أصوات الشمال شركة الراشدية
الثلاثاء 27 ذو الحجة 1435هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * خبر ثقافي   * كلمات   * حَدائِق الطّير   * في رثاء أمي   * هـدم الأسرة   * سيد ولد آدم   *  نواياه   * الدكتور رضا الشيني يقلب أوراق من خط بارليف في صالون المبدعات   * السمان والشعلان في نبش غسان   *  هل يتذكر نهر السين ؟؟   * جائزة نازك الملائكة للابداع النسوي   * فن الإصغاء   * الجلفة....عقد الندوة الجهوية للشبكة الجزائرية للاعلام الثقافي لولايات الوسط. واعلان تنصيب 41 مكتب ولائي    * سأمضي   * مظاهر اشتغال الرؤية السردية في ثلاثية فضيلة الفاروق (مزاج مراهقة، تاء الخجل، اكتشاف الشهوة)   * الاعلامية عزة الشرع …..الوطن كياني ووجودي..و الاعلام سعادتي..   * احــــــــبـــاط / قصة قصيرة جدا    * بإشراف من مجموعة العمل حول السياسة الثقافيّة في الجزائر : تنظيم الورشة الثالثة للإدارة الثقافيّة في وهران   * ساحة فلسطينية مرتبكة   * القربان الأخير ...قصة قصيرة... بقلم علاء الأديب    أرسل مشاركتك
الدعم الفلاحي في الجزائر ...و النجاح الذي احتوى الفشل
تحقيق : عباس بومامي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 14858 مرة ]

إن إعداد و إنجاح أي برنامج للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية في الوطن العربي ، خاصة إذا كان يتعلق بعالم الريف ، لا بد أن تسبقه دراسة نفسية و اجتماعية شاملة و معمقة تتناول الأفكار المسبقة التي يحملها المعنيون بذاك المشروع و مدى قابليتهم النفسية و الاجتماعية و انسجامهم التام من عدمه مع المشروع أو السياسة التنموية المقترحة


إن إعداد و إنجاح أي برنامج للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية في الوطن العربي ، خاصة إذا كان يتعلق بعالم الريف ، لا بد أن تسبقه دراسة نفسية و اجتماعية شاملة و معمقة تتناول الأفكار المسبقة التي يحملها المعنيون بذاك المشروع و مدى قابليتهم النفسية و الاجتماعية و انسجامهم التام من عدمه مع المشروع أو السياسة التنموية المقترحة . و عندنا في الجزائر كشفت إحدى الدراسات الاجتماعية في سنوات السبعينات أن الفلاحين و القرويين الذين تم تجميعهم في شكل قرى سميت آنذاك بالقرى الاشتراكية لا يرغب معظمهم في هذا الشكل من التجمعات رغم توفير الدولة لكل مرافق الحياة لهم ، بل و يحبذون بقاءهم فرادى منعزلين عن بعضهم البعض و لو بغير تلك المرافق الضرورية .



و ما نود تناوله في هذا التحقيق هو ما تحقق و ما كان ممكن التحقيق لو سبقت الوزارة المعنية ببرنامج الدعم الفلاحي العملية بدراسات ميدانية بعيدا عن الارتجال و التسرع و الإنفاق المفرط و غير المستحق للكثير ممن ادعوا الفلاحة و سرقوا من الفلاح مهنته مثلما سرقوها و لازالوا يسرقون أية مهنة يشتمون فيها رائحة الدينار .

إن ما يهمنا في هذا المجال هو تقديم رؤية واضحة عبارة عن مراحل كان متوجبا ان تسبق المشروع و بالتالي لما كان بالإمكان فعله حتى يطبق هذا البرنامج الذي ابتلع مئات ملاييرمن السنتيمات و الذي لو تم التحضير له جيدا و استغلت فيه كافة الإمكانات المتاحة لاستطاع تحقيق الاكتفاء الذاتي للجزائرفي المجال الفلاحي .

الإحصاء الفلاحي :

الإحصاء الفلاحي هو أول عملية يتوجب إجراؤها قبل مباشرة أي عملية إصلاح زراعي أو الإقدام على تنفيذ أي مشروع ، و الإحصاء عملية هامة جدا بحيث أنها تساعد على وضع يد المشرفين على كل صغيرة و كبيرة في عالم الفلاحة و الريف عموما خاصة إذا تم بشكل متقن و مضبوط .

