أصوات الشمال
الاثنين 10 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * في مشروع عبد الوهاب المسيري و شقه النقدي التحليلي للنظام الفكري الغربي..   *  وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا. والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! /الحلقة:02    * تراتيل الفجر   * أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)   * من دفتر الذكريات    * الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..   * مع الروائي الشاب أسامة تايب    * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر    * الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري   * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين   * مثل الروح لا تُرى   * اليلة   * في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري    * سطوة العشق في اغتيال الورد   * ما يمكن لرواية أن تفعله بك   * اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني   * الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..   * فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام    أرسل مشاركتك
نشيد مدينة الله الضائعة
بقلم : بن علي لونيس
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1246 مرة ]


تبدو شخصيات الروائي الجزائري "واسيني الأعرج " في روايته ( كريماتوريوم، سوناتا لأشباح القدس ) مسكونة بأشباح الماضي، الذي يربطها بتلك المدينة المفقودة مدينة الله ( القدس ) وبحاضر يشدها إلى يقين هشّ هشاشة تلك الأرواح التي تسكنها، وهي في بحث لا ينتهي عن طريقة لمقاومة شراهة الموت..


نشيد مدينة الله الضائعة
قراءة إنطباعية في رواية " كريماتوريوم سوناتا لأشباح القدس للأعرج واسيني.
لونيس بن علي/ ناقد أدبي

تبدو شخصيات الروائي الجزائري "واسيني الأعرج " في روايته ( كريماتوريوم، سوناتا لأشباح القدس ) مسكونة بأشباح الماضي، الذي يربطها بتلك المدينة المفقودة مدينة الله ( القدس ) وبحاضر يشدها إلى يقين هشّ هشاشة تلك الأرواح التي تسكنها، وهي في بحث لا ينتهي عن طريقة لمقاومة شراهة الموت..

في تلك المسافات الفاصلة بين ماض يتبدى كالحلم المستحيل يقاوم تلاشيه، وحاضر يفرض أسئلته القاسية عليها، تهرب إلى كلّ ما يمكن أن يتحوّل إلى مسكن أبدي، تحتمي فيه من ضربات الحياة القاسية، فكان الفن ذلك الملجأ الأنطولوجي، الذي يختزل قوة الرغبات التي تتفجّر في أعماقها..." يوبا " هذا الفتى الفلسطيني ـ الأمريكي يهرب إلى سوناتاته ليقول الحياة التي يتأمّلها بكلّ شجاعة، ليحتفي بها حتى لو كانت جرعات الألم التي تمنحه له يوميا تزداد ضراوة..و " مي " هذه الفلسطينية التي هاجرت إلى أمريكا لتترك من خلفها مدينتها المغتصبة، لكن السرطان لم يمنح لها الوقت الكافي لتكمل لوحاتها التشكيلية التي كانت بمثابة جسرها الوحيد الذي يربطها ببقايا تلك الحياة الهشة... ما أقسى مصير هذه الشخصيات في هشاشة روحها، لكن في أعماقها تسكن قوة عظيمة، وكأن الألم وحده كفيل لأن يفجّر فيها كلّ طاقتها في الوجود والحياة..

جغرافية التاريخ:
تتوزع الرواية زمانيا ومكانيا على النحو التالي:
الماضي: ــــــــــــــــ فلسطين ( القدس )
ـــــــــ الشخصية الفلسطينية ــــــــــــــ
الحاضر ــــــــــــــــ الولايات المتحدة الأمريكية ( نيويورك)
الواضح أننا إزاء شخصيات منفية بقوة التاريخ، وبالتحديد شخصية الفلسطيني المغترب، بل المنفي لأنّ للمنفى في هذه الرواية يتحول إلى إيقاع تراجيدي يلتصق بشكل عضوي بمأساة شعب بأكمله، أُغتصبت أراضيه، وطُرد منها بقوة السلاح وقوة المآمرة والخديعة. في المخطط السابق ما يُبرز بشكل جليّ كيف أنّ المنفى يحمل دلالة الشتات، والإنتشار والتمزّق الذي طال شخصيات الرواية من الداخل. قلتُ في البداية أنّها شخصيات تعيش بين زمنين، ومكانين، اولهما تحوّل بفعل قوة التاريخ إلى زمن ومكان مجازيين لا ينتميان إلاّ إلى ذلك الماضي البعيد، المسكون بتلك الوجوه الباهتة التي تخرج من ذاكرة ضائعة ومرتبكة، تحاول أن تقاوم النسيان، وجوه لم يبق منها غير تلك القبور الضائعة في وحشتها، المسكونة بالصمت يحرسها عجوز نخره الزمن، هو ذاكرتها المتبقية.

