أصوات الشمال
السبت 11 رمضان 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * الفرد والتاريخ في فلسفة جورج بليخانوف   * من سيخلف محمود عباس ..؟؟   * قُمْ يَا صَلَاحُ وَأَنْقِذِ الْقُدْسْ الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه..شاعر العالم    * جزائر الألم والندم   * المقاهي الأدبية .. مجالس الأنس، ومنبع التثاقف   * لازلتُ ارسمُ وجهك   * الدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة من كلية الآداب بجامعة عنابة يُصدر كتاب: «أبحاث ودراسات في أدب الخليج العربي»   * عودة النوارس   * أبو طالب خير سندٍ للاسلام و خير عمٍ لنبي الإسلام    * أمل مرقس في تسجيل وتوزيع جديدين لأغنيتها القديمة " لا أحد يعلم "    * في الحاجة إلى زعيم... جزائر 2018   * الحركة الاصلاحية و التربيو بمطقة عزابة بسكيكدة   * اضاءة على رواية "فيتا .. أنا عدوة أنا " للروائية ميسون أسدي   * أرض تسكن الماضي   * لسَعَاتُ..اللوْم.. وطعَناتُ الْعِتابِ.!! / الحلقة: 03   * حفريات دلالية في كتاب ” الفلسفة و البلاغة .. مقاربة حجاجية للخطاب الفلسفي ” لــدكتور عمارة ناصر   * بين غيابين: (الذين عادو إلى السماء) مهرجان شعري بامتياز   * بيت الشعر الجزائري بالبويرة يحي أربعينية شهداء الطائرة المنكوبة   * كأس الردى   * يا ابن التي....؟ !    أرسل مشاركتك
المدينة في الشعر النسوي الجزائري : تجربة الشاعرة ( منيرة سعدة خلخال ) نموذجا.
بقلم : الدكتور أحسن ثليلاني
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 4695 مرة ]
د.احسن ثليلاني

يبحث هذا المقال في تجليات حضور المدينة في الشعر النسوي الجزائري ، و ذلك من خلال دراسة تجربة واحدة من أهم أعلام الحركة الشعرية الجزائرية من الجيل الجديد ، الذي تبنى شكل القصيدة النثرية قالبا ، مثلما تبنى مغامرة الحداثة فضاء ، إنها الشاعرة ( منيرة سعدة خلخال ) شاعرة المجاز كما تلقب

مهـاد :
ترتبط هذه الدراسة في منطلقها العام بفكرتين أساسيتين ،هما ( المدينة في الشعر ) من جهة ، و ( الشعر النسوي ) من جهة أخرى ، و هما فكرتان مستحدثتان في الشعرية العربية ، و نعتقد أنهما من نتائج الاتصال بالحضارة الغربية .
و توخيا للدقة و المنهجية ، فإنه يتوجب علينا في البداية أن نقف عند مفهوم هاتين الفكرتين ، ففي تعريفه لشعر المدينة ، يذكر إبراهيم رماني – فيما يرى ( ج.ه.جونسون j.h.johnson ) أنه ذلك " الشعر الذي يصف مدينة واقعية وصفا مباشرا ، أو يصف البشر الذين تتأثر حياتهم بتجربتهم في تلك المدينة تأثرا واضحا " 1.
إن فكرة شعرية المدينة - مثلما يؤكد رماني – هي امتداد لشعرية المكان ، أي المدينة / المكان كما هي في الواقع ، وكذلك المدينة / المكان كما يشكلها (ه) الشاعر ، و يتخذها (ه) مرآة تعكس العالم و موقفا من حركة التاريخ. 2
غير أن امتداد فكرة شعرية المدينة ، مع فكرة شعرية المكان لا ينبغي له أن يجعلنا نغفل حقيقة أن موضوع المدينة في الشعر فكرة شديدة المعاصرة ، ترتبط بالقرن العشرين و منجزاته ، فالشعر المعاصر ينطلق من مفهوم حضاري في تصور جديد للكون و المجتمع و الإنسان ، بفعل من الثورة العالمية في مستوياتها الاجتماعية و الفكرية و التكنولوجية 3.