ووزارة الفلاحة تفطنت لهذه الفكرة و لكنها جاءت متأخرة نوعا ما، إذ كان من المفروض أن يتم الإحصاء كمرحلة مبكرة تسبق كل مراحل تنفيذ ما يسمى بمشروع الدعم الفلاحي . و من خلال الإحصاء يمكن أن نستشف الكثير من الخلفيات النفسية و الاجتماعية؛ خاصة إذا كانت أسئلة الإحصاء و السبر معدة من طرف مختصين و خبراء نفسانيين و اجتماعيين بالإضافة إلى تقنيين و مختصين في عالم الفلاحة .

المسح العقاري :

لقد كان من المفروض أن تسبق عملية مسح و تنظيم ، و لم لا إعادة توزيع العقار الفلاحي ، قبل الإقدام على أي مشروع أو مخطط للتنمية الريفية أو الفلاحية ، ذلك أن تسوية ملف العقار الفلاحي يعد من اكبر العوائق التي تعترض أية عملية تنموية تقدم عليها الدولة . و لقد حاولت الدولة ممثلة في وزارة الفلاحة منذ أن تمت الموافقة على مشروع الدعم ، أن تضع بعض الشروط للتحكم في عملية استفادة الفلاحين من برنامج الدعم الفلاحي حيث اشترطت ضرورة تقديم عقد ملكية الأرض المعنية بالبرنامج المذكور و قد كان الأمر سهلا في معظم ولايات شمال البلاد ، إلا أن المشكلة ظهرت ، و بشكل بارز، في بعض ولايات الداخل و الجنوب حيث يغلب الطابع العرفي للملكية العقارية من مثل ولاية سعيدة و مشرية و النعامة و الجلفة و المسيلة و تبسة و حتى أم البواقي و خنشلة و بسكرة ، و هو الأمر الذي طرح إشكالا كبيرا أمام الوزارة المعنية بحيث يجب أن تقرر الاستفادة من عدمها في ظل عدم توفر عقود الملكية في هذه الولايات . و قد دفعت الوزارة دفعا إلى أمر قبول استفادة فلاحي الولايات المذكورة ، ذلك أن اشتراط العقود سيحرم اغلب الفلاحين.

و بقدر ما فتحت الوزارة المجال لاستفادة الفلاحين بقدر ما كان التلاعب كبيرا و سهلا بالنسبة لأدعياء النشاط الفلاحي في هذه الولايات بحيث أصبح أمر الحصول على شهادة فلاح أو استغلال ارض من أيسر الأمور الإدارية بل ووصل الأمر في بعض المناطق إلى حد تعبئة استمارات الشهادات الفلاحية في المقاهي و الأماكن العامة ، ان لم نقل المساومة على دفاتر الشروط بالبيع و الشراء ، ليجد مدعو الفلاحة و بالتالي المستفيدين من الدعم أنفسهم مستفيدين من مليارات من السنتيمات .

لقد كان من الواجب أن تقوم وزارة الفلاحة بالوقوف على تعيين العقار و تسوية العقود ، و خلق عقود جديدة خاصة بالفلاحين المالكين للأرض و المحرومين من تلك العقود ، و لبرنامج الاستصلاح عن طريق الامتياز أو عن طريق أي شكل من أشكال الاستفادة الدور المكمل لهذه العملية . ولو تمت العملية لاستغرقت بعض الوقت لكننا نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لإنجاح أي برنامج فلاحي و ذلك من خلال جرد الفلاحين و ملاك الأرض الحقيقيين؛ و هي وحدها العملية التي تمنع دخول الفلاحين المشبوهين أو ما يسمى مجازا بقناصي الدعم .

و بعد هذه العملية التي تتيح للوزارة عن كثب إحصاء عدد الفلاحين و معرفة مخزون الجزائر من العقار بل و الأكثر من ذلك تصنيفه وفق صلاحيته و مواءمته لمنتوج معين بحيث ترسم خريطة إنتاجية لكل إقليم و لكل ولاية ، و هو الأمر الذي تبنى عليه أيضا سياسة الدعم ، بمعنى أن ولاية معينة تصنف باعتبارها مواتية مناخيا و بيئيا لتربية المواشي مثلا وفق دراسة معدة سلفا و بالتالي لا يمكن أن يخصص لها برنامج لغراسة الأشجار المثمرة ، بل يدعم نشاط تربية المواشي فيها حتى يلقى النجاح المطلوب .