كنتُ سأطرح هذا السؤال: كيف يمكن أن تكون شكل حياة يوبا ومي خارج عالميهما الأثيرين: الموسيقى، والفن التشكيلي؟ لابد أن تكون حياتا لا تستحق أن تعاش. فالفن عندهما تحول إلى بلسم يخفف من آلام الجسد والروح معا. مي التي اكتشفت أن السرطان ينخر جسدها من الداخل دون رحمة، ودون أن يمهلها الوقت الكافي لترميم حياتها المنكسرة، يوم وجدت نفسها مُبعدة عن موطنها فلسطين، وعن حبيبها يوسف. كان البعد قاسيا، وكان للمنفى برودته القاسية. ويوبا الذي أراد أن يخلد روح والدته بمعزوفة موسيقية تترجم رحلتها القاسية مع المرض، قبل أن يحمل رمادها وينثره في كل زاوية من زوايا القدس، تلك كانت وصيتها الاخيرة. كانت تريد أن تنتشر في سماء وأديم هذه المدينة مدينة الله، لتعود إليها ولو كانت داخل جرة صغيرة تضم رماد احتراقها.



العودة المستحيلة
في حياتها لم تكن مي قادرة على العودة إلى فلسطين، كانت فكرة العودة توقظ في أعماقها أشباح الماضي، فلم تكن مستعدة لمواجهتها. الماضي الذي يعني لها كل تلك الأشياء الجميلة التي تركتها رغما عنها، تلك الجراح التي لم تشف منها، وصورة يوسف حبها المستحيل الذي قتله ناهبوا الجغرافيا..كانت تقول دائما لابنها الوحيد " يوبا " " حذار. كل تفكير مستميت في الماضي هو خيانة الحاضر. لم أكن مستعدة للبقاء في الماضي. دخلت في زمن كان علي أن أواجهه بكلّ ما أوتيتُ من قوة وصبر، وفعلتُ ذلك ولو أنّ الثمن كان باهظا في حياتي " ( الرواية/ص51). أصبح الماضي يهدد انسجام علاقتها بالحاضر مدركة أنّها قد دفعت ثمن هذا السفر القاسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتحمل انكساراتها وتحاول أن تقاومها بكل قوة وصبر. هنا تفسّر الرواية بشكل عفوي كيف يتحوّل الفن عند "مي " إلى مسكنها الروحي الذي يقيها من كل شيء: من الماضي، من حاضر يمشي نحو الهاوية، من أب ( بابا حسن ) لم يعرف كيف يروّض جموح الذكر الشرقي في أعماقه، ولا كيف يترجم حبه السري لابنته، ليموت ويحمل معه سرّه الخطير، من جدها الاندلسي الذي وجد نفسه يفقد مملكة، فترميه الأقدار إلى جحيم المنافي، لا يحمل معه عن الأندلس غير حزنه الكبير... وحده الفن / الرسم قادر على استيعاب كلّ هذه الأثقال النفسية، أن يحرر الذات منها..الفن عند مي هو أيضا طريقتها للتواصل مع العالم، ومقاومة آلامها التي يخلفها مرض السرطان على جسدها الهشّ...عبر مسالك الفن ترسم مدينتها الضائعة، تلملم تلك الجراح التي تتفجّر من عين الماضي فتسيل ألوانا تحاكي ألوان الخريف، فصلها المفضل، لأنه يشبهها في كلّ شيء، ويمنحها ذلك الإحساس العجيب بالألوان.

الذاكرة والخريف وغواية الألوان
يمنحنا السارد متعة مضاعفة وهو يسافر بنا بين لوحات مي، يقرأ ما خلف ألوانها تجربة حياة لم تكتمل فيزيقيا، لكنها ارتوت فنيا وجماليا واكتملت وهي ترسم آخر لوحاتها ( نيويورك هسهسة الأوراق الميتة ). يسافر بنا في خلجات تلك الوجوه المرسومة بدفق شعوري لا تضاهيها إلاّ تموجات روحها الشاعرية، وكأنها لا تريد أن تقول الحياة فحسب، ولا أن تقاوم ألم المرض من جهة، بل وكأنّها تصفي حساباتها مع الماضي، مع خالاتها التعيسات، أو مع حبها المستحيل ليوسف الذي لا تعرف عن أخباره إلاّ إشاعات بجنونه وانتحاره..