أما الشعر النسوي فهو يختلف في مفهومه عن شعر المدينة ، من حيث كونه ليس ذلك الشعر الذي يكون موضوعه المرأة كما قد يتبادر إلى الذهن ، و لكنه الشعر الذي تنتجه المرأة ، و الذي قد نجده بتسميات متعددة على غرار الشعر النسوي أو النسائي ، و شعر المرأة أو شعر الحريم أو الشعر الناعم و غيرها ، و هو تصنيف ظهر حديثا في سياق النضال التحرري الذي خاضته المرأة من أجل انتزاع حقوقها المهضومة بفعل سيطرة الذكورة في المجتمعات البشرية.
و لعل السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه في هذا المقام ، يتمثل في طبيعة العلاقة القائمة بين المدينة كمنجز حضاري و الشعر الذي تكتبه المرأة أو الشعر النسوي ؟
إن نظرة فلسفية عميقة في طبيعة المجتمعات البشرية لا بد و أن تكشف لنا حقيقة ارتباط المرأة بالمكان ، حتى لكأن المكان لا يكتسب مدلوله و ذاكرته بمعزل عن حضور المرأة فيه ، المرأة هي أساس الأسرة و المجتمع ، إنها الرحم و الأرض و الوطن ، هي السكن و هي السكينة ، هي المدينة : سرها و سحرها في الوقت نفسه . و لأن الأمر كذلك فليس عجيبا أن تكون كل الصيغ اللفظية الدالة على المدينة هي صيغ مؤنثة ، كقولنا المدينة و الحاضرة ، بل إن أسماء المدن العربية و حتى العالمية هي أسماء مؤنثة ، كقولنا الجزائر البيضاء ، و القاهرة المحروسة ، و تونس الخضراء .
إننا لا نزعم أن الرجل ريف في خشونته و غلظته و رعونته ، و لكننا نزعم أن المرأة مدينة في رقتها و لطافتها و جمالها .
لقد سيطر الصوت الذكوري على عموم الشعر العربي ، حتى أن من أكثر المصطلحات شيوعا في الشعرية العربية هو مصطلح الفحولة ، و هو مصطلح مشتق من الفحل ، أي الذكر من الإبل القوي جنسيا و القادر على الإنجاب ، مما يدل على أن صناعة الشعر في عرف العرب لا يقدر عليها إلا الرجال من دون النساء ، و لذلك لاحظ يوسف وغليسي أن حضور المرأة في فضاء الإبداع الأدبي الجزائري لا يزال حضورا باهتا جدا لا تتجاوز نسبته 10% بالمقارنة مع حضور الصوت المذكر .4
إن التقدم الحضاري قد أخذ يعطي للمرأة مكانتها اللائقة في المجتمع ، و لأن هذا التقدم قد انبنى أساسا على الانتقال بالإنسان من طابع البداوة إلى قيم المدنية ، فإن فكرة المدينة في الشعر قد تساوقت بشكل منطقي مع فكرة الشعر النسوي . فإذا جاز لنا أن نقول بأن الرجل هو شاعر االريف دون منازع ، فإن المرأة بالمقابل هي شاعرة المدينة بكل جدارة ، و لأن المرأة هي الأقرب لروح المدينة ، فمن الطبيعي أن يكون حضور المدينة في الشعر النسوي قويا و ذا دلالات متعددة . المدينة في شعر منيرة سعدة خلخال:
لعله من المفيد أن نشير في هذا المقام إلى ملاحظتين عامتين و لكنهما هامتان ، تتعلق الأولى بحداثة عمر التجربة الشعرية النسائية في الجزائر ، حيث لاحظ عبد الملك مرتاض أن هذا العمر لا يتجاوز السبعينات من القرن الماضي مع صدور أول ديوان شعري سنة 1969 بعنوان ( براعم ) للشاعرة مبروكة بوساحة ، تلته أعمال أخرى لأحلام مستغانمي و ربيعة جلطي و زينب الأعوج ابتداء من الأعوام السبعين ، من القرن العشرين 5 .
و تتعلق الثانية بصورة المدينة في الشعر الجزائري الحديث بوجه عام ، حيث يذكر إبراهيم رماني أن مفهوم المدينة لدى الشاعر الجزائري قد ارتبط برمز الاستعمار ، ففي الوقت الذي نجد فيه الشاعر الرومانسي يقوم برفض المدينة لأنها رمز الصناعة و الاستغلال ، و يهرب إلى الطبيعة لأنها رمز الخير و الجمال ، فإن الشاعر الجزائري يرفض المدينة لأنها رمز الاحتلال ، و في مقابلها يهرب إلى الريف لأنه رمز الأصالة و الهوية ، و لذلك حفل الشعر الجزائري المواكب للثورة بتمجيد الجبال لأنها حصون الأحرار6 .