• مكاتب الدراسات و مخابر التحليل :

لقد كان من المفروض أيضا أن تنظر الوزارة إلى مشروع الدعم نظرة إستراتيجية بعيدة المدى بحيث لا يمكنها أن تنفذ في غضون عامين أو ثلاث سنوات إنما في خلال خمسة عشر عاما على الأقل ، بحيث تركز الأنظار على النتيجة النهائية و ليس على النتائج المتسرعة التي تعد في معظمها نتائج غير حقيقية و لا تعبر عن الكلفة الضخمة المستثمرة في قطاع الفلاحة .

و قد كان من الواجب أن يسبق المشروع المذكور بعملية تكوين الكوادر و الإطارات الفلاحية و إنشاء مكاتب متخصصة في العمل الفلاحي ،و في تسوية وضع العقار الفلاحي ، بحيث تخصص السنوات الأولى فقط لهذين العمليتين و هما بالطبع أساس البرنامج الفلاحي المعلن عنه من طرف السيد رئيس الجمهورية .

و لقد علمتنا التجربة أن جل مكاتب الدراسات الفلاحية لا علاقة لها بالميدان الفلاحي بحيث أن معظم الدراسات دراسات شكلية منقولة و مستنسخة في معظمها من الانترنت و من المواقع الالكترونية لبعض الهيئات و المراكز الفلاحية في العالم . و حتى المكاتب و المراكز التي يشرف عليها متخرجون و إطارات من معاهد العلوم الفلاحية تعد قليلة التجربة وبعيدة عن الميدان و متمسكة بالدراسة النظرية البحتة ، و هو الأمر الذي جعل الفلاح يرتاب في كل ما يرشدونه إليه ، اللهم العدد القليل منها و من إطاراتها و مسؤوليها .

و قد غلب على تلك المكاتب و المخابر الطابع التجاري و ليس الحرفي البحت ، بحيث أن شبه دراسة ، و منقولة في معظمها من الانترنت و في بضع صفحات تتجاوز أل : أربعة ملايين سنتيم .

• تحليل التربة ودراستها :

بعد أن استفاد الفلاحون في بعض الولايات تم غرس الشجيرات المثمرة ، و استخرج الماء و بنيت أحواض التخزين و تم انجاز شبكات الري بالتقطير و تم كل شيء ، إلى أن اكتشف الفلاحون ، و بعد مرور أربع أو خمس سنوات ، أن محصولهم هزيل و مردودية حقولهم ضعيفة لا لأي شيء إلا لكون أن التربة المغروسة لم تخضع لعمليات التحليل و الدراسة لتأكيد ما يصلح فيها تقنيا .

و قد تداركت الهيئات المسؤولة ذلك في السنوات الأخيرة و جعلت عملية تحليل التربة شرطا لاستكمال الملف لكن ذلك كما سبق و إن قلنا كان شكليا و لا علاقة لمعظمه بالمعايير التقنية و العلمية الصحيحة المعمول بها عالميا .

و لقد اكتشفت الفروع و المديريات الفلاحية ذلك ووقفت على الكثير من النقائص بل و قد رفعت بعض التقارير في هذا الشأن إلى الهيئات العليا الوصية .

و تحليل التربة سيحدد أي المناطق تصلح و لأي زراعة أو غراسة أو فلاحة، و العملية التقنية الناجحة تساوي النجاح الفلاحي الأكيد و المضمون .

بعد إتمام العمليات السابقة و تكفلها بالإجراءات الإدارية للعقود و توفيرها لمراكز البحث و الدراسة و لمخابر التحليل و الاستنتاج يأتي دور التنقيب عن المياه و التفكير لاحقا في عمليات الري و السقي.