كانت اللوحات بمثابة محفز سردي يحرّك السرد إلى الخلف، وتمارس فعلا إرتجاعيا إلى الوراء، حيث الذاكرة التي لا تقاوم، التي لا يمكن تصفيتها من المخيلة، تلك التي تصنع ندوب الحاضر، تلك التي رسمت تلك السبل الخفية التي انتهت إلى المنفى الأمريكي.. كلّ لوحة تختزل حكاية، بل تشكل في حد ذاتها نصا محكيا لكن بلغة الألوان، والأشكال، بلعبة الظل والنور...الحضور والغياب، الأمل واليأس...وفي عتمة تلك الذاكرة تتبدى من بعيد صورة مدينة لم تعد تنتمي إليها، ولم تعد تحمل عنها إلاّ صورا باهتة. تقول بحرقة " ما جدوى العودة إلى أرض لا تعرفك ولا تعني لها أي شيء " ( الرواية / ص 46، 47)، تتذكر ـ وهي تروي قصتها لابنها يوبا ـ عن رحلتها من فلسطين إلى أمريكا داخل سفينة متآكلة، رطبة، دون ان تدري أن تلك السفرية ستكون آخر عهد لها بموطنها، رحلة دون رجعة، وأنّ والدتها التي اعتقدت أنها ستلحق بها، لن تأتي إلى الأبد، وأنّ المدينة التي ستحتضنها لن تكون إلا مدينة في حجم نيويورك! هنا تبدأ قصتها مع المنفى، ومع المرض، ومع سرطان الرئة، فرئتيها لم تقاوما رطوبة السفينة... كنتُ أتساءل وأنا أقرأ الرواية : ما علاقة الرحيل بالمرض وبالتحديد بمرض السرطان؟ هل المنافي قادرة فعلا أن تخطف الحياة من أجساد المنفيين؟ وأنا أطرح السؤال تلوى الآخر، فكّرتُ في كلّ هؤلاء الذين سحبتهم ظلمة المنافي، ورمت بهم إلى تلك المنطقة المتوترة، المسكونة بالأسئلة القاسية، وليست مي إلاّ واحدة من هؤلاء الذين لم يجدوا أنفسهم إلا في مواجهة أسئلتهم القاسية، في مواجهة مرض ورثته عن رحلة الذهاب بلا رجعة؟ في قصتها هذه ما يختزل تراجيديا وطن بأكمله، استولت عليه مجموعة من العصابات، والمجانين فنهشوا جسده مثل السرطان تماما..

كتابة المذكرات أو تمديد الحياة
انتهت مي في لحظة قاسية كان المرض ينتهك جسدها الهش إلى قرارين حاسمين: القرار الأول أن تمنح جسدها للمحرقة، وينثر رماده في سماء القدس. فالإسرائليون رفضوا السماح لجسدها أن يُدفن في مدافن هذه المدينة. والقرار الثاني أن تشرع في كتابة مذكراتها في كراستها النيلية اللون، التي كانت تخفيها مثل كنز قديم تحت وسادتها. فما علاقة القرارين ببعضهما البعض؟ أي ما علاقة حرق الجسد بقرار خوض تجربة الكتابة في أقسى لحظات الحياة، لحظة انتظار ملك الموت؟ تضعنا هذه الشخصية امام إشكال حقيقي، يترجم العلاقة المعقدة بين المكونات التالية: الإحتراق/ الجسد/ الكتابة/ الموت/ الحياة...

إن المبدع سواء أكان كاتبا أو رساما أو موسيقيا هو الذي يخوض تجربة حياة تختلف عن تجارب الناس العاديين. فهو كائن مفطور على التعامل مع أدق التفاصيل التي لا ينتبه إليها الإنسان في حياته بفعل التكرار والرتابة والألفة، وقيمة الفن تكمن في اختراق الألفة والعادة. إنه ـ أي الفن ـ يعيد ربطنا بالحياة بشكل مختلف، يضعنا في منطقة مختلفة لنرى العالم بعيدا عن صورته المألوفة. والمهمة ليست بهذه البساطة، لأنّ الإنغماس في عمق الحياة، في تفاصيل التاريخ، هي تجربة ذاتية عميقة، تقتضي مكابدة النفس.

إن مي هي نموذج لشخصية الفنان الذي لم يسعفه جسده، فوجدت نفسها في مواجهة الموت القاسي، وقبله برودة قاعات المستشفى الباردة، وما تثيره في النفس من شعور بالوحدة. في هذا الرواق المؤدي إلى نهايتها الأكيدة، كانت تهرب إلى الكتابة، تنبش في مقابر الذاكرة، لتحيي قصتها، وقصة أسرتها وكل من تعرف من ناس عبروا ذات مرة من حياتها...كان عليها إذن أن تكتب، أن تؤرخ لتلك اللحظات، وتثبتها في نصوص قصيرة تحتضن أشجانها. " لكل شخص أشباحه التي يظنها ماتت منذ زمن بعيد، لكنه يفاجأ بها تشرب معه قهوته الأخبرة أو تتنفس هواء البحر في نفس شرفته، عندما يصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت. تستيقظ كلها دفعة واحدة وتقف على رأسه مطالبة إياه بمعرفة أسرارها التي ظلت حبيسة لديه " ( الرواية ص 141).

هكذا الموت إذن، يحيي ذاكرة الإنسان ويفتح كل المسارب لتخرج من ظلماتها البعيدة أشباح الماضي.. مي هي إنسانة مسكونة بتلك الأشباح لأنها قُلعت من أرضها، وهُرّبت بعيدا عنها فلم يكن لها الوقت أن تواصل حياتها الأولى، لتجد نفسها تغادر وطنا وطفولة وحياة إلى حياة جديدة ووطن جديد ووجوه جديدة، ووحدها الكتابة كانت القادرة على إبقاء ذلك الخيط السري الخفي مثل الضوء الذي يربط بين الحياتين.