و انطلاقا من هاتين الملاحظتين يمكننا أن نخلص إلى أن حضور المدينة في الشعر النسوي الجزائري قد بدأ يتأسس متفاعلا مع إعادة تشكل الوعي السوسيو ثقافي للمجتمع الجزائري بعد الاستقلال ، و ذلك على مستوى نهضة المدينة الجزائرية و استعادة هويتها العربية الإسلامية من جهة ، وعلى مستوى ترقية الواقع الاجتماعي و الثقافي للمرأة الجزائرية من جهة ثانية . و لذلك ليس غريبا أن يتجلى حضور المدينة في الشعر النسوي الجزائري بأكثر قوة لدى الأصوات الشعرية الجديدة من جيل الثمانينات و التسعينات من القرن الماضي ، و في هذا المجال يمكننا أن ندرج تجربة الشاعرة منيرة سعدة خلخال بوصفها من أهم التجارب الشعرية النسائية الجزائرية التي صورت موضوع المدينة ، ذلك أن المدينة " إطار مكاني لما يجيش به المجتمع من الحركة و التشكل المستمر للقيم و أنماط الحياة ، و ليس هذا فقط بل هي عمق للحركة و التشكل ، و باعث لهذه الحركة و محصلة لها في نفس الوقت "7.
في رصيد الشاعرة منيرة سعدة خلخال من الدواوين الشعرية حتى الآن ثلاثة هي على التوالي :
1- (لا ارتباك ليد الاحتمال8 ) .
2- (أسماء الحب المستعارة9 ) .
3- (الصحراء بالباب 10 ) .
إن عموم قصائد هذه الشاعرة عبر دواوينها الثلاثة لا تخلو في الحقيقة من تصوير لموضوع المدينة ، غير أن حضور هذا الموضوع يبدو بأكثر قوة و كثافة و تنوع في الدلالات بصفة متباينة من ديوان إلى آخر ، و إننا يمكن أن نتلمس صور حضور المدينة في شعر ( منيرة سعدة خلخال ) من خلال التجليات الآتية :
1- تمجيد المدينة و التغني بجمالها:
إن الدارس لما تضمنه ديوان : ( أسماء الحب المستعارة ) ، و هو ديوان كبير نسبيا حيث يبلغ عدد قصائده 34 موزعة على 137 صفحة من الحجم المتوسط ، لا بد و أن يلاحظ حضور المدينة فيه: المدينة الواقعية ممثلة في مدينتي قسنطينة و الجزائر العاصمة ، و المدينة اليوتوبيا ، أو المدينة الفاضلة مثلما تتجسد في وجدان الشاعرة و تحلم بها في مخيلتها .
إن مدينة قسنطينة أو سيرتا هي مسقط الرأس بالنسبة للشاعرة ، إنها منبتها و مرتع طفولتها و محل إقامتها ، فيها ولدت بتاريخ 08-08-1970 ، و فيها عاشت و تعيش و تعمل و تقيم إلى يوم الناس هذا ، أما مدينة الجزائر فقد انتقلت إليها ، و أقامت فيها بضع سنوات لإتمام تعليمها الجامعي الذي توجته بالحصول على شهادة الليسانس في علوم الإعلام و الاتصال من جامعة الجزائر سنة 1993 . إننا نجد هاتين المدينتين حاضرتين بقوة في دواوين الشاعرة سواء داخل القصائد أو خارجها ، حيث دأبت الشاعرة على ختم قصائدها بملاحظات تتضمن التأريخ لها زمانيا و مكانيا ، حتى لكأن الشاعرة لم تتأثر بأية مدينة في حياتها ماعدا قسنطينة و الجزائر العاصمة ، و أن شيطان الشعر لم يزرها إلا في قسنطينة و الجزائر العاصمة ، مادامت كل نصوص الديوان مكتوبة في واحدة من هاتين المدينتين ، ما عدا نص واحد بعنوان ( ألق ) كتب في مدينة وهران .
يلاحظ المتصفح لديوان ( أسماء الحب المستعارة ) أن (شاعرة المجاز ) كما لقبها يوسف وغليسي11 لا تذكر اسم مدينة الجزائر العاصمة صراحة في عناوين قصائدها ، و لكنها في مقابل ذلك تذكر مدينة سيرتا في عنوانين هما : ( فيروز سيرتا و الشاطئ الحزين ) و ( سيرتا و أنا ) .