• التنقيب عن المياه :

لقد كان الخطأ كبيرا حينما سهل القائمون على برنامج الدعم الفلاحي عمليات الغرس قبل التنقيب عن الماء و استخراجه ، إذ أن بعض الفلاحين باشروا بغرس الأشجار المثمرة و بنوا أحواض التخزين و مدوا قنوات و شبكات الري و عندما نقبوا عن الماء لم يجدوه، و إن وجده بعضهم فقد عثر عليه مالحا لا يصلح لشيء و تعطلت العملية ككل لا لسبب إلا لسياسة حرق المراحل و انعدام مفهوم الأولوية لتلك المراحل و الانجازات . و رغم صعوبة عملية السقي بالصهريج و الاستمرار فيها إلا أن بعض الفلاحين حاولوا عدم التفريط في أشجارهم ، إلا أن قدرتهم على تحمل تكلفة السقي، خاصة في فصل الصيف ، لم تسعفهم في ذلك فتركوا الأشجار لتواجه مصير الجفاف و الموت الأكيد ، و تصوروا الخسارة و الجهد ، والأكثر من ذلك خيبة الأمل و حسرة الفشل .

و عند حديثنا عن التنقيب عن المياه الجوفية لابد أن نتذكر الحفارات السورية و هجرة الحفارين السوريين ، و بقدر ما صاحب العملية في عمومها من الفوضى في الحفر و في قياس عمق الآبار و احتمالات وجود الماء من عدمه فان الإخوة السوريين كشفوا عن ضعف كبير ترقد عليه وزارة الموارد المائية في السنين الماضية ، بحيث لم يستطع حفارونا و لا حفاراتهم الإيفاء بالطلب الكبير المصاحب للتدعيم.

و مهما قيل عن فوضى العمالة السورية و عن ادعاء الكثير ممارسة حرفة الحفر و الأخطاء المرتكبة في حق فلاحينا إلا أن الإخوة السوريين ورثونا و أطلعونا على مهنة الاشتغال في حفر الآبار ، و مهما كانت الأخطاء و بعض الممارسات الاحتيالية فان ملايين الأمتار المكعبة هي مخزنة حاليا فوق الأرض ، و قد تجلت فائدتها أكثر وقت أزمة المياه الصالحة للشرب التي عرفتها الجزائر قبل سنوات.

و قد كان حريا أن يسرب موضوع الدعم الفلاحي أربع أو خمس سنوات قبل البدء في تنفيذ المشروع و هذا كي يتسنى للمشتغلين بالحفر إعداد و تجهيز أنفسهم ، ذلك أنهم اخذوا على حين غرة و لم يكونوا على علم البتة بأن هناك مشروعا ضخما يتطلب حفر عشرات الآلاف من الآبار . و إن ما يمكن قوله ، و بغض النظر عن نجاح مشروع الصندوق الوطني للضبط و التنمية الفلاحية من عدمه ، فان وزارة الفلاحة حلت مشكلا كبيرا لوزارة الموارد المائية و بالتالي فقد حلت مشكلة المياه بنسبة كبيرة للجزائر .

* تحضير المشاتل :

المعروف سابقا أن المشاتل كانت تعمل بشكل عادي بحيث تزود الفلاحين و أصحاب البساتين بالأشجار على مختلف أنواعها و أصنافها ، و ما حدث للحفارين و المشتغلين بمهنة الحفر حدث كذلك لأصحاب المشاتل و المشتغلين بالبستنة و الغابات، ذلك أن المشروع فاجأهم بضخامته و بالطلب الكبير على الأشجار المثمرة ، و قد استغل الكثير من أصحاب المشاتل الفرصة فرفعوا الأسعار و احتكروا عمليات البيع بعد شرائهم لكل محتويات و شتائل المشاتل الصغيرة و برز الكثير من السماسرة و الوسطاء حتى صار للمشاتل تجارها و مروجوها و كانت الفرصة مواتية لغير المنتمين لعالم الفلاحة فكثر اللعب بالأسعار و بشهادات المطابقة و بالفواتير ، و قد ظهر ذلك جليا في السنة الثانية و الثالثة من عمر البرنامج الفلاحي خاصة عندما تعاقدت مديريات الفلاحة مع بعض التعاونيات المفلسة ، حيث لم تحترم شروط التخزين و لا النقل و لا التوزيع ، و قد كان كل ذلك على عاتق الفلاح المسكين .

