أصوات الشمال
الاثنين 10 ربيع الثاني 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * في مشروع عبد الوهاب المسيري و شقه النقدي التحليلي للنظام الفكري الغربي..   *  وَيْرْحَلُ..سِي لَخْضَر خِليْفَاتِي.. مُكَبِّرًا. والشُّهَدَاءُ ..لاَيَمُوتُونَ..!! /الحلقة:02    * تراتيل الفجر   * أحزان وأحلام متكسرة - قراءة في ديواني تميم صائب (حزن الجواد المتعب وحزة السكين)   * من دفتر الذكريات    * الكتابةُ لحظة ُوعْيٍ..   * مع الروائي الشاب أسامة تايب    * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر    * الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري   * حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان   * النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور    * في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين   * مثل الروح لا تُرى   * اليلة   * في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري    * سطوة العشق في اغتيال الورد   * ما يمكن لرواية أن تفعله بك   * اتحاد كتاب بسكرة يوقّع: لقاء ثقافي مع النّاقد والدّبلوماسي إبراهيم رمّاني   * الدّراسات الثّقافية ..والنّقد الثّقافي بين..مالك بن نبي والغذّامي..   * فلسطينيون: لا نريد شيئا سوى أن نحظى بفرصة العيش في سلام    أرسل مشاركتك
مرايا التنوير المتعاكسة: محمد عابد الجابري/نصر حامد أبو زيد
بقلم : عبد القادر رابحي
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1905 مرة ]


لعله بوفاة المفكِّرَين محمد عابد الجابري و نصر حامد أبو زيد رحمهما الله ، يكون الخطاب الفكري العربي الذي سيطرت رؤيته التنويرية على النصف الثاني من القرن العشرين، قد أنهى بصفة تبدو وكأنها رسمية دورته الطبيعية في توصيف الممارسة الفكرية السائدة في هذه الفترة و رصد حساسياتها المختلفة بما توفرت عليه من خصائص استمدت رؤيتها من خضم المعركة السياسية و الاجتماعية التي طبعت مرحلة تاريخية حساسة من مراحل ما اصطلح على تسميته بعصر النهضة العربي.
و ربما كان رحيل هذين المفكّرين، لا إيذانا بانتهاء مرحلة تاريخية طبعت الممارسة الفكرية في الخطاب الفكري العربي المشغول في جزء كبير منه بمعركة استعادة الهوية المكانية للإنسان العربي ببصمتها الخاصة فحسب، و إنما مؤشرا لبداية مرحلة جديدة من هذه الممارسة التي من المفروض أن تلقي على عاتقها مسئولية إعادة تجديد الرؤى المعرفية و الآليات المنهجية لقراءة هذا الموروث المعاصر الذي طالما احتدمت في صلب أفكاره المعاركُ النارية التي قدّمت صورة متشظية للمنطلقات الفكرية لهذا الخطاب و أنتجت بناء على ذلك صورة متشظية أخرى لمآلاته المرسومة في أفق المستقبل غموضًا ينم عن مدى المفارقات التي حملها بامتداده المرجعي على مدى قرن كامل من الزمن و هو القرن العشرين، و امتداده المتبلور تاريخيا في البحث عن سرّ معادلة التحديث و النهضة في مجاهيل الخطابات التراثية المتراكمة في خزانة الفكر العربي ثقلا وجوديا يجثم على كاهل العديد من التوجهات الإيديولوجية المعاصرة التي لما انفكت تجعل منه بضاعة للمتاجرة بكثير من إشكالياته المعرفية في سوق المزايدات التحديثية.