إن الشاعرة تتباهى بجمال قسنطينة ، فتمجد هذا الجمال و تخلع عليه من الصفات و المعالم ما يعبر عن عشقها لهذه المدينة الساحرة ، حيث تقول في قصيدة (فيروز سيرتا و الشاطئ الحزين) :
"كي تعرف أن لسيرتا موانئ و أشرعة
و حبات رمل و شمس محرقة
أصيل متيم
و نوارس لا تهجر إذا جاء المساء شطآنها
هديرا يسبح للألفة
يفتح شبابيك القلب العتيقة
لتزقزق عصافير الروح
في برية الكلام المباح
ليخفق العمر
من جديد"12
إن الشاعرة في هذا المقطع تقوم بتمجيد مدينة قسنطينة ، فتتغنى بجمالها ، و تخلع على هذا الجمال من الصفات و المعالم الطبيعية ، ما هو ليس في الحقيقة مما تملكه مدينة قسنطينة في الواقع ، حيث جعلت لها الشاعرة موانئ و أشرعة و رمال و نوارس لا تهجر الشطآن ، و كأن قسنطينة مدينة ساحلية تقع على ضفاف البحر في حين أنها في الواقع مدينة داخلية .
إن هذا المقطع يعبر عن حنين الشاعرة لمدينة قسنطينة و شوقها العارم إليها خاصة و نحن نلاحظ أن هذه القصيدة قد كتبت في ابن عكنون بالجزائر العاصمة ، و كأن الشاعرة تحمل عشق قسنطينة بين جوانحها حيثما حلت و ارتحلت ، و أن هذه المدينة تكبر في أعماقها حتى لتراها كاملة الأوصاف و الملامح و المعالم .
2- التعبير عن الشعور بالاغتراب في المدينة :
منيرة سعدة خلخال شاعرة قسنطينية صميمة كما ذكرنا آنفا ، و نحن إنما نلح على هذه المعلومة لنؤكد على أن شاعرتنا مدينية المولد و المنشأ ، و هي بذلك تختلف عن كثير من شعراء الجزائر من أبناء البوادي و الأرياف و الصحاري ، فإذا كان انتصار هؤلاء للريف على حساب المدينة يعبر عن رد فعل رومانسي أو إيديولوجي ، فإن إحساس شاعرتنا بالوحدة و الاغتراب في مدينتها التي ولدت فيها و عاشت و ما زالت تعيش ، إنما يعبر عن موقف نفسي يعتبر " المدينة واقعا مسطحا ينعكس على وجهه تمزق الشاعر أو التوتر الوجودي بينه و بين المدينة أي مجتمع المدينة على نحو دقيق "13 ، ففي قصيدة ( سيرتا و أنا ) تعبر الشاعرة عن اغترابها و إحساسها بالوحدة في مدينة قسنطينة حيث تقول :
"عن مدينة تحل بي
توقظ في جرحها الأول
تفرد لي سحنة البجع الرائد
في السفر الكاسر
و النواح..
مدينة أعارتني اسمها المكبل بالتيه
و المواويل الحزينة
أجازت لي الوحدة
كل الوحدة ..
و اشرأبت بالغياب"14
في هذا المقطع تعبر الشاعرة عن حزنها المفرط و هي تعيش في قسنطينة ، هذه المدينة التي سكنت أعماق الشاعرة ، فسقتها الجراح و ملأت سمعها بالنواح و المواويل الحزينة ، ثم سيجت حياتها بالوحدة القاتلة .
