أصوات الشمال
الأربعاء 4 ذو الحجة 1439هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * محمد الصالح يحياوي ... شمعة من تاريخ الجزائر تنطفئ ..   * الطاهر وطار في ذكرى رحيله   * خطاب اليقين .   * استهداف المؤسسات الثقافية الفلسطينية    *  عمار بلحسن مثقف جزائري عضوي كبير انتهى الى صوفي متبصر    * تغابن   *  ثـــورة الجيـــاع )   * وطار رائد الإبداع الجزائري و العربي في ذكراه الثامنة ( الجزء الأوّل)   * مَنْ يُدحرجُ.. عن قلبى.. الضّجر ..جمالية الرمز اللانهائى    * أعرفه   * رحيل "رجل بوزن أمة" المجاهد محمد الصالح يحياوي خسارة كبيرة للجزائر   * الإحتباس الحراري و الإحتباس الفكري   * قراءة في مجموعةننن   * حقيقة الصراع مع اليهود   * سكيكدة.. عن التاريخ ،الفن وجماليات السياحة اتحدث   * الكاتبة زاهية شلواي ترُدُّ على سيد لخضر بومدين    * حول الشعر الشعبي   * في مقولة " التشكيل البشري للإسلام عند محمد أركون .."   *  جغرافيات العولـمة -قراءة في تـحديات العولـمة الاقتصادية والسياسية والثقافية-    * شربل أبي منصور في قصائد تعرّي فصول الخطيئة المائية الأولى    أرسل مشاركتك
في ما يعرف بـ"مؤامرة" العقداء أثناء حرب "التحرير": هل هي مؤامرة أم محاولة تصحيحية؟
بقلم : فارس بوحجيلة
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 13242 مرة ]
المصالحة مع التاريخ...

الحديث أو التعرض بالدراسة والبحث لأحداث الثورة التحريرية لا بد أن يتم بعمق مع التوسع في بحث وتحديد الظروف والتطورات الداخلية والإقليمية والدولية المصاحبة لها، فالحادثة التي نحن بصدد التعرض لها جرت شهر نوفمبر من سنة 1958، أي بعد أربع سنوات من انطلاقة شرارة الثورة التحريرية وفي منتصف عمر هذه الثورة الحافلة بالكثير من الأحداث والمنعرجات على المستويين الداخلي والخارجي.

تعرض الأستاذ سليمان عميرات -الباحث في التاريخ المعاصر للشرق الجزائري- في مقال بعنوان "مؤامرة العقداء أثناء حرب الجزائر: كيف خرجت قيادة الشرق عن تعليمات الحكومة المؤقتة؟" نشرته صحيفة الخبر الأسبوعي (عدد 597، من 4 إلى 10 أوت 2010) إلى ما يعرف عند البعض بـ "مؤامرة العقداء" أو "مؤامرة لعموري"، وهنا أبدي ملاحظة أولية حول المصطلحات التي استعملها الباحث، فهو إذا يحكم من خلال العنوان على ما جرى بأنه "مؤامرة"، وكذلك استعماله لمصطلح "حرب الجزائر" بدل "حرب التحرير" أو "الثورة التحريرية"، وهو مصطلح دخيل على الكتابة التاريخية الجزائرية الأصيلة.
الباحث أيضا يقدم لدراسته، بجدل سياسوي يهدف من خلاله إلى الرد على طروحات معينة دون ذكر صاحب هذه الطروحات بالاسم، وكذلك الدفاع عن أحد الأبطال الأموات دون ذكر اسمه وإصدار حكم البراءة في حقه. وهو ما يفقد هذه الدراسة قيمتها التاريخية ويجعلها تصنف في خانة التوظيف السياسوي للكتابة التاريخية، فكتاب الدكتور سعيد سعدي ليس كتاب تاريخ ولم يدّع صاحبه ذلك، بل هو "قصة جزائرية" وظّف من خلالها صاحبها أحداثا وطروحات تاريخية لأهداف معيّنة وكنت قد تعرّضت للأمر في مساهمة سابقة نشرت في نفس العدد من الصحيفة. إذ ليس حريا بالمؤرخ أو الباحث في التاريخ السقوط في فخ الانسياق وراء هذا الجدل العقيم و"المعقم" ظانا أنه يصحح أو يصوب ما ورد في "القصة". بل إن وظيفة المتصدي للكتابة التاريخية الجادة تتمثل في التعرض للأحداث التاريخية دون خلفيات أو أحكام مسبقة بهدف توضيح مجريات الأحداث والبحث عن دوافعها وأسبابها واستخلاص نتائجها. ولا أدري كيف انساق الأستاذ سليمان عميرات وراء ذلك، مع أنه أشار في بداية دراسته إلى الفرق بين البحث التاريخي حول الحقيقة الثورية والنقد السياسي اللاذع.
أما بالنسبة لمعالجة الحادثة التاريخية التي أضحت معروفة تحت تسمية "مؤامرة العقداء"، والتي أفضل التعرض لها تحت تسمية "قضية العقداء" أو "حادثة العقداء"، حتى لا أتبن أي طروحات أو أحكام مسبقة، فالأستاذ الباحث لا أدري هل يستخلص أم يحكم دون تحليل واستقراء بأن الحادثة هي عبارة عن حادثة معزولة لا ترقى إلى محاولة انقلاب جاءت نتيجة وضع داخلي مضطرب وعصيب. كما أنه يؤكد على عدم وجود دلائل تؤكد تنفيذ حكم الإعدام في حق القادة الأربعة لهذه "الحركة"، والواقع بخلاف ذلك في ظل وجود كتابات ومصادر تؤكد العكس.
كما أتفق مع الباحث في عدم وجود أي دلائل أو مصادر لحد الساعة تثبت العلاقة بين الاجتماع الذي عقده بعض عقداء الداخل على تراب الولاية الثانية شهر ديسمبر من سنة 1958، ولا العلاقة بين المهمة التي قادت العقيدين عميروش وسي الحواس إلى تونس والتي استشهدا في الطريق إليها.
هذه الحادثة كنت تعرضت لها في مساهمة سابقة بعنوان "المنطق يقول: لا يمكن أن يكونوا خونة وشهداء في نفس الوقت؟" (يومية الفجر، عدد2852، يوم 21فبراير 2010) بمناسبة يوم الشهيد، وهي المحاولة التي جاءت بغرض التحذير من الآتي -وهو الذي حصل فعلا- والدعوة إلى "مصالحة تاريخية" تبنى على الحقيقة وحدها، بدل أن تترك بعض الأحداث المسكوت عنها رسميا عرضة للتوظيف والمغامرات السياسوية.
الحديث أو التعرض بالدراسة والبحث لأحداث الثورة التحريرية لا بد أن يتم بعمق مع التوسع في بحث وتحديد الظروف والتطورات الداخلية والإقليمية والدولية المصاحبة لها، فالحادثة التي نحن بصدد التعرض لها جرت شهر نوفمبر من سنة 1958، أي بعد أربع سنوات من انطلاقة شرارة الثورة التحريرية وفي منتصف عمر هذه الثورة الحافلة بالكثير من الأحداث والمنعرجات على المستويين الداخلي والخارجي.