و الوزارة المعنية كان بإمكانها أيضا إعلام و تبليغ أصحاب المشاتل حتى يستعدوا للعملية و حتى يحضروا الشتلات الخاصة بكل منطقة بل و أكثر من ذلك خلق مشاتل في كل الولايات حتى تستطيع تلبية الطلب و حتى تسهل عمليات المراقبة التقنية من طرف مفتشي مديريات أو وزارة الفلاحة ، و حتى تتلافي عمليات دس عشرات الآلاف من الشجيرات المغشوشة و غير الخاضعة للرقابة الفلاحية.

* الغراسة و الزرع :

بعد استكمال كل المراحل السابقة يصل بنا الأمر إلى عملية غراسة الأشجار أو الزرع و البذر ، و المؤسف أن البرنامج المذكور ركز على الفلاحة الكمالية و لم يركز على الفلاحة الإستراتيجية كالقمح و الشعير و ربما حتى الأرز ،حتى و إن كانت تعترض زراعته بعض الصعوبات ، ذلك أن المواطن يستطيع الاستغناء عن التفاح و الموز و البرقوق و ما شابه و لكنه لن يستطيع الاستغناء عن القمح أو الشعير أو الحبوب و البقول الجافة . و من ايجابيات الغراسة أنها وفرت الكثير من مناصب الشغل المؤقتة و ذكرتنا بأيام التطوع التي صاحبت الثورات الاشتراكية في العالم . بحيث غدت الجزائر مزرعة أو حقلا كبيرا من شماله إلى جنوبه و من شرقه إلى غربه . و تم غرس الملايين من الأشجار المثمرة . و هو ما يجعلنا اعتبار مشروع الدعم الفلاحي ناجحا إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية المفهوم ألغابي و الاقتصادي ؛ بغض النظر عن المفهوم الإنتاجي .

• الرقابة و التفتيش :

المعروف في كل الدول و في كل المجتمعات وجود أناس طفيليين يريدون العيش على حساب الغير ، و هؤلاء ، إن في مجال الفلاحة أو في غيره ، افسدوا على الدولة برامج التنمية و افسدوا على الفلاح أمره ، و المشكلة أن الهيئات التقنية المتخصصة في المراقبة و المتابعة حينما تكتشف تلاعبا أو عدم انضباط في محيط فرع فلاحي معين لا تلجأ إلى معاقبة و التحقيق مع المشرفين و المسؤولين التقنيين الذين يقع ذلك المحيط الفلاحي ضمن دائرة مراقبتهم بل تلجأ إلى معاقبة الفلاح ، و الفلاح المشبوه أو المزور ، إن صح التعبير ، لا يمكنه أن يتلاعب بالعتاد أو يبيعه أو يتراخى في خدمة المشروع إلا إذا وجد غض الطرف من طرف الهيئات المعنية بل و مرات عدة يلقى حتى التواطؤ و السكوت مقابل رشوة أو شيئا من هذا القبيل .

و قد كان من المفروض أن يعاقب الفلاح عن التراخي و الإهمال و المغالطة و التزويروالتلاعب و يعاقب المسؤول الذي سهل له عقوبة شديدة و قاسية حتى يصيرا عبرة لغيرهما . ذلك أن عملهما و سلوكهما يفسد على الفلاحين الفعليين و النشيطين حياتهم و مستقبلهم الفلاحي و يغير سلوكهم ذلك حتى انشغال الدولة عن وجهته الحقيقية ، إذ بدل أن تهتم بمشاريع أخرى تعود أدراجها لتستدرك النقائص و الهفوات التي يستغلها هؤلاء الطفيليين .

و الوزارة حينما خفضت الدعم إلى 50 % ثم إلى 30 % ، ربما كان كنوع من كبح جماح المستفيدين غير الشرعيين . و هي طريقة تحرم الكثير من الفلاحين الحقيقيين الذين يتوجب مساعدتهم و تشجيعهم و الوقوف إلى جانبهم .

* دواوين للتسويق :

و في هذا المجال يتوجب أن تعيد الدولة الوسيط الذي كان يسمى في السابق بديوان تسويق الخضر و الفواكه / OFLA/ لكن وفق ميكانيزمات جديدة للتسويق و ربما يتولاها القطاع الخاص ، و هذا بناء على تجربة التسويق السابقة التي كرست البيروقراطية و أضرت كثيرا بالفلاحين .