غير أننا نعتقد أنه و على الرغم من ضيق الشاعرة بمدينتها و شعورها بالوحدة و الاغتراب فيها ، إلا أن الشاعرة لم توفق في تشخيص حالة الصراع بين ذاتها و بين المدينة ، بحيث تدخل الذات الشاعرة في حالة صراع و تناقض مع المدينة و قيمها و أوضاعها ، مثلما نجد ذلك في الشعر الغربي ، و هي ظاهرة تكاد تشمل عموم الشعر العربي ، و تأكيدا لهذا الحكم يمكننا أن نستدل بما ذكره إحسان عباس في كتابه ( اتجاهات الشعر العربي المعاصر ) حيث لاحظ بأن علاقة الشعر العربي بالمدينة لم تعبر عن صدمة حضارية ، و أن الموقف الحضاري إذا كان موجودا في بعض القصائد فإنه يعبر عن نفسه من خلال الموقف الإيديولوجي إزاء المدينة و تناقضاتها .15
و هي الملاحظة نفسها التي يؤكد عليها كثير من الدارسين الذين يعتقدون بوجود فرق كبير بين المدينة الغربية و مثيلتها العربية ، كما يفرقون بين شعر المدينتين ، فرفض المدينة و هجاؤها في الشعر العالمي مثلا هو موقف نابع من ثورة صناعية انتزعت إنسانية الإنسان ، فالشعر الأوروبي يواجه الخطر الذي يراه قادما من الهجوم الحضاري ، أو من عدم انسجام الشعر و العصر ، مما يجعل الشاعر يتراجع عن مكانته .16
و لذلك نجد الشاعرة في ختام قصيدتها ، تتراجع عن موقفها الرافض للمدينة ، بل على العكس من ذلك فهي تفضل الانتصار لمدينتها ، و الرضا بما هي عليه فيها ، حتى و لو كان ذلك على مضض ، إنها في هذه الحالة مثل ذلك العاشق الذي تنتابه لحظات من الضجر من معشوقه ، و لكنه في الوقت نفسه سرعان ما يعود إلى أحضانه بأكثر عشق و محبة ، فالشاعرة لا تتوانى عن الاعتراف بعشق قسنطينة ، هذه المدينة التي سكنت وجدانها ، حيث تعبر عن ذلك في ختام قصيدة " سيرتا و أنا "قائلة :
" سيرتا
و أنت الاستفاقة الأولى ..
المرج المتنامي
المتخطي عتبة هذا القحط
السنونو الأول المقتحم
نضارة هذا.. القلب !
ناوليني رجائي إليك
إغفلي هذا الذهاب عني
و اعذري السلام المرتعش
خذيني إليك
و أنت الضفة الأخرى لشهقتي المحتبسة
بمقلة غربة دهرية..
أكتبي لي كل عناوين القسوة
و دعيني أحبك
كما أنت
جسرا و نبضا
إليك يهدياني ..
التي أنت "17
و الملاحظ أن هذه القصيدة أيضا قد كتبت في (ابن عكنون ) بالجزائر العاصمة ، و لذلك يمكننا أن نقول بأن الشاعرة منيرة سعدة خلخال تحمل عشق قسنطينة في قلبها و نبضها حيثما حلت و ارتحلت ، و لعلها تزداد حبا و شغفا بمدينتها كلما ابتعدت عنها أو سافرت إلى مدينة أخرى.
3- نقد المدينة و تصوير المأساة الوطنية :
في ديوان ( الصحراء بالباب ) و هو أقل حجما من سابقه ( أسماء الحب المستعارة ) حيث يضم أحد عشر ( 11 ) نصا فقط موزعة على ثمانية و خمسين ( 58 ) صفحة من الحجم المتوسط ، في هذا الديوان نجد واحدة من أقوى قصائد الشعر الجزائري المعاصر ، و أكثرها تعبيرا عما ألم بالجزائر خلال عشرية الدماء و الدموع ، و قد اختارت الشاعرة لهذه القصيدة عنوانا فجائعيا هو ( أصداء الزنزانة 25 ) ، و يبدو أن الشاعرة قد عمدت إلى تشخيص الحالة المأساوية التي آلت إليها الجزائر عامة و مدينة قسنطينة خاصة ، فجعلتها سجينة داخل زنزانة ، و صورتها مدينة ضربها زلزال عنيف ، فتحققت فيها رؤيا المرحوم الطاهر وطار في روايته ( الزلزال ) ، حيث تقول الشاعرة في هذه القصيدة :
"و المدينة مقلوبة
عزيز خطبها ، أخاذ !
عائم في صقيع الصمت المسنون
............