تبدأ سردها وهي في مستشفى نيويورك المركزي، وعبر نصوص قصيرة مؤرخة بتواريخ محددة كان الخريف هو إطارها الزمني العام، ما يعني أن مي كانت تمارس الكتابة في فصلها المفضل، الذي يمنح لها إحساسا بتجدد الحياة، لتنسى حاضرها المؤلم، ألما لا يثيره السرطان الذي يأكل جسدها، بل ألم أن تترك ولدها وأحبتها، وقصتها دون أن تكتمل.

يجب أن نوضح أن زمنية كتابة مذكراتها تمتد من ( ما بين 20 سبتمبر 1999م إلى غاية فجر 01 جانفي 2000م)، فقد إنتهت بحلول العام الجديد، والقرن الجديد، أما الإطار الزمني لحكايتها فهي حياتها منذ الطفولة إلى غاية ميلاد يوبا.. فقد ترك السارد للشخصية الحرية الكاملة لأن تروي ماضيها دون أن يتدخل في تفاصيل حياتها، منح لها متسعا من المكان والزمان لتبوح بأسرارها، وتطلق أشباح الماضي من عقالها. بالإضافة إلى أنّ هذه المذكرات ساهمت بشكل كبير في التعرّف على شخصية مي عن كثب، فلا يمكن فهم حاضرها المسكون بذلك القلق الوجودي والإبداعي والإنساني إلاّ بكشف تفاصيل حياتها الماضية...

جعلت مي لمدونتها عنوانا موحيا هو " مدونة الحداد" ففي هذه العتبة جمعت بين التدوين والحداد، وهي جدلية تجمع بين متناقضين: الاستمرارية والنهاية، الحياة والموت، النور والظلمة. تحولت كراستها النيلية إلى نافذتها الوحيدة التي تطل على ماضيها المرتبك، المشتت، والممزق، وكأنها تريد أن تعيد ترميم ذاكرتها والمصالحة معها.

تبرز كتابة هذه المذكرات تعدد المستويات السردية داخل الرواية، وإنتقال السرد من صوت السارد إلى صوت الشخصية، ما يمنح لها الحرية التامة للتعبير عن ماضيها، باعتبار أنّ الماضي يشكّل تجربة حياة إنسانية بكل ما يكتنفها من أحاسيس ومشاعر، وتصورات وصراعات وحتى تناقضات..ولذا لن تكون الذات إلاّ صاحبة التجربة والقادرة على التعبير عنها بعمق.

تحمل الكتابة السيرية جانبا من الصدق الواقعي، لأنها تحيل إلى شخص موجود في الواقع/ التاريخ، يكون قد عاش في زمن ما، ويمكن التأكد منه عبر الوثائق والصور والشهادات. وفي هذه الرواية الكثير من الإحالات المرجعية التي دعّمت بشكل كبير هذا الطابع السيري في الرواية خاصة منذ الفصل الذي عنون ب" مدونة الحداد ". ومن بين تلك الإحالات عناوين اللوحات التشكيلية التي رسمتها مي، وعرضت في أكبر متاحف أمريكا وبكل تفاصيلها من العنوان إلى رقم المزاد العلني.

في هذا الفصل، كانت مي تحكي قصتها، ترجع إلى الماضي وبالتحديد إلى محطات تاريخية معينة وصمَت طفولتها الأولى، وانحفرت بشكل تراجيدي في حياتها. وهذه النظرة التجزيئية لماضيها يعبر عن الحالة النفسية للشخصية، عن إرتباكها وقلقها الكبير وهي تنتظر الموت، وتودع الحياة من غرفتها في مستشفى نيويورك المركزي. لكن من جهة أخرى فإن إنحصار التذكر على تلك المشاهد بالذات يكشف عن نسبية الذاكرة وإنتقائيتها، فلا يمكن كتابة نص الحياة بامتدادها وشساعتها، والإمساك بتفاصيلها.

إنّ اللجوء إلى التخييل لا مفرّ منه حتى لو بدا الروائي في الكثير من المرات يتحرّى الدقة التاريخية والتفاصيل التي تحيل إلى أحداث تاريخية بعينها كإحتلال فلسطين، أو تاريخ مدينة نيويورك، وغيرها. والسبب أنّ ثمة تداخل بين الذاتي والموضوعي، بين ماضي فرد بماضي جماعة بأكملها. لا نريد أن ندخل في متاهات الصدق والكذب وعلاقة التخييل بهما، فهذا نوع من أحكام القيمة، لكن ما يمنحه التخييل للرواية كما قال " فرانسوا مورياك " " أنه يشق بابا سريا في حياة إنسان ما، تلج منه روحه المجهولة، خارج كل مراقبة " ( فيليب لوجون/ السيرة الذاتية، الميثاق والتاريخ الأدبي. ص 58 – 59).الكتابة التخييلية إذن تفتح مغاليق الذاكرة، وتحرر الذات من كل شيء حتى من خوفها.