و الدولة حينما تنشئ جهازا صارما و منظما لتسويق منتجات الفلاحين تضمن وفرة و نوعية الإنتاج مما يخلق روح التنافس بين الفلاحين، ليس على مستوى السوق الوطنية بل حتى على مستوى السوق الخاصة بالتصدير . و الأكثر من كل ذلك توفر إمكانية مراقبة الأسعار و التحكم فيها بحيث تصير مراكز و فروع دواوين التسويق على مستوى كل مدينة هي التي تشتري من الفلاحين إنتاجهم و لا تبخسهم أثمانهم و تعاود بيعه بالجملة لتجار الخضر و الفواكه ، و هذه الصيغة توحد ثمن الشراء و بالتالي تفرض توحد سعر البيع اللهم فيما يتعلق بمسافات النقل بحيث تضاف زيادات النقل حسب المسافة .



هذه جملة المراحل التي كان من المفروض أن تتبع و تسطر حتى يسير مشروع الدعم الفلاحي إلى الأمام و يحقق نتائج كبيرة تفوق توقعات ما تم صرفه من مبالغ طائلة ، و مهما كان من أمر النجاح أو الفشل فان المؤكد هو أن الإنتاج تضاعف كثيرا مقارنة بالسنوات السابقة بحيث أصبح أمر الوفرة ظاهرا للعيان ، فمنتوج البطاطا في السنوات الأولى أدى عرضه الوفير إلى انخفاض منقطع النظير في سعره حتى وصل الأمر ببعض المنتجين إلى تخزين آلاف الأطنان نتيجة عدم رواجها في السوق ، و هنا ظهرت و لازالت مشكلة كبيرة يعاني منها الفلاحون و هي مشكلة حماية الفلاح من تقلبات السوق و ضمان بيع منتوجه .

فالفلاح الذي لم تحم الدولة أو الهيئة الفلاحية الوصية منتوجه صار عرضة للكثير من الخسارة والابتزاز من طرف أشباه التجار ،والأكثر من ذلك أن الإنتاج لا يسير وفق إستراتيجية إنتاجية معينة خاصة إذا علمنا أن الفلاح المنتج مثلا للبطاطا لا يعاود زراعتها العام المقبل تخوفا من لقيان إنتاجه نفس مصير العام الماضي ، و قد حدث ذلك كعينة مع الفلاح لعموري. ب و النذير .ش و لخضر .ع و هم جميعا من محيط معاش ، حيث تعرضوا لخسارة كبيرة انهت ارتباطهم بزراعة البطاطا رغم سعرها الجيد في هذه السنة .
و تظهر سلبية تخفيض مستوى الدعم كثيرا حينما لا تلبي نسبته الضعيفة الحالية متطلبات الفلاح الناجح و الذي اثبت جدارته و تفانيه في خدمة الأرض ؛ حسب ما يؤكده رئيس الفرع الفلاحي بدائرة شلالة العذاورة ولاية المدية السيد بن سعدي الجيلالي ، و الذي يرى أيضا "أن الدعم الفلاحي ، و رغم بعض السلبيات التي صاحبته ،و المستدركة مؤخرا فقط، يعد ناجحا ، و لو تفطنت الهيئة المعنية من مديريات الفلاحة و الوزارة إلى تلك السلبيات منذ السنة الأولى لكانت النتائج أفضل بكثير ، و قد كان من المفروض أن يجرب البرنامج في شكل تجارب نموذجية في كل الولايات شريطة أن تشمل عينة التجريب فلاحين أو ثلاثة من كل بلدية أو دائرة حتى تقيم النتائج و عند نجاحها تعمم التجربة على كافة التراب الوطني " و يضيف قائلا : " إن السلبيات بقدر ما هي مصاحبة للبرنامج الوزاري نتيجة للتسرع بقدر ما هي مصاحبة لسلوك بعض الفلاحين الانتهازيين " .