رؤيا عمي الطاهر تتمطى / سباقة/
في خيال الوقت
يقرع طبول المهزلة"18
إن الشاعرة في هذه القصيدة تنتهج أسلوبا حداثيا في استعمال التناص ، و الانفتاح على نصوص الآخرين ، إذ لا تكتفي فقط باستدعاء رؤيا شخصية ( بولرواح ) في رواية ( الزلزال ) للطاهر وطار ، بل تعمد إلى توظيف عدد من الأصوات لتصوير ما ألم بالمدينة من خراب ، فنجد توظيف التراث الشعبي في مناجاة ( سيدي راشد ) و ( سيدي مسيد ) ، و نجد توظيف صوت (كاتب ياسين ) في رواية ( نجمة ) ، و هو ما جعل الشاعرة تفلح في رسم لوحة تراجيدية صادقة لما ألم بقسنطينة و بالوطن كله ، فتقول :
"تعلقت ببال العمر أسئلة جسور سبعة
توارثت أجيال النسيان أسرار نجمة
أفل المجيء إليها
و شاع الدوار المقصور على غواية السباحة
نصب طموحات ( الريميس )
و ( سيدي مسيد ) يرفع تواشيحه البلسم
عن أماني اللواتي تكحلن بماء ( النشرة )
فتتفرك عند بوابة الحصن الثامنة
عناقيد ألغام متفاوتة الغدر
من كهوف البقاء
من يذكر سيرتا ؟
من علمها كل هذا الاختفاء ؟
من أخرس الوهج في دقاتها ؟
من سمح بتقطير الدفلى في عروقها ؟
من انتحل زرقة صباحاتها و أدماها ؟
ثم من أفناها ؟
و أضرم في الكون هذا الحريق ؟ "19
إنها تشير بأصابع الاتهام إلى آفة الإرهاب الأعمى الذي عصف بالوطن ، فسقاه بدل الماء ألغاما غادرة ، جعلت سيرتا سجينة في غيابات النسيان ، و الشاعرة تتساءل بلهجة المتعجب المستنكر عن الجهة أو الجهات التي منحت قسنطينة مكان الوردة سكينا ، فأدمتها و أفنتها و أضرمت في الكون حريقا مهولا .
4-رثاء المدينة لما ألم بها من كوارث طبيعية :
رثاء المدن غرض معروف في الشعر العربي عامة ، و الأندلسي منه خاصة ، و ذلك بسبب ما أصاب المدن العربية الإسلامية من نكبات ، فكتبت القصائد في رثاء بغداد و البصرة و طليطلة و إشبيلية و قرطبة ، لكن الشاعرة منيرة سعدة خلخال في قصيدتها الموسومة بعنوان ( خارج النهار ) تقوم برثاء مدينة الجزائر العاصمة جراء نكبة الفيضانات التي ألمت بحي ( باب الوادي ) ، و هي النكبة التي أحدثت خسائر كبيرة في الأرواح و الممتلكات ، و خلفت حالة مريعة من الآلام و الدموع ، تقول الشاعرة:
" لماذا تشرع ( البهجة ) باب الواد لتغرق ؟
لماذا يستعرض البحر نقمته ؟
لماذا تنحاز الأمطار إلى جيش النكبة ؟
و لماذا تستأثر الصورة – دائما – بوهج التعليق ؟"20
الملاحظ أن الشاعرة تحسن استعمال صيغة الاستفهام بغرض التعجب ، فهي تتعجب من إقدام البهجة أي الجزائر العاصمة : مرتع السعادة ، على إغراق باب الواد ، و تتعجب من نقمة البحر على عشاقه ، و انحياز الأمطار للخراب و هي التي كانت دائما رمز الخير و الرزق . و الشاعرة في كل ذلك ترثي مدينة الجزائر و تبكي على حي باب الواد .
5-المدينة و أثرها في البنية الشعرية العامة:
للبيئة تأثيراته على شعرية الشاعر ، فقد لاحظ النقاد أن لغة الشاعر و أسلوبه و خيالاته و صوره و إيقاعاته و غيرها من العناصر التي تشكل الريبيرتوار الإبداعي لديه ، تتأثر كلها بالمحيط الطبيعي الذي يعيشه ، و إننا يمكن أن نلاحظ صحة هذه المقاربة من خلال معاينة شعر الصعاليك في الجاهلية ، و كيف أن خشونة المعجم اللغوي في أساليبهم مثلا ، يعكس خشونة الحياة التي كانوا يعيشونها في الجبال و المغارات ، و على العكس من ذلك يمكننا ملاحظة عذوبة المعجم اللغوي و رقة الأساليب و الإيقاعات في الشعر الأندلسي ، و هي ظاهرة تعكس أثر رقة الحياة الأندلسية و ليونتها على شعرية الشاعر ، انطلاقا من هذه المقاربة البسيطة يمكننا أن نفرق بين شعر الريف و شعر المدينة ، فنزعم بوجود شعرية بدوية خشنة ، تقابلها شعرية مدينية رقيقة .