*إنشاء "لجنة العمليات العسكرية".
فعلى مستوى قيادة الثورة، جاء قرار المجلس الوطني للثورة الجزائرية (بصفته أعلى هيئة في الثورة انبثقت عن مؤتمر الصومام) بإنشاء لجنة لتنسيق عمليات جيش التحرير الوطني، تحت اسم "لجنة العمليات العسكرية-COM"، وقد تم ذلك في شهر أفريل من سنة 1958، وهو القرار الذي أثار جدلا كبيرا بين الباءات الثلاثة وعبان رمضان قبل التخلص منه. هذه القيادة كانت مقسمة إلى فرعين: فرع على الحدود الغربية برئاسة العقيد هواري بومدين يشرف على الكفاح المسلح في الولايات: الرابعة والخامسة والسادسة، وفرع ثان على الحدود الشرقية برئاسة العقيد محمدي السعيد (سي ناصر) يشرف على الولايات: الأولى والثانية والثالثة والقاعدة الشرقية.
نجح الأول في تنظيم الفرع المسند إليه نتيجة دعمه من قبل عبد الحفيظ بوالصوف الذي كان مكلفا بالاستعلامات والمواصلات العامة بالإضافة لطبيعة الولايات التي يشرف عليها، دون أن يكون لبقية الباءات الثلاثة أي نفوذ على مرؤوسيه حيث كان ينوب عنه العقيد سليمان دهيليس المدعو سي الصادق (القادم من قيادة الولاية الرابعة)، في حين لم يستطع العقيد محمدي السعيد فرض سلطته على نوابه حيث كان كل منهم يعمل مستقلا أو يتبع للولاية التي قدم منها. إذ أنه نفسه كان يخضع لكريم بلقاسم من البداية، حيث فرضه هذا الأخير فرضا على رأس الفرع، وبغية تحقيق التوازن كان ينوب عنه العقيد لعموري القادم من على رأس الولاية الأولى، والعقيد عمارة بوقلاز الذي كان يشرف على القاعدة الشرقية، والعقيد بن عودة الذي كان ضمن قيادة الولاية الثانية ويتبع للعقيد بن طوبال.
الرئيس الشاذلي بن جديد(1) يرى بأن الخلاف وصل مثلا بين العقيدين عمارة بوقلاز وعمار بن عودة إلى درجة محاولة إبعاد الثاني للأول بدعم من بن طوبال. لكن العقيد عمار بن عودة ينفي ذلك، ففي رده على الشاذلي بن جديد(2) يؤكد على العلاقة الحسنة التي كانت تجمعه بالعقيد عمارة بوقلاز ويدلل على ذلك مثلا بالعديد من الخدمات التي قدمها له، من بينها التدخلّ لصالحه بغية تحويل مكان العقوبة من بغداد إلى دمشق. كما أنه لم يوافق على تأسيس "الكوم" لعدم جدواها من البداية بسبب عدم انتماء أعضاء القيادة لاتجاه واحد، فبحسبه لعموري ينتمي إلى جمعية العلماء وبوقلاز إلى الحركة الوطنية، ومحمدي السعيد إلى الجيش. العقيد بن عودة ذهب بعيدا إلى حد الإعلان أن "ما يسمى بالكوم والحكومة المؤقتة وقيادة الأركان هي كلها هياكل غير شرعية لم تصمد طويلا".
إذا فتركيبة قيادة اللجنة لم تكن منسجمة للعمل بشكل موحد ومؤثر، ونتيجة لتأزم الوضع على الحدود الشرقية وخطورة ذلك على الداخل وبالأخص على الولاية الأولى "الأوراس" والقاعدة الشرقية، اجتمعت "لجنة التنسيق والتنفيذ" في 9 سبتمبر 1958 وأقرت عجز قيادة الفرع بحجة "التعسف في استعمال السلطة" من قبل القادة، حيث أصدرت عقوبات في حقهم وكانت أقساها: تنزيل العقيد لعموري إلى رتبة رائد و"نفيه" إلى السعودية مع منعه من أي نشاط رسمي (بحسب الشاذلي بن جديد، ظل لاجئا بليبيا)، كذلك تنزيل العقيد عمارة بوقلاز إلى رتبة جندي و"نفيه" إلى العراق مع منعه من أي نشاط رسمي. في حين لم تسلط على العقيدين عمار بن عودة ومحمدي السعيد سوى عقوبة تعليق النشاط لمدة ثلاثة أشهر للأول يقضيها في بيروت، وشهر واحد بالنسبة للثاني (الذي يعد المسؤول الأول) حيث ألحق بالحكومة المؤقتة في القاهرة ليعاد مرة أخرى بعد مرور الشهر ويكلف بقيادة التنظيم الجديد (أركان الشرق)، وهو ما يرجح الفرضية السابقة حول تحالف كل منهما مع بن طوبال وكريم.
وفي نفس الاجتماع وبعد التخلص من العناصر الخارجة عن سيطرتهم (لعموري وبوقلاز)، قام أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ (كريم بلقاسم، لخضر بن طوبال، فرحات عباس وعمار أوعمران) بالتمهيد لـ: "أول انقلاب" على المؤسسات الشرعية للثورة بإعلانهم تأسيس "الحكومة المؤقتة" دون المرور على المجلس الوطني للثورة الجزائرية بصفته أعلى هيئة في الثورة. فقد تم تنصيب فرحات عباس على رأس "الحكومة المؤقتة" وهو ما لقي رفضا واسعا نتيجة لتوجهاته السابقة، فهو الذي كتب سنة 1936 مقاله الشهير "فرنسا هي أنا"، ووصف ثورة أول نوفمبر بأنها "انتحار سياسي" حيث تخلف عن ركبها لمدة سنتين في محاولته إقناع الفرنسيين بعزل الشعب الجزائري عن ثورته عن طريق مجموعة من الإصلاحات، وبحسب المجاهد الدكتور رابح بلعيد فإن التحاقه تم بعد تصفية الثورة لابن أخيه عباس عليوة(3).
كنتيجة، عملية تنصيب "الباءات الثلاثة" (بلقاسم كريم، بوالصوف عبد الحفيظ وبن طوبال لخضر) لهذه الحكومة المؤقتة بهذه الصفة، جعلتهم يبسطون سيطرتهم على قيادة الثورة في ظل معارضة وتهميش أغلب أعضاء المجلس الوطني للثورة.