كما أن حرمان الكثير من المنتجين الحقيقيين من الدعم بسبب عدم توفرهم أو حيازتهم على عقود الملكية في الولايات الشمالية التي اشترط فيها عقد الملكية كشرط أساسي و أولي ، كان من ابرز السلبيات . بالاضافة الى عدم تسوية ملف العقود الجماعية التي طرحت اشكالا كبيرا لازال الى حد الساعة ، حيث لم يستفد اصحابها لا من برنامج الدعم و لا من برنامج السكن الريفي اذ بدل ان تطبق الهيئات الوصية قانون الاستصلاح الخاص بنزع صفة الملكية للفلاحين الذين ثبت عدم مراعاتهم لشرط الخمس سنوات عوقب الجميع حتى اولئك الذين تحركوا و فلحوا الارض و اثبتوا تواجدهم ، بحرممانهم من الاستفادة و حتى من السكنات الريفية . و هو الامر الذي يحكي عنه الفلاح بن سعدي لعموري بمرارة متسائلا عن ضرورة تدخل الهيئات الوصية لتجد الحل المناسب حتى و ان اقتضى الامر اعادة توزيع الاراضي بشكل عقود فردية .
و قد لاحظنا الكثير من الفلاحين الناجحين وغير المستفيدين من دعم الدولة رغم كونهم فلاحين أبا عن جد و قاطنين في المحيط الريفي و الفلاحي منذ عقود عدة .و المؤسف ايضا ان لا يستفيد هؤلاء الفلاحين من برنامج البناء الريفي تبعا لعدم استفادتهم من الدعم الفلاحي بسبب عدم حيازتهم على عقود الملكية ، و هو ما خلق هوة و عدم توازن بين فلاحي الولايات في ربوع الوطن.

وكخلاصة فالدعم الفلاحي نجح بشكل رجحت فيه كفة الايجابيات على السلبيات ، إذ يكفي نجاحه توفير مليارات الأمتار المكعبة من المياه الجوفية و يكفي أيضا غراسة عشرات الملايين من الهكتارات بالأشجار المثمرة و الغابية و هو ما يعوض على الأقل ما التهمته النيران في سنوات المأساة الوطنية ، بالإضافة إلى الحفاظ على المحيط الريفي و تثبيت الفلاح فيه بعد سنوات الهجرة الداخلية بسبب الظروف الأمنية التي كانت سائدة . و قد تدعم ذلك ببرنامج التنمية الريفية الذي كان و لازال من أولوياته تدعيم بناء المساكن الريفية للفلاحين و قاطني الريف الجزائري .



abbas_b9@yahoo.fr
ملاحظة : الصورة منقولة عن موقع google.com

نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 11 ذو الحجة 1427هـ الموافق لـ : 2007-01-01

التعليقات
شما
 وااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااايد حلو الموقع بس ممكن أتعرف على أي حد بس على الاميل مالي fofo@hotmail.com 


mohi
 مواضيع جيدة و لكن نريد بعض المشاريع التي تسعى وزارة الفلاحة الجزائرية ان تقوم بالإستثمار فيها و تدعمها مثل تدعيم مشروع تسمين الأغنام 


صابري ميلود
 موضوع في الصميم أثلج صدري و اراح نفسي لما كنت أشاهده من فسلد و أكل أموال بلدي الجزائر من طرف أشباه الرجال لإشباع نفوسهم الجشعة من جهة ،و لإجابياته العائدة على الفلاحين المستحقين له و على وطني الحبيب و للتعلم منه كدرس للمسؤولين مهما علت درجته و كذا المواطن و للوقوف لجانب بلادنا و السعي للنهوض بها و مواكبة العالم المتطور لأجل الوطن بالدرجة الأولى و للأجيال الصاعدة من أبنائه بالدرجة الثانية.و شكرا  


fifi
 شكرا على الموضوع. لقد افادنا كثيرا فى الدراسة 


حاجو
 بارك لله فيك وننتظر منك المزيد 


منيرة
 موضوع رائع لكن تعمق أكثر في الموضوغ لتزيد من مفهومه و وضوحه تمنياتي لك بالمزيد عن قريب . شكرا
 


هند
 موضوع هائل استفدت الكثير منه خصوصا في مجال عملي . شكرا 


احمد
 اشكرك على هذاالموضوع وسؤالي لمذاتوقف الدعم 


yahia
 
شكرا على هدا الموضوع الدقيق واريدك ان توافيني بانواع الدعم المتوفر حاليا في ولاية المسيلة ادا امكن وشكرا.