إن الدارس لعناصر الإبداع الشعري في تجربة منيرة سعدة خلخال ، سيلاحظ لا محالة أثر المدينة على طبيعة التشكيل الموسيقي في شعرها ، و على طريقتها في التعبير و التصوير ، و لعل أول ملاحظة في هذا المجال تتمثل في اصطناع الشاعرة تشكيلا موسيقيا قوامه القصيدة النثرية ، و هو اختيار حداثي يتفاعل مع روح المدنية و التطور الحضاري و الأدبي ، إذ من الواضح أن الشاعرة لا تراهن على العناصر التقليدية من وزن وقافية في تحقيق شاعريتها ، و لكنها تراهن على الشعرية في تحقيق هذا الرهان ، و لذلك عمدت إلى اللغة تشكلها بطريقة جديدة فتخلق منها صيغا و معان شعرية رائدة ، كقولها في قصيدة ( ماء الشط ) المنشورة في ديوان ( لا ارتباك ليد الاحتمال ) :
"عندما تختلف المواسم عن ركب اللون
و تبتهج غيبة لحلول الصمت
ثلج البون
تختزل الوردة كل الورد
تتهاطل من مزن العين أحلاما
فواحة تنفث في الكون أسرار المد
يا معاني الرحيل فيك يا شاطئا له السوسن أجمل حد ..
و أودع فيك رمادي
و أودع فيك الأرق
و أوشك أهتدي إلى مثواي فيك
هذا الصدى
هذا الند"21
إننا نلاحظ في هذا المقطع المعبر عن أغوار الروح و نفحات الوجدان وجود عدة تطريزات لغوية ذات نسوج شعرية جديدة و جميلة مثل : ( ركب اللون ) و ( ثلج البون ) و ( تهاطل الأحلام من مزن العين ) و غيرها من التعابير المجازية الرائعة ، كما نلاحظ اصطناع الشاعرة تشكيلا موسيقيا قوامه الموسيقى الداخلية الناتجة عن حسن تجاور الحروف في نظام الجملة ، و حسن تجاور الكلمات في نظام الجملة ، ثم اصطناع الأسجاع اللائطة بالأسماع في نهاية الأسطر من مثل ( الورد ، المد ، حد ، الند ) ، حتى لكأن الشاعرة هاهنا تعزف مقطعا من المالوف القسنطيني الجذاب عبر إيقاعات تهتز و تمتد في تناغم جميل. و لذلك فإننا نشاطر عزالدين ميهوبي فيما ذهب إليه حينما كتب على غلاف ديوان ( لا ارتباك ليد الاحتمال ) فقال " لمنيرة سعدة خلخال فضاؤها الشعري الذي يتقاطع مع فضاءات اللغة و الروح و الإشراق ..عندما تقرأ نصها تشعر و كأنها اختارت غمامة في سماء بعيدة و راحت تكتب عن الأشياء التي تخترق أعماقها بشدة ..فهي تنحت من لغة جميلة نصوصا راقية فيها من الدهشة ما يجعلك تصنفها ضمن شعراء الحداثة الواعية المدركة لأبعاد المعنى ، المفتوحة على أزمنة الذات و احتراقات الآخر ."
و مما تقدم يمكننا أن نخلص إلى أن البنية الشعرية العامة لدى منيرة سعدة خلخال هي بنية مدينية طموحها تحقيق الشعرية بالمراهنة على القصيدة النثرية .
الخلاصة :
رأينا أن المدينة امتداد لشعرية المكان ، يشكله الشاعر و يتشكل داخله وفق صور متعددة ،و لقد لاحظنا من خلال دراستنا لشعر منيرة سعدة خلخال ، أن للمدينة حضورا قويا في نصوصها ، و يتوزع هذا الحضور ليتمظهر عبر تجليات و دلالات مختلفة ذكرنا منها ما يلي:
- تمجيد المدينة و التغني بجمالها .
- التعبير عن الشعور بالاغتراب في المدينة .
- نقد المدينة و تصوير المأساة الوطنية .
- رثاء المدينة لما ألم بها من كوارث طبيعية .
- رفض قالب الشعر العمودي بخصائصه و مقوماته الفنية المعروفة ، و المراهنة بالمقابل على شكل القصيدة النثرية و على الحداثة في الإبداع الشعري.