* مؤامرة أم محاولة تصحيحية؟
الرئيس السابق الشاذلي بن جديد(1) الذي كان وقتها يشغل منصب نائب قائد المنطقة الأولى بالقاعدة الشرقية برتبة ملازم أول، وكان شاهدا على بعض أطوار الحادثة التي يعتبرها "محاولة تصحيحية" بدل "مؤامرة" وهي نفس القراءة التي يتبناها المؤرخان الدكتور محمد العربي الزبيري(4) والمجاهد الدكتور رابح بلعيد(3)، فالشاذلي بن جديد عاد من خلال رسالته التوضيحية التي تلت لقاء الطارف إلى العديد من المحطات التي سبقت هذه "الحركة" حيث تعرض لنتائج مؤتمر الصومام وقضية إنشاء القاعدة الشرقية والضباط الفارين من الجيش الفرنسي، وهو ما أثار في حينها جدلا كبيرا وردود أفعال متباينة، وهي مسائل تحتاج إلى تسليط المزيد من الضوء.
بحسب الشاذلي بن جديد دائما فإن "عمارة بوقلاز هو من دفع لعموري إلى رفض قرارات الحكومة المؤقتة أو بالأحرى قرارات الثلاثي (الباءات الثلاثة)، لكنه كان يسعى لحل هذه المشكلة بالطرق السلمية وفي الأطر النظامية. لكن لعموري فضّل اتباع أسلوب آخر هو أسلوب القوة". وهو ادعاء هش يحتاج للتدليل، فالشاذلي بن جديد ينظر للأحداث من زاوية قادة "القاعدة الشرقية" التي كان ينتمي إليها.
قام العقيد لعموري بالتخطيط لدخول تونس برفقة الرائد مصطفى لكحل(5) الذي كان على رأس منطقة فزّان (على الحدود الجزائرية الليبية) بعد انشائها سنة 1957، والتنسيق مع العقيد أحمد نواورة (خليفته على رأس الولاية الأولى)، والرائد محمد الطاهر عواشرية (خليفة بوقلاز على رأس القاعدة الشرقية)، لعقد اجتماع يحضره إطارات الثورة العسكريين والسياسيين من أجل تطهير وإعادة تفعيل المجلس الوطني للثورة الجزائرية وحلّ الحكومة المؤقتة، وهو الاجتماع الذي عقد في 16 نوفمبر 1958 بمدينة الكاف التونسية حيث مقر قيادة جيش التحرير، وشارك فيه عدد كبير من إطارات الثورة.
هذا الاجتماع الذي لو كتب له النجاح، كان سيحمل تغييرا جذريا يعيد الثورة الجزائرية إلى خطها الأصلي من خلال العودة للتركيز على الكفاح المسلح والعمليات العسكرية في الداخل، بدل الجنوح السريع إلى البحث عن حلول سياسية من خلال المفاوضات. أمر الاجتماع تم كشفه من قبل السائق "عمار قرام" (كان قبلها سائقا شخصيا لكريم بلقاسم) الذي قام بنقل لعموري من الحدود الليبية إلى تونس، حيث نقل خبر الاجتماع إلى كريم بلقاسم. وكان من قرارات الاجتماع إرسال كومندوس إلى مقر الحكومة المؤقتة في تونس واعتقال بعض الوزراء (كريم بلقاسم، محمود الشريف، فرحات عباس، عبد الحفيظ بوالصوف وبن طوبال)، لكن اتصال كريم بلقاسم بالرئيس بورقيبة الذي سخّر الحرس الوطني التونسي لمحاصرة مقر الاجتماع وإلقاء القبض على المجتمعين حال دون ذلك.
إطارات الثورة الذين ألقي عليهم القبض من طرف الحرس الوطني التونسي تم اقتيادهم إلى معسكر "الدان دان"، وتم تقديمهم للمحاكمة بتهمة "محاولة الانقلاب ضد الحكومة المؤقتة بدعم من أطراف أجنبية"، وكانت المحكمة برئاسة العقيد هواري بومدين ومثل الادعاء فيها الرائد علي منجلي، في حين أسندت مهمة الدفاع للعقيد سليمان دهيلس (المدعو سي الصادق)، وقد طلب العقيد لعموري توكيل الطاهر الزبيري للدفاع عنه، هذا الأخير الذي وقع في تناقض حيث يروي في مذكراته(6) بأنه تخلف عن حضور اجتماع الكاف بسبب علاجه بتونس، وفي نفس الوقت يرى بأن هذا "التمرد" كان سيتسبب في الإساءة للثورة وتشكيل خطر عليها.
أطوار المحاكمة نقلها الطاهر زبيري في مذكراته، حيث امتدت الجلسات والمرافعات على طول خمسة عشر يوما، كما أنه يؤكد بأنه رافع بشدة من أجل إنقاذ لعموري ورفقائه من حكم الاعدام رغم علمه بأن الأحكام قد اتخذت مسبقا في حق لعموري بالأخصّ. هذه المحاكمة التي اتهم فيها لعموري بحسب الطاهر زبيري كريم بلقاسم باستغلال مكانته باعتباره آخر من بقي ينشط من الستة المفجرين للثورة، كما اتهمه بتغليب النزعة الجهوية من خلال سعيه لفرض سيطرة إطارات الولاية الثالثة على جميع الهياكل الحساسة للثورة، وكذلك انتقاده لترقية محمود الشريف إلى مسؤول منطقة ثم قائد ولاية فعضو لجنة التنسيق والتنفيذ في ظرف أقل من عام من التحاقه بالثورة.
المحكمة قامت بإصدار أحكامها بإعدام العقداء: لعموري، أحمد نواورة، مصطفى لكحل وعواشرية، دون إخطار الدفاع الذي اطلع عليها من خلال إحدى نشريات جبهة التحرير الوطني، وقد تم تنفيذ الحكم رميا بالرصاص في 16 مارس 1959 بحضور والي الكاف والمدعي العام التونسي، في حين أصدرت أحكاما بالسجن المؤبد في حق بقية الضباط الذين تعرّضوا للتعذيب(7) من بينهم: عبد الله بلهوشات، أحمد دراية، محمد الشريف مساعدية ولخضر بلحاج.....، الذين استفادوا سنة 1960 من "العفو" وتمت عملية إعادة إلحاقهم بالثورة لتنظيم الجبهة الجنوبية. مع الإشارة إلى أن عملية الإعدام قد تم التكتم عليها وتقديمها للرأي العام كاغتيالات أو وفيات في ظروف غامضة وذلك في وقت لاحق، نتيجة لسمعة ووزن لعموري ورفقائه لدى الرأي العام في الداخل والخارج(8).

* علاقة الأحداث بالتأثيرات الإقليمية والدولية
بالنسبة لقيادة الثورة في تونس وبحسب محمد حربي (الذي كان في ديوان كريم بلقاسم) وكذلك فرحات عباس، محاولة الانقلاب كانت بدعم من المخابرات المصرية والأمير عبد الكريم الخطابي وصالح بن يوسف المناهض لبورقيبة. وهي ادعاءات لا بد من التدقيق فيها عن طريق ربطها بالمحيطين الإقليمي والدولي للأحداث. هذه الادعاءات تأتي في سياق ما يسمى بمحاولة جمال عبد الناصر بسط سيطرته على الثورة الجزائرية وفرض توجهاته على النظام الجزائري الناشئ. لكن المسألة تأخذ عمقا أكبر إذا أدخلنا في الحسبان الصراع بين المعسكرين الغربي بقيادة "الإمبراطورية الأمريكية" والشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي، وقرب النظام المصري من هذا الأخير.
أمريكا التي دخلت المنطقة أثناء الحرب العالمية الثانية وبسطت سيطرتها عليها لا تريد إفلات زمام الأمور، ومخافة أن يصل المدّ الشيوعي إلى فرنسا نفسها أو مستعمراتها التي تعيش حالة اضطراب قد تفرز أنظمة راديكالية قريبة من الاتحاد السوفيتي، ظلت الإمبراطورية الأمريكية قريبة من الأحداث عن طريق العديد من التدخلات غير المباشرة. هذا التوجه الأمريكي كان يخدم استمرار النظامين الناشئين في كل من تونس والمغرب. إذ أن الثورة الجزائرية وانطلاقا من بيان أول نوفمبر كانت لها أهداف إقليمية تقود إلى تغييرات جذرية في المنطقة، وتهدد بالإطاحة بالنظامين التونسي والمغربي اللذان لم يأتيا كنتيجة لتغيير جذري بل كانا عبارة عن حل وسط، لذلك كان على النظام التونسي بالأخص التدخل في الأحداث والمجريات.
فبعد قيام عبان رمضان في بداية مسيرته للسيطرة على زمام الأمور بنقل قيادة الثورة إلى تونس بدل القاهرة وبالتالي إبعاد الثورة الجزائرية عن النفوذ المصري والسقوط في نطاق المد الشيوعي المحتمل، وساعد على ذلك حادثة اختطاف الطائرة التي كانت تنقل القادة الأربعة من المغرب في أكتوبر 22 أكتوبر 1956. طرحت فكرة الحل الوسط بين الثوار والمعمرين من خلال محاولة فرض قوة ثالثة وهي المحاولة التي أجهضت بعد قرار كل من كريم بلقاسم وعبد الحفيظ بوالصوف ومحمود الشريف (بن طوبال عارض ذلك، ويدلل على ذلك بنسخة المحضر التي يحتفظ بها) التصفية الجسدية لعبان رمضان.
فكرة الحل الوسط كانت تخدم الأمريكان، فهي ستبعد أي اضطرابات سواء في صفوف المعمرين أو الثوار، وهو ما يضمن استقرار المنطقة وعدم سقوطها في خطر المد الشيوعي. وهي الفكرة التي عادت في ثوب جديد بعد إقدام الأمريكان على إعادة الجنرال دوغول إلى السلطة(9)، هذه العودة التي تزامنت مع تأسيس الحكومة المؤقتة برئاسة فرحات الذي كان مقتنعا (بحسب محمد حربي، حياة واقفة، ص 253) بعدم جدوى مواصلة الكفاح المسلح والبحث عن حل سياسي، وقد قام بالتنسيق سريا مع أحمد فرنسيس والسناتور بن حبيلس للقيام بمهمة تحقيق القوة الثالثة دون علم الحكومة المؤقتة، ما جعل الباءات الثلاثة يتنبهون للأمر فكلفوا فيدرالية الجبهة في فرنسا بتصفية بن حبيلس، وهو ما تم فعلا بمدينة فيتشي الفرنسية بتاريخ 29 أوت 1959. تمت تنحية فرحات عباس من على رأس الحكومة المؤقتة وتعيين بن يوسف بن خدة خلفا له في اجتماع المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي عقد في الفترة بين 19 و27 أوت 1961 بطرابلس الليبية. هذه التنحية سبقتها محاولة الانقلاب الفاشلة ضد الجنرال دوغول من طرف الجنرالات الأربعة في 22 فبراير 1961 المدعومة من قبل الأمريكان، وكذلك تأسيس منظمة الجيش السري.
هذا التدخل الأمريكي للمرة الثانية، يعد محاولة للحفاظ على الوضع القائم أي البحث دائما عن حل وسط يجعل الجزائر مستقبلا بعيدة عن أي عملية تغيير راديكالي بإمكانه الامتداد إلى باقي دول المنطقة الأخرى (تونس، المغرب، ليبيا) وما ينجر عنه من سقوط المنطقة في نطاق المد الشيوعي وهو ما يهدد الضفة الجنوبية لأوربا الغربية حيث قيادة الحلف الأطلسي بسيناريوهات شبيهة بحادثة الصواريخ السوفييتية في كوبا، إضافة لتهدئة المعمرين المتذمرين من أجل إبعادهم عن أي مساعي للتأثير على طبيعة الحكومة الفرنسية وتوجهاتها، وتجنب وصول المد الشيوعي إلى فرنسا ذاتها.
ربما هذه القراءة في علاقة الأحداث بالتأثيرات الخارجية، كفيلة بإيجاد بعض التفسيرات لدور الرئيس التونسي بورقيبة الدّاعم والموجه لقيادة الثورة في تونس (الباءات الثلاث) من أجل إفشال محاولة التغيير التي قادها العقيد لعموري ورفقاؤه، لأن إفشال "حركة" لعموري ورفقائه الذي تبعته التصفية الجسدية لقادة العملية، وما تلاها من ظروف "غامضة" لفّت حوادث استشهاد بقية قادة الكفاح المسلح الراديكاليين في الداخل فيما يشبه عملية تصفية مبرمجة، جعل المنطقة في مأمن عن رياح التغيير وبالتالي تحقيق استقرار يخدم مصالح الإمبراطورية الأمريكية وحلفائها.