الكتابة في حدودها الإنسانية:
لا تخفي رواية ( كريماتوريوم ) طابعها الإنساني، فهي رواية إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من إيحاءات. فهي مفتوحة على ذاكرة الأمكنة ( فلسطين/ نيويورك/ الأندلس ) ومفتوحة أيضا على أسئلة الإنسان ولاسيما في جدلية الحياة والموت. إنّ المعطى الإنساني في الرواية يبرز في تشابه مصائر شخصياتها في صراعها الحياتي، فهي أغلبها تتقاطع في حيرتها وقلقها، وتشتتها وضياعها، من جدّ مي إلى والدها بابا حسن الذي أحب إمرأة نازية (ايما موهلر )، إلى خالها أبو شادي الذي أغتيل بتهمة العمالة للقوات الإنجليزية، إلى والدتها التي قتلها الهاجاناه، إلى خالتها ( مامي دنيا ) التي استقبلتها في نيويورك ومنحت لها فرصة جديدة للحياة لكنها استسلمت للسرطان الذي قضى على جسدها، إلى زوجها ( كينو أو كونراد ) الألماني الذي قتله هبله وجنونه وعشقه للمخطوطات القديمة ونبشه في آثار البحر الميت ومقابر البحرين، إلى مي ذاتها التي تواجه الموت بسبب سرطان الرئة... كم هي شبيهة مصائر هذه الشخصيات التي بدت تقاوم بضراوة نهاياتها...الأكيد أن واسيني في هذه الرواية كان مسكونا حتى النخاع بسؤال الموت ومصير الإنسان الذي يبحث عن طريقة للتحايل عليه، أو لتمديد حياته أكبر وقت ممكن.. وكأن الموت وحده هو الذي يكشف عن الجوهر الحقيقي في الإنسان، ويفجر لديه كل طاقاته الإبداعية والإنسانية. وربما لأن الموت هو الحقيقة الثابتة الوحيدة في الحياة، ودونها فكل شيء نسبي ونهائي وغير مطلق...

ذاكرة المكان الجريح:
قالت مي جملة في غاية الحساسية وهي تواجه زوجها كوني الذي طلب منها دخول إسرائيل " الذاكرة قد تتغير بفعل الجغرافيا والتاريخ كذلك "( الرواية / ص 313). قصتها تختزل هنا، في ذاكرتها بالأمكنة المسروقة، المهرّبة في ليل العالم الذي أصبح يقتات من الكذب. تاريخ فلسطين كما تختزلها الرواية هو تاريخ مسروق، وهو ما يهدد سلامة الذاكرة واستمرارها. حتى تلك الأمكنة ( حي المغاربة مثلا ) لم تسلم من آلة المحو والمسخ المستمرة التي لا يملك الإسرائيليون غيرها. هم فقط من لا ينتمي إلى تلك الجغرافيا، فقد جاءوا من كل أصقاع العالم إلا من تلك البقعة المباركة، ولهذا لا يحسّون بها، ولا يسكنونها بأرواحهم. هم مجموعة من اللصوص الذين جاءوا لتحريف الجغرافيا وتزييف التاريخ، وللأسف فقد إنطلت الحيلة على العالم المصاب بالعمى؟

منذ أن غادرت مي فلسطين لم تعد قادرة على العودة إليها، لأن أشياء كثيرة قد تبدلت فيها بشكل جذري، إن الذي يغادر المكان ليس نفسه الذي يرجع إليها، وبذلك فالعودة مستحيلة. كانت تقاوم علاقتها الروحية بذلك الفضاء، تقاوم كل ذلك الألم الذي تفجّر فيها فجأة وهي تزور الأردن، وتقف أميالا قليلة تفصلها عن أرضها، لكنها كانت متأكدة أن مدينة القدس لم تعد تلك المدينة التي في ذاكرتها، هي مدركة أن جنون الأعداء وأطماعهم قد غيّر ملامحها وحولها إلى مدينة أخرى...بعد أن أبادوا كل أسرتها. كانت تقول لكونراد بكثير من الأسى والحزن " لا أحد لي هناك إلا القبور، ولا أريد أن أرجع لكي أزور القبور فقط ثم أنزوي مع أشباحي وأبكي. أريد أن أرجع نحو مدينة تمنحني الحياة وتغبطني في طفولتي الجميلة "( الرواية/ص317)

لقد أصبحت تنتمي إلى مدينة أخرى، تلك المدينة التي إحتضنت دهشتها الأولى، وأحزانها الأولى، تلك التي منحت لها إسما جديدا ( لينا ماركو ) ومنحت لها أما جديدة ( خالتها دنيا )، تلك المدينة التي يحس فيها كل من عاش فيها بالألفة والغربة في نفس الوقت. أصبحت نيويورك رمزا للحياة السعيدة التي جعلتها تبني حياتها من جديد، وتعيد إرتباطها بالعالم بعد أن هُرّبت من مكان وزمان رماديين. " نيويورك... مدينة كبيرة أكثر من كل فلسطين بكثير، ولا تضيق بنا أبدا؟ كل ناسها جايين من برا وما فيه حدا يزاود على الثاني، مدينة كبيرة، طيبة وناسها كرماء " ( الرواية/ ص177). في هذه المدينة المفتوحة على كل الأجناس البشرية، تخفف من وطأة الشعور بالإغتراب لأن الجميع جاءوا من أصقاع العالم المختلفة، فالكل غريب عنها. إنّ هذه المدينة الكوسموبوليتانية هي مدينة المهاجرين، والنازحين الذين تركوا أوطانهم الأولى سواء بطريقة إرادية أو بقوة خارجية..لذا فهي تمنح لزائرها الجديد الألفة السريعة، والأمان.