و صفوة القول فإن الشعر الجزائري من خلال تجربة منيرة سعدة خلخال قد انتقل من مرحلة الانتصار للريف و رفض المدينة بوصفها رمزا للاستعمار و معقله ، إلى مرحلة استيعاب المدينة و تمجيدها و اتخاذها مرآة تنعكس أغوار الذات على صفحتها ، كما انتقل من سيطرة التيار الإحيائي في الشعر الجزائري المشبع بالتقليد و طغيان الشكل العمودي عليه ، إلى مرحلة التجديد و الحداثة بتبني رهان القصيدة النثرية ، و هو رهان نراه يتجاوب مع روح المدينة و إيقاعها العميق القرار.

الهوامش :
1 - إبراهيم رماني : المدينة في الشعر الجزائري 1925-1962 ، موفم للنشر ، الجزائر 2002 ، ص 5.
2 - المرجع نفسه ، ص 5.
3- د .مختار علي أبو غالي : المدينة في الشعر العربي المعاصر ، سلسلة عالم الممعرفة ، رقم 196 ، مطابع السياسة – الكويت 1995 ، ص 10.
4- يوسف و غليسي : خطاب التأنيث ( دراسة في الشعر النسوي الجزائري و معجم لأعلامه ) ، منشورات محافظة المهرجان الثقافي الوطني للشعر النسوي ، قسنطينة – الجزائر 2008 ، ص ص 51 - 52 .
5 - د-عبد الملك مرتاض : معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين ، دار هومة ، الجزائر 2007 ، ص 46 .
6- إبراهيم رماني : المدينة في الشعر الجزائري ، ص 339 .
7- د .مختار علي أبو غالي : المدينة في الشعر العربي المعاصر ، ص 75.
8 - منيرة سعدة خلخال : لا ارتباك ليد الاحتمال ، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين ، سنة 2002.
9 - منيرة سعدة خلخال : أسماء الحب المستعارة ، منشورات أصوات المدينة ، قسنطينة – الجزائر سنة 2004.
10 - منيرة سعدة خلخال : الصحراء بالباب ، منشورات أصوات المدينة ، قسنطينة – الجزائر سنة 2006.
11 - يوسف و غليسي : خطاب التأنيث ( دراسة في الشعر النسوي الجزائري و معجم لأعلامه ) ، ص 308.
12- منيرة سعدة خلخال : أسماء الحب المستعارة ، ص ص 33 -34.
13 - رزاق إبراهيم حسن : المدينة في القصة العراقية القصيرة ، دار الحرية للطباعة ، بغداد – العراق ، سنة 1984 ، ص 11.
14 - منيرة سعدة خلخال : أسماء الحب المستعارة ، ص 75.
15 - إحسان عباس : اتجاهات الشعر العربي المعاصر ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت سنة 1978 ، ص 132.
16 - د .مختار علي أبو غالي : المدينة في الشعر العربي المعاصر ، ص ص 10- 11 .
17- منيرة سعدة خلخال : أسماء الحب المستعارة ، ص ص 77 - 78 .
18 - منيرة سعدة خلخال : الصحراء بالباب ، ص ص 9 – 10.
19 - منيرة سعدة خلخال : الصحراء بالباب ، ص ص11- 12.
20- منيرة سعدة خلخال : الصحراء بالباب ، ص 45.
21 - منيرة سعدة خلخال : لا ارتباك ليد الاحتمال ، ص 27.




نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 29 شوال 1431هـ الموافق لـ : 2010-10-08

التعليقات
جميلة طلباوي
 الدكتور احسن ثليلاني
شكرا على هذا الجهد و على هذا الموضوع القيّم و تحيةخاصة للشاعرة الراقية الجميلة منيرة سعدة خلخال ، و تبقى تلك المدن التي تسكننا وحدها القادرة على تفجير ينابيع الذاكرة لينبض عشب القلب بجمال الأماكن و الطرقات التي عادة ما تؤدي الى الأفراح المؤجلة ...
خالص تقديري و احترامي 


حياة سرتاح
 شكرا للمجهود الطيب اذي بذلته أستاذ ثليلاني
وتحية خاصة للشاعرة الجميلة منيرة خلخال 


أحسن ثليلاني
 الأديبة الصحفية الجميلة( جميلة طلباوي ): شكرا على تقديرك و سابغ كرمك.
الأخت الفاضلة ( حياة سرتاح ) لك مني خالص الاعتزاز و المودة .
بكل صدق أقول لكما أن أكثر شيء يحتاج إليه الكاتب منا: كلمة طيبة تقر بجهده و تشد على يده ، شكرا مرة أخرى.  




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com