* المصالحة مع التاريخ
الرئيس الشاذلي بن جديد في خطوة شجاعة أسس لمصالحة مع الذات والتاريخ، حيث ردّ الاعتبار لهؤلاء الرجال وغيرهم بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثلاثين لاندلاع الثورة التحريرية سنة 1984، حيث أصدر مرسوما يقضي برد الاعتبار، والعفو الشامل، عن المناضلين الجزائريين الذين صدرت بحقهم أحكام أثناء سنوات الكفاح المسلح، أو فيما بعد الاستقلال. حيث نص على: "رد الاعتبار لكل مجاهد ومناضل في جيش وجبهة التحرير الوطني، توفي بسبب صعوبة الكفاح المسلح، أو نتيجة الضغوطات أو التعقيدات التي مرت بها الثورة، والتي قادته إلى متابعة أو محاكمة أو إعدام، شريطة أن لا يكون قد حمل السلاح ضد الثورة، أو انضوى تحت لواء العدو الفرنسي".
وقد تمت استعادة رفاتهم، وأقيمت لهم مراسم الدفن الرسمية في مربع الشهداء بمقبرة العالية ومنحوا أوسمة "الشهيد العقيد"، وقد جرى ذلك بحضور رئيس الجمهورية الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني وأعضاء المكتب السياسي والحكومة وكبار المسؤولين في الحزب والدولة وكذلك عائلاتهم وأقاربهم ورفقاء السلاح(10).
وليست الصدف هي ما جمع رفات وردّ الاعتبار للعقداء الأربعة ضحايا الحادثة برفات وردّ الاعتبار لكريم بلقاسم أحد الباءات الثلاثة والذي ذهب ضحية لمعارضته العقيد هواري بومدين بعد الاستقلال، وليست الصدف كذلك هي ما جعل رحيل آخر الباءات الثلاثة (العقيد سليمان بن طوبال، المعروف بلخضر بن طوبال) يتزامن مع طرقنا لهذا الموضوع. فربما قد حان الوقت لهبوب رياح التغيير من جديد، فهل من الممكن العودة للتصالح مع التاريخ بعيدا عن المزايدات السياسوية والتوظيف الظرفي للأحداث؟

فارس بوحجيلة
قسنطينة، في 24 أوت 2010
* الهوامش
(1) الرسالة التوضيحية للرئيس السابق الشاذلي بن جديد، يومية الخبر بتاريخ: 07 ديسمبر 2008.
(2) حوار أجراه الصحفي باديس قدادرة مع العقيد عمار بن عودة، يومية الشروق بتاريخ: 14 ديسمبر 2008.
(3) الجزء الثاني من حوار أجراه الصحفي حمو مراد مع الدكتور المجاهد رابح بلعيد، أسبوعية "السفير"، عدد 107 من 17 إلى 23 جوان 2002.
(4) محمد العربي الزبيري، تاريخ الجزائر المعاصر، ج2، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1999، ص 102-107. وأيضا يومية صوت الأحرار، نشرَت لقاء خاصا مع الدكتور محمد العربي الزبيري بتاريخ: 13 أكتوبر 2008.
(5) الشهيد العقيد سعيدي جموعي المعروف بـ: مصطفى لكحل و"نمر باليسترو"، أحد أبطال الثورة التحريرية لا يزال يصاحب سيرته الكثير من التعتيم، من مواليد 26 نوفمبر 1931 بمدينة عين البيضاء لأسرة متوسطة، زاول دراسته بالمدينة، ثم توجه إلى لجزائر العاصمة لمواصلتها، سافر منها إلى مصر سنة 1950 حيث تعرف إلى بعض المناضلين الجزائريين، ليلتحق بفرنسا ويقيم بباريس ابتداء من مايو 1952 إلى غاية سنة 1953. ألقي عليه القبض بعد عودته إلى أرض الوطن بسبب رفضه تأدية الخدمة العسكرية الإجبارية الفرنسية، ليسجن على إثرها بـ"سطح المنصورة" بقسنطينة عدة أشهر، نقل بعدها إلى ألمانيا لتأدية الخدمة الإجبارية لتتم إعادته إلى أرض الوطن بعد اندلاع الثورة التحريرية، حيث قاد برفقة علي خوجة عملية فرار كبيرة من الجيش الفرنسي، فقد فروا محملين بالكثير من الأسلحة والذخائر. كان على رأس الفوج المنفذ لكمين "باليسترو" الشهير بتاريخ 18 ماي 1956، كما كان نائبا لعلي خوجة في قيادة منطقة باليسترو من الولاية الرابعة. عرف بجسارة وشجاعة مشهودتين، نقل "تحفظيا" بعد حادثة الكمين الشهير إلى تونس، حيث كلف بقيادة منطقة "فزّان" على الحدود الجزائرية الليبية بعد إنشائها سنة 1957، كان برفقة العقيد لعموري فيما يعرف بـ"مؤامرة العقداء"، اعترفت له اللجنة الخاصة بقرار صادر بتاريخ: 13 يوليو 1970، على أساس الوفاة بدندان في تونس بتاريخ 29سبتمبر 1959. (صورة للشهيد أثناء زيارته لمصر حيث يقع الثاني من اليسار).
(6) نقلا عن يومية الخبر بتاريخ: 28 أكتوبر 2008.
(7) Mohammed Harbi, Une vie debout, mémoires politiques, t.1, Casbah éditions, Alger 2001. p.273-274.
(8) يتعرّض مثلا المفكر الراحل مالك بن نبي في شهادته من أجل مليون من الشهداء لذكر مصطفى لكحل، عند حديثه عن الظروف التي انضم فيها الضباط الفارون من الجيش الفرنسي واحتلالهم لمناصب مرموقة في جيش التحرير، ويضرب به المثل عما تعرض له الثوار القدماء من مؤامرات اغتيال شنيعة، حيث يرى بأن "مصطفى لكحل اغتاله جهارا السيد بوالصوف بالقرب من مدينة الكاف التونسية". وهو ما يعطي فكرة حول كيفية تقديم تنفيذ أحكام الإعدام للرأي العام.
(9) Thierry Meyssan, Le coup d’État du 13 mai 1958: Quand le stay-behind portait De Gaulle au pouvoir, réseau de presse "Voltairenet", 27 août 2001.
(10) يومية الشعب ليوم 02 نوفمبر 1984. (صورتان لجوانب من المراسم مرفقة بالموضوع، تصوير: ع. بالرزاق/يومية الشعب).