إنّ المكان في هذه الرواية يعاش من الداخل، وليس مجرد فضاء فيزيقي يستوطنه الإنسان. الأمكنة الحقيقية هي التي تعاش داخليا، عندما تولد بينها وبين الإنسان علاقة روحية ووجدانية.. فتخلف فيه مجموعة من المشاعر والأحاسيس والصور والذكريات..ألم يكن الشاعر العربي القديم ينظر إلى المكان / الطلل نظرة روحية ونفسية لأنه علامة تحيل إلى الحياة في أزهى تجلياتها الرمزية عندما تتجلى في صورة الحبيب/ المعشوق..مي هي الأخرى تعيش مدينتها القدس وجدانيا، فلم تعد مجرد أزقة، وطرقات وبنايات، بل صارت ذاكرة ومجموعة من الوجوه التي مرت على حياتها، أصبحت القدس عندها فضاء تراجيدي يختزل قسوة الحياة عندما تسرق من بين أيادي أهلها، فترمي بهم قسوة الأقدار إلى مصير مجهول...إلى مصير المنافي الباردة...أرادت مي أن تبحث عن قدسها التي لم تخضع للتشويه، القدس التي هي مدينة الله التي تحتضن كل الديانات التوحيدية دون أن يشعر فيها أحد بالغربة أو بالعداء اتجاه الآخر...ما حدث أنّ عماء السياسيين، وضحالة عقولهم الهشة، مزّقت الوشائج الإنسانية بين أهل القدس، وخلقت بينهم فجوات عميقة، وأسوارا عالية.." لم يكن بالقدس، في زماني على الأقل، يهود ومسيحيون ومسلمون، كان هناك سكان فلسطينيون، البقية لم تكن مهمة " ( الرواية/ ص 285). هذه هي المدينة التي كانت ولم تعد كذلك، مدينة كان يقطنها الفلسطينيون، ولم يكن يهم حينها إن كان هذا الفلسطيني يهوديا أو مسيحيا أو مسلما...غير أن هذه الصورة الإنسانية للمدينة تحوّلت جذريا، وأصبح التعايش شيئا مستحيلا، فقط لأنّ مجموعة من الغرباء الذين خرجوا من أي مكان استولوا على ذاكرة المكان، وكذبوا بمحرقتهم على العالم، وخرجوا بصورة الضحية وأحسنوا لعب أدوارهم في أسوء مسرحية تاريخية، ثم جاءوا إلى هذه الأرض محملين بأوهامهم وحقدهم، وقالوا للعالم بأنهم جاءوا إلى مدينة أنبيائهم، حتى ينتقموا من محرقة النازيين...وكأنّ قدر الفلسطيني اليوم أن يدفع ثمن أخطاء الآخرين..أي عقل سيقتنع بهذه السخافات؟ لكنها هي الحقيقة، والذي ينكرها سيجد نفسه متهما بأبشع الإتهامات، وسيكون في نظر العالم شخصا عنصريا يحرض على كراهية اليهود، وربما سيلاحق بتهمة الإرهاب..إنه العالم الذي يذرف دموعا على محرقة وهمية ذهب ضحيتها ستة ملايين يهودي ( دون أي دليل تاريخي ملموس يثبت وقوع هذه الجريمة، لأن الزمن كان زمن حرب، إلا إذا كانت دماء اليهودي مقدسة، أمام الخمسين مليون شخص الذين ماتوا تحت نيران الحقد والجنون والغطرسة فلا قيمة لها! )، ولا يبكي على محرقة العصر " فلسطين "..كان بابا حسن يقول بأعلى صوته " ولكن محرقتنا؟ من يسمع بها؟ من يعتذر لها؟" ( الرواية / ص80)

