الحبيب أليس كذلك صديقي الحبيب ؟ ،،،،،بقلم بوحفص .  


د/ الصديق حاج أحمد
 أولا شكرا لك أخي مليس على الاثراء الموضوعي، وإن كنت أجزم أن ما تحدث عنه النص في تلك المحبة، قد عشته ولامسته، في طفولتي وشبابي الاول والثاني، أشكرك مرة أخرى على تدخلك، وممتنا لك. 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

تهنئة

بحلول السنة الهجرية 1436 تتقدم اصوات الشمال بتهانيها للأمـةالاسلامية راجية من الله سبحانه ان يكون عام رخاء ونماء وعام سلم وسلام

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
عندما تكون الرياضة هزيمة ودموع
السيد : علي الزاغيني
عندما تكون الرياضة هزيمة ودموع


المجاهد سَعْدُ الْعَسْكَرِي ..ذَلِكَ الصقر المنتفض... /قصة قصيرة
بقلم : محمدالصغير داسه
  المجاهد سَعْدُ الْعَسْكَرِي ..ذَلِكَ الصقر المنتفض...   /قصة قصيرة


تعزيـــة
عن : اصوات الشمال
تعزيـــة


البساطة تصنع الرجال و الأبطال
بقلم : نصيرة عمارة
البساطة تصنع الرجال و الأبطال


محاولة لشرح امرأة
بقلم : محمد جربوعة
محاولة لشرح امرأة


العظمة والوطن والقدر في قصيد( وليمة الانتصار)...للشاعرة الجزائرية سليمة مليزي
الدكتور : د.حمام محمد زهير
العظمة والوطن والقدر في قصيد(  وليمة الانتصار)...للشاعرة الجزائرية سليمة مليزي


( بنُو سُلَيم بالجزائر ) إصدار جديد للباحث فوزي مصمودي
بقلم : حميد نجار
( بنُو سُلَيم بالجزائر ) إصدار جديد للباحث فوزي مصمودي


((تدويحة مهد لتوأمي))!!!
الشاعر : فضيلة زياية ( الخنساء)
                                                              ((تدويحة مهد لتوأمي))!!!


بنية الخبر في قصة "انتفاضة" لنبيل عودة
بقلم : د. أفنان القاسم
بنية الخبر في قصة


الرمزية في الشعر العربي المعاصر
بقلم : د فالح الحجية
الرمزية في الشعر العربي المعاصر




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1436هـ - 2014م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com