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 25 شوال 1431هـ الموافق لـ : 2010-10-04

التعليقات
damessamir@yahoo.fr
 موضوع جيد 


طهير جمال الدين
 السلام عليكم يا أخي الفاضل بوحجيلة
نعم هي مؤامرة .
النقمة......المزدوجة

في أواخر أكتوبر 1958 , قرر العقيد محمد العموري العودة إلى تونس , رفقة النقيب علي زغداني المعروف في الولاية الرابعة ( العاصمة ) بمصطفي لكحل البطل المتمرد النمر الأسود ...و كان المفروض أن يلتحق بجدة (السعودية) لقضاء فترة نفيه بها , عقب العقوبة التى سلطتها عليه لجنة التنسيق و التنفيذ في 13 سبتمبر المنصرم .
و حسب شهادة المناضل عبد الرحمان مهري (شقيق عبد الحميد) أن العموري كان يتردد في تلك الفترة على الشيخ عمر دردور ( من جمعية العلماء) بالقاهرة و قد قابله هناك فوجده ناقما على أمرين إثنين :
1-إسناد رئاسة الحكومة المؤقتة لفرحاة عباس , بدل أحد القياديين السابقين في حركة إنتصار الحريات الديموقراطية .
2- النزعة الإقليمية لوزير القوات المسلحة كريم بلقاسم و كتلته .
و قد بلغ الشيخ دردور و مهري أن العموري قابل عقيد المخابرات المصرية فتحي الديب فنصحاه بتجنب التعامل معه , لان الحكومة المصرية ستفضل إستمرار التعامل مع الحكومة المؤقتة في نهاية المطاف .
و صادف أن أرسل الرائد بالهوشات من مجلس الولاية الأولى رسالة إلى العموري على عنوان الشيخ دردور ,تم فتحها على سبيل الخطأ, و كان مضمونها أن الجماعة على أتم الاستعداد لاستقباله بالحدود التونسية الجزائرية . وقد إتفق الشيخ دردور و مهري على عدم تسليم الرسالة لصاحبها ,و لا لصالح الحكومة (1)
و يؤكد المجاهد مصطفى هشماوي الذي قابل العموري بالقاهرة في نفس الفترة , أنه كان ناقما أشد النقمة على كريم بلقاسم خاصة ,و أنه أرسل إلى قيادة الولاية الأولى بالكاف (تونس) رسالة أطلعت مخابرات الثورة على مضمونها .
و قابل المجاهد مصطفى هشماوي,عقب ذلك بطرابلس , العقيد أحمد آنواورة فوجده ناقما بدوره , رغم ما كان يتميز به من تحفظ و هدوء ,يردد غاضبا : "الثورة باتت مهددة و لا بد من عمل شيئ......"(2)
في غضون الأسبوع الأول من نوفمبر 1958 حل العموري و الأكحل بظرابلس , فأرسل آنواورة السائق عمار قرام لاصطحابهما من هناك إلى ناحية الكاف وعلى مقربة من الحدود التونسية,أفهم العموري السائق أنه و رفيقه تحت مسؤوليته .....فاجتهد في سلوك الطرق الآمنة إلى أن وصل بهما إلى الكاف في يوم 10 نوفمبر .
علمت مخابرات الحكومة المؤقتة بأمر هذه المهمة المشبوهة ,فاستعانت بالسلطات التونسية لإعتقال السائق , و فعلا تم إعتقاله في طريق عودته إلى العاصمة التونسية , و نقله على جناح السرعة الى مقر الديوان السياسي للحزب الدستوري حيث وجد في إنتظاره :
- عن الجانب التونسي الباهي الأدغم و الطيب المهيري .
-وعن الحكومة المؤقتة كلا من عباس لغرور و كريم بلقاسم و بوالصوف و بن طوبال و هدام و آخرين .
هذا الجمع المهيب لم يجد أية صعوبةفي الحصول على ما يريد من السائق الذي سارع في بمحاولة تبرئة ذمته , بإستضهار الوثائق التي سلمت له لأداء مهمته , و بناء على هذه المعلومات ,داهم الحرس التونسي - بطلب من الحكومة المؤقتة - الإجتماع الذي كان يترأسه العموري بناحية الكاف في يوم 12 نوفمبر بحضور :
- العقيد آنواورة مرفوقا بالرائد بالهوشات و النقيب صالح بن ديدي (السوفي) عن الولاية الأولى .
- الرائد آعواشرية مرفوقا بالرائدين الشويشي العساني و أحمد دراية و النقيب محمد الشريف مساعدية .
و كان جدول الأعمال المقترح من العموري يتضمن النقاط الأربعة التالية :
- الإبقاء على القواعد الحدودية تحت إشراف الولاية الأولى و القاعدة الشرقية ,و لو اقتضى ذلك الاحتكام إلى القوة.
- الإستلاء على قاعدة تونس العاصمة و تعيين شخصية عسكرية على رأسها .
- إبلاغ الوزراء الموجودين في تونس بالشروط السابقة , و إلزامهم بتوقيعها قبل عودتهم إلى القاهرة في إنتظار إجتماع من مجلس الثورة.
- تعيين لجنة مراقبة للسهر على التسيير الحسن للأموال الخارجية (3).
لكن بمجرد المصادقة على جدول الأعمال تدخل الحرس التونسي , لإلقاء القبض على المجتمعين الذين تمكن بعضهم مع ذلك من الفرار , و اللجوء إلى وحدات جيش التحرير التي سلمتهم إلى الحكومة المؤقتة .



(1)-شهادة أدلى بها المعني إلى الكاتب
(2)-طالع كتابه "في جذور الفاتح نوفمبر 1954 "وزارة المجاهدين الجزائر 1998 .
(3)- مجلة نقد العددان 2001/15/14
 


عبد القادر بورمضان
 موضوع مهم للغاية والحقيقة ان تاريخ الثورة التحريرية ما يزال يحتاج الى اعادة كتابة لان العديد من القضيا تبقى بحاجة الى التوضيح وقضية العقداء الاربعة ربما لم يكشف عن اسرارها رغم قيمة هاتين المحاولتين كما توجد قضايا اخرى ومنها مؤامرة الزرق 1958التي ارتبطت بالعقيد عميروش ومثقفي الثورة وقضية اجتماع عقداء الداخل بين 6 و12 ديسمبر 1958 بالميلية جيجل الولاية الثانية مل هدا يتطلب تكاثف الجهود ومصالحة تاريخية لكتابة الثورة بانانة تاريخية وموضوعية بعيدا عن منطق التنكر او التعصب لجهة معينة . 