تُبرز الرواية أن مأساة شخصياتها تكمن هنا في " الذاكرة "..إنها حرب ذاكرة. إذ تجد مي نفسها بين ذاكرتين، ذاكرة تحيلها إلى تلك الطفولة الرومانسية التي فتحت وعيها على المكان، والجسد، والآخر..وذاكرة تشكلت داخل فضاء جغرافي وتاريخي وثقافي مختلف تُختزل في حياتها الجديدة بنيويورك..وبين الذاكرتين تحاول أن تخلق نوعا من التوازن وإن كان الأمر كان أعقد من ذلك..كان اللجوء إلى ذاكرتها الأولى أكبر من مجرد استذكار عابر لتلك المرحلة ..إنها تشكل فعل مقاومة، وتأكيد على هويتها خوفا من أن تتلاشى بفعل ما يقوم به العدو الإسرائيلي من عمليات محو لذاكرة المكان" فلسطين". من موقعها كفنانة/ مثقفة أرادت أن تدير حربها، حتى ولو بدت تلك الحرب عبثية، في وجه آلة النسيان..في وجه ذاكرة مزيفة يريد الآخر تثبيتها في الواقع. كانت تشعر بحسها الفني أنّ التاريخ الفلسطيني قد يتحول إلى مجرد ذاكرة تاريخية تحفظ في المتاحف المظلمة والرطبة، في حين أن الذاكرة هي الحاضر أيضا، هي ما يعاش بكل الإشتراطات الإنسانية..يقول " إلياس خوري " " هذه الإشكالية العامة هي إشكالية الذاكرة التاريخية المثقوبة أمام التاريخ الجديد الموحد القادم، ذاكرة المساومة مع الماضي أمام الانهيار التاريخي الذي يحيل الحضارات إلى والشعوب إلى مجرد ذكريات تاريخية في المتاحف، حيث خطر الإبادة الشاملة أو الإبادة التاريخية " . هنا يكمن دور الفن ( الفن التشكيلي/ الكتابة ) بالتزامه التاريخي، ووظيفته النضالية التي تختزل في الحفاظ على الذاكرة. فكل لوحات مي كانت قطعة حية من ذاكرتها، تروي قصتها وقصة الآخرين..تقاوم بها عمى النسيان، ومشروع العدو الذي أدار حربا مختلفة، عندما أدرك أن الحروب المعاصرة، هي أيضا حروب على الذاكرة!

الأندلس أو الوجه المتخفي من الذاكرة:
في الرواية تظهر لنا الأندلس كوجه آخر من وجوه مآسي العرب والمسلمين، منذ ذلك التاريخ التراجيدي عندما وجد الموريسكيون أنفسهم يطاردون خارج مدنهم، وخارج تاريخهم لأن زمنا جديدا قد دخل، وآخر قد ولّى...في هذه الأندلس ما يتكرر في مأساة فلسطين اليوم، وكأنّ التاريخ يصرّ أن يعيد نفسه.. بنفس الملامح الرمادية، بنفس الإيقاع المضبوط على آلة الموت، والشتات، والضياع...المآسي لا تنتهي، طالما أنّ الإنسان الذي يسكنه جنونه مازال يتحكم في لعبة التاريخ، دون أن يدري أنه في كل مرة تنقلب عليه قواعد اللعبة، فيجد نفسه يواجه قدرا قاسيا..تاريخ الإنسان هو تاريخ هذه الحروب التي لا لون لها غير لون السواد الذي يخيم على العالم كسحابة نووية تحمل معها الموت حيث حلّت، ويكون الأبرياء أكبر من يدفع ثمن حماقات حفنة من المعتوهين..مازال هذا الزمن يدور على نفسه مثل أفعى رقطاء، تحمي نفسها من خطر محدّق، لكنها تعرف كيف تضرب ضربتها عندما يحين الوقت المناسب... ما حدث اليوم، ليس إلا امتدادا لمجموعة من العوامل السابقة، فعندما لا يُفهم درس التاريخ، ويرسب الإنسان في كل امتحاناته المصيرية، ولا يأخذ العبر التي تجعله يتجنّب عثرات الأمس، فهنا لابد للسقطات والكبوات أن تتكرر بشكل لا نهائي، وقد يكون بمفعول أشد..بالأمس كانت الأندلس أرض الميعاد، اتسعت أرجاؤها لتحتضن الناس باختلاف مللهم ونحلهم، دون أن تضع دفتر شروط قاسي، أساسه التمييز على أساس ديني..كان الإحترام المتبادل كافيا لأن يضع الإختلافات جانبا ويُنبّه الملأ إلى أنّ هناك جوهرا يجمع شمل الجميع..الأندلس كانت تلك المدينة التي أسست مدنيتها على احترام الأديان، على قبول إختلافات الآخر..." هل تصدق هذا؟ خط عربي، زخرفة إسلامية أنيقة، داخل كنيس يهودي؟ أي زمن نعيش؟ صحيح أن الحياة لم تكن سهلة، وربما يتخاصمون احيانا، ويصطدمون بسبب الإختلافات في التصور، لكنهم كانوا يجلون بعضهم بعضا ".( الرواية/ ص 351)