 


قلب الدي
 موضوع مفيد جدا ، لكن هنالك بعض الجوانب التي يجب التعمق فيه أكثر من أجل زيادة الإستفادة. شكرا لكم . 


fazime
 بسم الله شكرا علا ...في الفلاحين الدين يقطونون الارياف والمشكل يكمل في عدم امتلاك عقود الملكية لي الارص وهنا يكمل المشكل.شكرا 


غازي سليم
 بسم الله الرحمن الرحيم
أريد حلا قاطعا من طرف الوزير شخصيا بخصوص موضوع الفلاحة . حيث تكمن مشكلتي في التماطل في حد ذاته من طرف مسؤوليين المكلفين من طرف مديرية الفلاحة لولاية بشار فيمايلي :
1- منذ أن إستخرجت لي كل الوثائق المتعلقة بالقطعة الفلاحية ( الإستصلاح الفلاحي ) من شهادة إدارية, رخصة حفر البئر , وكل الوثائق المتعلقة بمكتب الدراسات إلا أنه إلا يومنا هذا لم يوضع ملفي في جلسة ctw bechar.ياسيدي معالي الوزير , لماذا يكون هذا التماطل , ولماذا لأستحق الدعم الفلاحي من طرفكم أولا و من طرف المديرية ثانيا ,لانني منذ سنة 2004 و أنا أنتظر رد مفصل و مقنوع من طرف الوزارة الوصية ......السيد : غازي سلبم من طرف ولاية بشار 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

كل عام وأنتم بخير

بقلوب تحتضنكم وافئدة تتشرب ابداعاتكم نقول لكم عيد مبارك سعيد أعاده الله عليناوعليكم باليمن والخير والبركة كل عام وأنتم طيبون ورغم جراحاتنا والالامنا كان لزاما علينا أن نفرح لملاقاتكم في هذا اليوم ، لأنه العيد يوم أردناه أن يكون لمصافحتكم وملاقاتكم فكونوا بخير وعلى فرح قادم سنلتقي

.
مواضيع سابقة
السمان والشعلان في نبش غسان
السيد : احمد خيري الباشا
السمان والشعلان في نبش غسان


هل يتذكر نهر السين ؟؟
بقلم : عبير البحر / حلوة السعدية
 هل يتذكر نهر السين ؟؟


جائزة نازك الملائكة للابداع النسوي
عن : باقر الرشيد القريشي
جائزة نازك الملائكة للابداع النسوي


فن الإصغاء
بقلم : مادونا عسكر/ لبنان
فن الإصغاء


الجلفة....عقد الندوة الجهوية للشبكة الجزائرية للاعلام الثقافي لولايات الوسط. واعلان تنصيب 41 مكتب ولائي
بقلم : جليخي مقدم / حمام فاروق
الجلفة....عقد الندوة الجهوية للشبكة الجزائرية للاعلام الثقافي لولايات الوسط. واعلان تنصيب 41 مكتب ولائي


سأمضي
بقلم : غنية سيد عثمان
سأمضي


مظاهر اشتغال الرؤية السردية في ثلاثية فضيلة الفاروق (مزاج مراهقة، تاء الخجل، اكتشاف الشهوة)
بقلم : أ.موساوي حفصة
مظاهر اشتغال الرؤية السردية في ثلاثية فضيلة الفاروق (مزاج مراهقة، تاء الخجل، اكتشاف الشهوة)


الاعلامية عزة الشرع …..الوطن كياني ووجودي..و الاعلام سعادتي..
بقلم : االكاتب و الشاعر منير راجي ..وهران
الاعلامية عزة الشرع …..الوطن كياني ووجودي..و الاعلام سعادتي..


احــــــــبـــاط / قصة قصيرة جدا
بقلم : رقية هجريس
احــــــــبـــاط / قصة قصيرة جدا


بإشراف من مجموعة العمل حول السياسة الثقافيّة في الجزائر : تنظيم الورشة الثالثة للإدارة الثقافيّة في وهران
بقلم : حبيبة العلوي
بإشراف من مجموعة العمل حول السياسة الثقافيّة في الجزائر :  تنظيم الورشة الثالثة للإدارة الثقافيّة في وهران




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1435هـ - 2014م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com