سليمان عميرات
 مؤامرة العقداء أثناء حرب الجزائر
أو خروج قيادة الشرق على تعليمات الحكومة المؤقتة
سليمان عميرات*
طالعت في بعض المقالات التي تصف شخصية سياسية وطنية معارضة بأنها تتسم بالشجاعة والبطولة كون هذا الشخص أصبح ينتقد مسيرة أحد قادة الثورة الجزائرية ويتهمه زورا بقتل أحد الشهداء البارزين في حرب الجزائر الخالدة، وفي الحقيقة أن هذا الشخص يكون قد تخلى عن واجبه كمعارض شجاع ليتقمص دور المؤرخ الجبان والفاشل، لأنه ليس من المنطق أن نهاجم بالباطل أحد الأموات الذين صنعوا مجد الجزائر بالرغم من السلبيات التي اتسمت بها مرحلة ما بعد الثورة، وهو في حقيقة الأمر لا يفرق بين البحث التاريخي حول الحقيقة الثورية والنقد السياسي اللاذع، ولو على أنقاض جثة القائد الفذ الراحل منذ أمد بعيد، وقد حاول هذا الشخص أن يمحي ذاكرة الشعب والتلاعب بها من أجل بعض الأغراض الشخصية التي يريد أن يحققها، وهو يعمل للمشاركة في أحد مشاهد السلطة على حساب الشعب إذ يقوم بخداعه والتلاعب بمصيره، لأن العملية كلها لا تعدو أن تكون مسرحية لا يهم الدور المؤدى بها أكان طيبا أو رديئا، لأن الشخص يعتبر من بقايا المعارضة الشاحبة التي أصبحت مخجلة للعديد كونها لم تعد تؤدي الدور المنوط بها، ولهذا نرى العديد من الفاشلين سياسيا يتعدون الخط الأحمر ولكنه غير خط السلطة التي سطرته للمعارضة السياسية وإنما هو الحد المعقول للكتابة التاريخية، ونقول عندما يصبح التاريخ مبررا للصراعات السياسية الفاشلة فثمة كارثة كبرى، لأنها تثير العداوة والبغضاء بدل من إخمادها وزرع روح التآخي والمحبة بين ساسة الدولة، ولهذا أرجو منه أن يأخذ منا بعض الحقائق حتى تصحح مفاهيمه ويسند معلوماته في المستقبل إلى مصادر نزيهة ونقية لا يشوبها الزور والحقد، فيعرف أن من فهم الثورة على حقيقتها ومن دون تشويه فقد يفهم مسار السياسة وظروف تكوين النظام في الماضي والمستقبل، لهذا أضيف إلى معلوماته شيئا عن كيفية خروج قادة الشرق عن أوامر الحكومة المؤقتة ليتهموا بالمؤامرة والخيانة الكبرى، ويخرج منها العقيد سي عميروش الذي أراد التنقل إلى الحدود الشرقية لظروف أخرى خاصة بعلاقة ولايات الداخل بوزارة التسليح والعلاقات العامة لا أكثر.
البداية كانت عندما قام المناضلون السياسيين والقادة العسكريين الذين تحولوا للعمل السياسي بإبعاد عن قصد القادة العسكريين بالداخل من حضور المؤتمر التأسيسي للحكومة المؤقتة المنعقد بالقاهرة في 19 سبتمبر 1958، ومنهم من كان عضو بالمجلس الوطني للثورة، حرموا من المشاركة والمساهمة في تأسيس أول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية.
لما علم القادة العسكريين المتواجدين بالداخل، وهم في مراكزهم القتالية بالجبال في مواجهة العدو دفاعا عن حماهم بالنهار وهجوما على أوكار العدو ليلا، رأوه أمرا لا يرضيهم من حيث المبدأ وكذلك بالرجوع إلى بيان أول نوفمبر وتوصيات مؤتمر الصومام، الذين بنيا على الوفاء والوحدة والأخوة من أجل استقلال الوطن، وأن الأمر برمته يعد تهميشا للقطاع العسكري وتصغيرا لتضحياته بالنفس والنفيس، فغضبوا لهذا التأسيس الحكومي المبتور واعتبروه منحرف عن مسار الثورة ورؤية الجماعة الأولى التي فجرتها ونظمت دستورها، فمنهم من استشهد من أمثال بن بوالعيد، بن مهيدي، زيغوت وديدوش، ومنهم من انتقل للعمل السياسي مثل كريم بلقاسم وبن عودة، وأن هذه التصرفات الأحادية لا تقود بالضرورة إلى الاستقلال التام، في غياب عقلية الأخوة التي من المفترض أن يبنى عليها بلد الاستقلال حسب تصور جيش التحرير الوطني الذي يقوم بفضل جنوده على صياغة النصر في كل برهة من الزمن وفي كل شبر من تراب هذا الوطن.
من هذا المنطلق اجتمعت قادة الشرق لكل من يحمل رتبة عقيد إضافة إلى بغض القادة الذين يحملون رتبة رائد، وكان من بين طلباتهم المستعجلة استدعاء المجلس الوطني للثورة من خلف الحدود الجزائرية التونسية، لعقد دورة طارئة من أجل دراسة الوضعية التي آلت إليها الثورة بنظرة موضوعية ومحايدة، ولقد حضر الاجتماع كل من العقيد محمد العموري والعقيد عمارة العسكري والرائد مصطفى لكحل والرائد محمد عواشرية والسياسي محمد الشريف مساعدية والرائد أحمد درايعية والرائد شويشي العيساني وعبد الله بلهوشات والعقيد أحمد نواورة والأزهر شريط وغيرهم من القادة، باعتمادهم على البند الذي يقول بأولوية العسكري على السياسي والداخل على الخارج الذي تم إلغاؤه في هذا الاجتماع، لأن قناعتهم محصورة في أنه لا وجود لاستقلال دون تدخل عسكري بانتصاراته المتكررة على قوات العدو، ويرى غيرهم أنه لا استقلال دون عمل سياسي محظ، يعمل على نشر القضية الجزائرية لدى الأمم المتحدة ويكون اعترافات وعلاقات مع الدول الأخرى وبخاصة الدوب الاشتراكية كونها معادية للحاف الأطلسي.
إن سخط عقداء الداخل لم يكن حول تشكيل الحكومة المؤقتة خصوصا، ولكن لوجود تذمر مسبق من الأوضاع التي بدأت تتعفن وتتدهور على المجاهدين وذلك بسبب السياسة القمعية المطبقة من طرف الجنرال ديغول، ومنها انتشار سياسة الاستنطاق عن طريق التعذيب الوحشي والانتشار الواسع للسجون والمعاقل والمحتشدات إلى جانب عمليات تمشيط الجبال المتنوعة خريفا وربيعا مع تسخير فرنسا إمكانيات كبيرة من أجل إنجاح العملية لصالحها والقضاء التام على المقاومة.
كما يشهد جيش الداخل نقص كبير في التمويل بالاسلحة والذخيرة القادمة عبر الحدود التونسية والمغربية، زيادة على ذلك فإن الجنود المتوجهون عبر الحدود الشرقية أصبحوا في المرحلة الأخيرة يبقون خلف الحدود، سواء لعدم وفرة السلاح وانتظاره لمدة طويلة يبقى فيها الجندي للراحة، حيث الأكل والتدريب بعيدا عن خطر المواجهة مع العدو بسلاح قديم وصدأ، أو لخطورة الموقف عند عبور الأسلاك الشوكية المكهربة، حيث أن خطي موريس وشال بالشرق يعتبران الخطر الكبير الذي يخشاه الجنود لأنهم عند العبور فهم يواجهون المجهول القاتل، وكذلك لوجود الراحة التامة والهادئة والإمكانيات الضرورية للصحة والعلاج من العطب والأمراض ووجود مدارس للتعليم والتكوين تشرف عليها المراكز المدنية التابعة لجبهة التحرير الوطني، إضافة إلى ذلك أن الوجود خلف الحدود يعد فرصة سانحة للالتقاء والتقرب من الإطارات السياسية.
المهم هو إحساس قادة الداخل أنهم صاروا في ورطة حقيقية وأن القيادة السياسية المكلفة بالتنسيق قد تخلت عنهم نهائيا وأن هذه المجموعة التي كلفت بالإمدادات بالسلاح والذخيرة والتنسيق السياسي والعسكري قد انحرفت عن مسارها وأصبحت تبحث عن الوظائف السياسية داخل الفريق السياسي لجبهة التحرير الوطني، ولهذا تكون الضربات القاسية قد تلقتها قوات جيش التحرير الوطني بالداخل من طرف جيش العدو في العديد من عمليات التمشيط في شهري أكتوبر وأفريل من كل سنة، والضربة الأشد من مناضلي لجنة التنسيق لجبهة التحرير بالتخلي عن طلباتهم الملحة والتي تكون في غاية الأهمية.
كما يرى الملازم الأول سالم جليانو، قائد الكتيبة الثالثة بالفيلق الرابع بالقاعدة الشرقية، أن العملية في حد ذاتها لا ترقى إلى انقلاب أو مؤامرة أو عصيان العقداء (le complot des colonels)، وإنما هي مجرد اختلاف في الرؤية، وإنها أيضا عملية محدودة ومنحصرة في نقطة واحدة ناتجة عن تذمر بالولايات في الداخل ومواجهات سياسية داخلية خلقتها التراكمات لمشاكل طفيفة نمت و تطورت وبخاصة حين همّشت بعض الإطارات القيادية بصفوف جيش التحرير الوطني وبالضبط في القاعدة الشرقية والولاية الأولى، التي أصبحت تحتل مكانة مرموقة في الثورة والمقاومة وزحزحة قوات الاستعمار وتلقينه دروس في القتال من حين إلى حين آخر، ولقد تلتها اتصالات عديدة ومواجهات حادة بين قادة الشرق والحكومة المؤقتة، ومن بين الإطارات القيادية الذين رفضوا تأسيس الحكومة المؤقتة على هذه الطريقة بعدم إستشارة الرجال القائمون على الثورة والذين يحاربون العدو، كل يوم وفي كل لحظة هم في ميدان القتال معرضين للموت بسلاح العدو الذي يتفوق عليهم من حيث الموارد البشرية المتدربة عسكريا ومن حيث العتاد العسكري المتطور، ومنهم العقيد عمارة العسكري (بوڤلاز)، العقيد محمد العموري، الرائد محمد عواشرية، الرائد أحمد درايعية، العقيد أحمد نواورة، النقيب مصطفى لكحل، الرائد عبد الله بلهوشات، المناضل محمد الشريف مساعدية وبعض إطارات الولاية الأولى و قيادة القاعدة الشرقية.
و لقد تم إلقاء القبض على العقيد محمد العموري والعقيد عمارة العسكري الذي قد يكون سلم نفسه، والذين كان معهم بالاجتماع الذي دار بالكاف، ويذكر المجاهد المؤرخ مصطفى هشماوي بمجلة أول نوفمبر، إن القوات التونسية هي التي ألقت عليهم القبض وذلك بإيعاز من كريم بلقاسم، ولم يفلت من ذلك الحصار سوى القائد الرائد أحمد درايعية ومعه عبد السلام الذي تم تسليمه فيما بعد إلى القائد كريم بلقاسم، ويذكر أيضا أنهم قدموا إلى المحكمة العسكرية بطيرس التونسية، والتي ترأسها العقيد هواري بومدين ونائبه علي منجلي، وأن التهمة الجاهزة مسبقا والموجة إليهم بالخيانة العظمى والمؤامرة ضد الحكومة المؤقتة، وأن الحكم بالإعدام ليس سوى تصفية جسدية لمعارضين في الفكرة. حيث أن التهمة في حد ذاتها كانت وهمية وقاسية ولا تعبر عن الحقيقة، إذ أن الخصوم ارتكزوا على الدعاية التي شنتها الصحف الفرنسية لتبرير حكمهم، وبالرغم من ذلك لم يشهد على الإعدام ولم نعرف سوى الأزهر شريط الذي أعدم رسميا كما ذكره أيضا الكاتب مصطفى هشماوي، أما الباقي فلم يشهد بإعدامهم وإنما استشهد البعض منهم في ظروف غامضة ومنهم العقيد سي محمد العموري، العقيد أحمد نواورة، الرائد محمد عواشرية والنقيب مصطفى لكحل وذلك في شهر مارس 1959 بتونس، فكانت إغتيالات في ظروف يقال عنها أنها غامضة، رغم أن كل الاستدلالات تبين أنها تصفية جسدية لا أكثر، أما محمد الشريف مساعدية فقد كلف بمتابعة الخدمة بالثورة والنشاط السياسي في الجنوب وعلى حدود مالي والنيجر، كما أبعد العقيد عمارة العسكري وتكليفه بأمور سياسية بليبيا ولكنه ما أبعد إلا لحجة ثانية وهو أنه كان متابعا من طرف الجيش الفرنسي، الذي حاول الوصول إليه لقتله وبعث له بالوعيد والتهديد لإبادة أسرته بكاملها، كونه يمثل الخطر الكبير المسلط على الإستعمار من ناحية الشرق، وهو مؤسس القاعدة الشرقية والمسؤول الأول على انتصاراتها، وبهذا يمكن القول أنه أبعد للحجتين ولكنه ما يزال يعمل ويمد ما عنده من جهد وقوة للثورة، أما الباقي فمنهم من أبعد مؤقتا ثم عاد إلى منصبه وخاصة قادة الفيالق مثل الرائد شويشي العيساني.
و كان الصراع حول تشكيلة الحكومة المؤقتة بوجود الثلاثي بلقاسم، بن طوبال و بوصوف في مهام حساسة وذات القرار الحاسم و المسيطر(Les 3 B :Belkacem, Bentoubal et Boussouf) و حقيقة الانقلاب أو المؤامرة بعيدة كل البعد عن الواقع الذي جرى مع العقداء، فما أراد العموري، بوقلاز، لكحل ولا عواشرية أن يعادوا مجلس الثورة والحكومة المؤقتة، أو إنهم نازعوه على التفاوض مع فرنسا حول الاستقلال كما جرى مع عبان رمضان الذي أغتيل لهذا السبب وليس لخيانة الثورة كما وجهت إليه التهمة، حيث ابتكرت تسمية المؤامرة من طرف الصحافة الفرنسية التي تريد بكل ما تملك التشهير بإنقسام القيادة لإفشال الثورة بعد أن تقدمت شوطا كبيرا وحققت العديد من الانتصارات في الميدان، وحاولت القيادة العسكرية لقوات الإحتلال مع الصحافة الفرنسية أن تحط من معنويات الشعب وتخلق نوع من الخوف لتوقف للتعامل مع الثوار ومدهم بالمعلومات والتموين والتمويل، وهي تريد أن تبلغهم كذبا حسب كل الوسائل الإعلامية وعند إتصال مكاتب الإستعلامات الفرنسية بالشعب أن القيادة إنقسمت وهناك إنشقاق داخل صفوف جيش التحرير الوطني الجزائري، وأن جيش التحرير في حرب على السلطة ولا يهتم إلى الشعب البتة.
والحقيقة التي لا يختلف مجاهدان مما عايشوا الوضع آنذاك وكما روى الأستاذ مصطفى هشماوي و الملازم الأول سالم جليانو بكل صدق و إنصاف، كادت الثورة أن تسير هذا المسار لولا العزم على نيل الإستقلال حتى لو إقتضى ذلك التضحية بالنفس والغالي من الأرواح الجزائريين الطاهرين والأوفياء، لأنهم ربحوا أغلى ما يتمنون وهي الشهادة في سبيل الله والوطن.
في هذه الفترة كانت سيطرة قيادة الأركان العامة على قيادة القاعدة الشرقية تامة، فبدأت عندما ترأسها العقيد محمدي السعيد المدعو سي ناصر، حيث قصر كثيرا في مهامه كقائد الأركان العامة لجيش التحرير الوطني، وتهميشه لإطارات الولاية الأولى والإطارات المسيرة للقاعدة الشرقية، إلى جانب توبيخهم من الحين للآخر إذ وصل الأمر إلى تنزيل الرتب للبعض، وقد زاد الوضع سوءً بعد حادثة التمرد أو هذه المؤامرة للعقداء حسبما أطلقت عليه التسميات بالقيادة العامة للأركان أو الصحافة الفرنسية، والتي يراها البعض خروج القاعدة الشرقية على الحكومة المؤقتة، والذي أكدنا أنه ما هو إلا إختلاف في الرأي والرؤية حول المفاوضات مع فرنسا وعلى الممثلين بإسم الجزائر، وإذ ذاك قام قائد الأركان سي ناصر بتغيير طفيف في قيادة القاعدة الشرقية ومس منهم على الخصوص كما ذكرنا أعلاه العقيد عمارة العسكري وبطلب منه أيضا، والرائد شويشي العيساني قائد الفيلق الأول منذ نوفمبر 1956، وعيّن ضمن الوفد الذي تم إرساله إلى أقصى الجنوب الجزائري للتكفل بالعلاقات مع مالي وتنشيط الثورة بالصحراء، وكانت مهمتهم السياسية هذه ناجحة وعاد العيساني إلى تونس، وأسندت قيادة الفيلق آنذاك إلى رصاع مازوز – رحمه الله – ونوابه الشاذلي بن جديد، يوسف بوبير وبلقاسم بالضويوي، كما أبعد كذلك عبد الله بلهوشات وأحمد درايعية إلى جانب مجموعة أخرى أقل أهمية من ناحية المسؤولية مسها نفس التغيير العابر سواء بالقاعدة الشرقية أو بالولاية الأولى.