كان الزمن الأندلسي هو ذلك الزمن المفقود، الذي يختزل حضارة ومدنية تشكلت داخل فضاء كان يتسع للجميع، إلاّ أنّ انفجار الأحقاد وتناسلها مثل الفطريات السامة التي تحفر مسالكا للموت كانت كفيلة بأن تّحول ذلك الزمن الإنساني إلى زمن تراجيدي، ليس لأنّ المسلمين طردوا من مملكتهم شر طردة، بل لأن الزمن الذي كان يزحف بثقة في الأفق كان زمنا حقودا، زمنا لا يؤمن إلاّ بسيادة جنس على آخر، ودين على آخر..هذا ما يسمى بالحروب المقدسة باسم آلهة لا تعرف غير الحقد... في الأندلس ما يتكرر اليوم في فلسطين، بعد أن كان الجميع قبل الإنتداب الإنجليزي فلسطينيا ولا يهم بعد ذلك هويته الدينية أو الطبقية، والرواية تشير في ملامح سريعة إلى ذلك الزمن الجميل، الذي تبدّى وتلاشى خلف ضباب رمادي كان يصنعه الساسة...السياسة هي هذا الوباء القاتل الذي سمم مياه فلسطين وهواءها وأديمها وبشرها...فاستحالت إلى منطقة نائية، أو إلى أرض يباب دون ذاكرة، وبهوية جديدة..كانت خالة مي تحلم ببناء مدرسة في القدس تأوي كل أطفالها مسلمين ومسيحيين ويهود، واقتطعت جزءا من مالها لتحقيق هذا المشروع، لكنها كانت مدركة أنّ السياسة تنسف كل شيء، إنها كائن أعمى يلعب بالنار، فلا يعرف أين يرمي بشررها.." بنيت مدرسة في القدس لأطفال فلسطين الفقراء من المسيحيين واليهود والفقراء. ونسيت أن في وسط ذلك وباء اسمه السياسة، لكن فلسطين التي أعرفها وأريدها هي هذه ".( الرواية/ ص 285).

إنّ الأصولية سواء أكانت سياسية أو دينية هي التي تولد الحرائق تلوى الأخرى، هي وحدها التي تجعل الحياة جحيما، فتتحول إلى أرض معركة لا نهائية بين البشر، تجعل الناس ينسون الجوهر الذي يجمعهم، ولا ينظرون إلا بعيون زائغة إلى تلك الإختلافات التي تذكي نيران الحقد ولا تخمدها..

رواية واسيني هي هذا النشيد الإنساني الذي ينبش بأضافر مدماة على أرض الحقيقة الصلبة، تحاول أن تقرأ مأساة وطن عبر مأساة إمرأة لم تجد إلا المنافي وألوانها وكراستها النيلية لمقاومة صمت العالم وتواطئه مع أكبر عملية تزوير للتاريخ والجغرافيا شهدها التاريخ البشري..كان الفن بالنسبة لها موطنها الأبدي الذي كان يمنحها تلك الحرية المطلقة لأن تقول جراحها، وأهم من ذلك أن تصفي حسابها مع الماضي.. ولم تمت إلا بعد أن أقامت معرضها، وبعد أن كتبت شيئا من ذلك الماضي المتشضي مثل المرآة المكسرة التي لا تعكس إلاّ وجها مفتتا إلى ألف شضية..هل سأقول ـ وأنا الذي يقرأ الرواية ـ أنّ الرواية تعكس أيضا هواجس الروائي ذاته، وهو الذي راهن بشكل شعري على تصفية حسابه مع الموت؟ الكتابة كما تبدو هنا هي مواجهة شجاعة في وجه الموت، تمديد للحياة، وبحث عن عمر جديد......









نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 8 رمضان 1431هـ الموافق لـ : 2010-08-18

التعليقات
بن علي لونيس
 كتبت هذاالمقال بحسّ إنساني، لأن الكتابة هي دائما فعلا إنسانيا يكشف عن أجمل ما فينا كالحب. أحببت ُرواية واسنيي، وقد قرأتها بكثير من المحبة،وجدتُ فيها مايعكس ذلكالجوهر المخفي فينا، فيمعركتنا مع ملاك الموت. كنتُ أخاف من النهاية أن تنتهي، كنتُ أحسب الأوراقالمتبقية واحدة بواحدة، لأني كلما تقدمتفي القراءة كانت روح " مي " تنطفئ بهدوء. لم أرد من الروايةأن تنتهي حتى لا تنتهي حياتها...أرجو من كل الذين قرأوا مقالي أن يقرؤوا الرواية، علما أني لا أمارس عملا إشهاريا بالمعنى التجاري للكلمة، لكن حتى أقاسمكم روعة قراءة هذا العمل. 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر


الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري
بقلم : أحمد سليمان العمري
الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري


حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
حاورها : عبدالكريم القيشوري
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان


النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور
بقلم : علجية عيش
النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور


في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين
بقلم : إبراهيم مشارة
في  الثقافة الجزائرية في القرن العشرين


مثل الروح لا تُرى
بقلم : الدكتور/ محمد سعيد المخلافي
مثل الروح لا تُرى


اليلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
اليلة


في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري
بقلم : شاكر فريد حسن
في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري


سطوة العشق في اغتيال الورد
الدكتور : حمام محمد زهير
سطوة العشق في اغتيال الورد


ما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
ما يمكن لرواية أن تفعله بك




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com