ومع ذلك نقول إن هذا الإنقلاب أو عملية خروج العقداء عن توصيات الحكومة المؤقتة فشل في مهده وذلك كون قيادة الأركان العامة بقيادة سي ناصر قد سيطرت على الوضع إلى جانب ظرف إستشهاد محمد بوقرة وكذلك العقيدين سي الحواس وعميروش، الذين قتلتهما القوات الفرنسية بسبب الدسيسة والوشاية قبل وصولهما إلى تونس، ساهم كثيرا في الفشل ولو أنه لا أحد يدري ما ستؤول إليه الأوضاع لو وصلا العقيدين إلى تونس وناقش الأمر مع أحد ممثلي الحكومة المؤقتة، وللعلم فإنه لا وجود دليل أو معلومة تظهر أن العقيدين كانا ضمن المؤامرة أو أنهما من مؤيديه، وغياب الولاية الخامسة وكذلك الثانية التي انحازت إلى قرار الحكومة المؤقتة مع تأييدها، لكن الحكومة المؤقتة قامت بخطأ فادح كونها اعتبرت هذا التصرف من العقداء بمثابة مؤامرة ضد الثورة وعاقبت فاعليه.
جاء العقيد هواري بومدين لقيادة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني في ديسمبر 1959، أي بعد تسعة أشهر من اغتيال العقيد عميروش وصحبه، فأصبح القائد الأول للقاعدة الشرقية كذلك، إذ سيطر على مركز القيادة ليصدر أوامره مباشرة للقيادة الجديدة التي عملت معه على تنظيم ثاني للفيالق وتوزيعهم والتكتيك الحربي وتعيين القيادات الجديدة، إلى جانب ابتكار في كيفية الهجوم والتخريب للأسلاك الشائكة والمكهربة.
الحقيقة أن اجتماع ديسمبر 1958 بالولاية الثانية لم يكن ضمن المؤامرة أو خروج العقداء عن الحكومة المؤقتة، بل جاء الاجتماع من قادة ساءت بهم الأوضاع وتأزمت كثيرا وأصبحوا يخسرون الكثير من جنودهم لنقص في الأسلحة والذخيرة خاصة أثناء عمليات التمشيط التي تقوم بها قوات العدو، وقد حضر الاجتماع كل من العقيد محمد بوقرة والعقيد سي عميروش والعقيد سي الحواس، وقد درسوا بالاجتماع وضعية ولايات الداخل لا غير، ومنها أوضاع الولاية الثالثة بسبب اختراقها من طرف السلطات العسكرية الفرنسية، بوضع أفواج من الوشاة والمولين وأصحاب الدسائس الذي أدى إلى التشكيك فيما بين المجاهدين، كذلك لعدم وصول الإمدادات وعدم عودة الجنود لسلاسل العبور بالأسلحة، وخاصة تفكك عملية التنسيق من طرف الوفد بالخارج الذي انحرف جزئيا عن مساره في دعم الجيش بالداخل مهمت كان وضعهم، وأن العقيدين أرادا التوجه إلى تونس للحديث المباشر مع العقيد سي ناصر الذي تدهورت الأوضاع من حوله، فأصبح في مأزق حقيقي لا يدري كيف يخرج منه، ولما استشهد العقيدين سي عميروش وسي الحواس، بعد وشاية أكيدة ودسيسة استعمارية لكنها تبقى مجهولة إلى يومنا رغم أنها لا تبتعد كثيرا من مكان تنفيذ الخطة واغتيال البطلين الشهيدين بأيدي العدو، هنا نقول أن العقيد هواري بومدين بريء من كل الإتهامات ومن إغتيال العقيدين، لأنه في ذلك الوقت كان بومدين رئيسا للمحكمة العسكرية فحسب، لا يمكن أن نحمله جرائم غيره، وأن نتجاهل كل ما صنعه من وراء الحدود، وإنقاض الجيش من الدمار الكامل، إلى جانب التحدي الكبير والعمل الجبار الذي قام به بعد الإستقلال وخاصة في المرحلة الصعبة والحساسة كثيرا، وأن العقيد سي ناصر هو من كان قائد للأركان العامة في مارس 1958، وأن العقيدين كانا متوجهين إليه لعرض مشاكل المجاهدين بالداخل، لما تربطهم من علاقة طيبة مع سي ناصر، الذي كان نقيا وبعيدا عن كل الشبهات، ولم يبعد عن قيادة الأركان إلا من أجل مسك الأمور بيد قوية وحازمة، يمكنها أن تسيطر على الوضع المتأزم وتعيد أمور الثورة إلى نصابها، ولقد حقق العقيد هواري بومدين بالفعل الإستقرار الكلي والإنضباط التام في صفوف المجاهدين الأحرار الذين حققوا لنا أخيرا النصر الكبير والإستقلال الدائم لجزائر الحرية والشهادة.
* باحث في التاريخ المعاصر للشرق الجزائري
sl_amirat@yahoo.fr

 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

الشاعر حمري بحري

.
مواضيع سابقة
مَنْ يُدحرجُ.. عن قلبى.. الضّجر ..جمالية الرمز اللانهائى
شعر : ابراهيم امين مؤمن
مَنْ يُدحرجُ.. عن قلبى.. الضّجر ..جمالية الرمز اللانهائى


أعرفه
بقلم : أ/عبد القادر صيد
أعرفه


رحيل "رجل بوزن أمة" المجاهد محمد الصالح يحياوي خسارة كبيرة للجزائر
بقلم : علجية عيش
رحيل


الإحتباس الحراري و الإحتباس الفكري
بقلم : العقيد بن دحو / ادرار / الجزائر
الإحتباس الحراري و الإحتباس الفكري


قراءة في مجموعةننن
بقلم : بقلم الناقد العربي الرودالي
قراءة في مجموعةننن


حقيقة الصراع مع اليهود
بقلم : محمد أسعد بيوض التميمي
حقيقة الصراع مع اليهود


سكيكدة.. عن التاريخ ،الفن وجماليات السياحة اتحدث
بقلم : وليد بوعديلة
سكيكدة.. عن التاريخ ،الفن وجماليات السياحة اتحدث


الكاتبة زاهية شلواي ترُدُّ على سيد لخضر بومدين
بقلم : الكاتبة و المترجمة زاهية شلواي
الكاتبة زاهية شلواي  ترُدُّ  على سيد لخضر بومدين


حول الشعر الشعبي
بقلم : طه بونيني
حول الشعر الشعبي


في مقولة " التشكيل البشري للإسلام عند محمد أركون .."
بقلم : حمزة بلحاج صالح
في مقولة




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1439هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com