-استخلاف المساحات الفكرية المحروثة:
يعد محمد عابد الجابري و نصر حامد أبو زيد من الجيل الثاني من مفكري عصر النهضة العربية. و كان ميلادهما – في الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن العشرين- في خضم المعركة التنويرية التي خاضها الجيل الأول المنقسم حسب الاستقطابات الإيديولوجية إلى تيارين اثنين كبيرين متميزين برؤيتيهما المتناقضتين لمستقبل الأمة الباحثة لها عن مخرج من مأزق الأفق الحضاري المسدود. ففي الوقت الذي كان يخوض فيه التيار الأكثر انفتاحا على الأفكار الغربية ممثلا في قاسم أمين و طه حسين و سلامة موسى و علي عبد الرازق و غيرهم، معركةَ تمريرِ المفاهيم الاختلافية الجديدة في الخطاب الثقافي العربي المستيقظ على تراكم التفسيرات التقليدية المتوارثة من العصور الوسطى– من خلال معارك تحرير المرأة و نظرية النحل الانتحال، و الإسلام و أصول الحكم، و معركة التجديد الأدبي و الفكري، في واقع الممارسة الفكرية المأسورة داخل البنية التقليدية للخطاب الثقافي الناشئ- و هي مفاهيم طالما خصّبتْ ترابَ المعركة الفكرية العربية في توجهاتها المستقبلية،كان هذان المفكران يشكلان أجندة مستقبلية واعدة لاستخلاف المساحات الفكرية المحروثة طوعا أو كرها من طرف الجيل الأول من مفكري النهضة العربية الذين ولدوا في نهاية القرن التاسع عشر و كان النصف الأولُ من القرن العشرين مساحةً زمنيةً حيّة لممارستهم الفكرية. و الأكيد أن محمد عابد الجابري و نصر حامد أبو زيد قد استفاقا فكريا على صدى المعارك السالفة الذكر بكل توجهاتها التنويرية المرتبطة جوهريا بخضم المعركة التحررية التي كانت تلتقي فيها كل التوجهات التي ميّزت الخطاب التحديثي للجيل الأول، مما يفسر التزامهما السياسي الظاهر بوضوح في الانتماء الحزبي عند محمد عابد الجابري –خاصة في بداية حياته- من جهة، و الظاهر عند نصر حامد أبو زيد، من جهة ثانية، في المواقف الصارمة من أفكاره التنويرية المرتبطة بالجدل السياسي الحاد الذي توارثته الساحة الثقافية المصرية من المعارك الفكرية التي اتسم بها الجيل الأول من المفكرين في بداية القرن. و من ثمّة فهما نتاج منطقيّ لمدرسة نقدية تنتمي إلى القرن الماضي سايرت في ركب مسيرتها معظم التحولات التي شهدها الإنسان العربي طيلة قرن من الزمن، و لا زال خطاباهما يحملان السمات البارزة التي طبعت الممارسة الفكرية العربية بإيجابياتها و سلبياتها ، كما حملت طموحاتها التنويرية و عُقَدَها المعرفية طيلة هذه الفترة.
-المأزق الإشكالي في بنية الخطاب الفكري:
ولعل هذا ما يفسرّ الرؤية الاختلافية التي يحملها مشروعاهما عن التنوير، مما يؤكد أنه على الرغم من زمنية الميلاد الواحدة و أنهما كانا نتاج مدرسة واحدة في المنشأ و في بناء العلاقات المطردة مع الواقع الفكري و الاجتماعي، فإنهما ينتميان إلى تياريّ هذه المدرسة المتناقضين في رؤيتهما للتحديث الفكري و السياسي و الاجتماعي للإنسان العربي. و هو انتماء وفيّ للصورة التي يحملها الدارسون عن المفكر المغاربي عموما بالنظر إلى مقاربته البرهانية المعقلنة التي تستمد رؤيتها التحليلية من المدرسة الرشدية أو الخلدونية حسب التوصيف العروبي- و هو التوصيف الأكثر صدقية بالنظر لأقدميته التاريخية في نظرنا-، أو المدرسة الديكارتية حسب التوصيف الكولونيالي الذي يسعى العديد من الدارسين المعاصرين إلى إلصاقه بأهل المغرب العربي. كما أنه انتماء وفيّ كذلك للصورة التي يحملها الدارسون أنفسهم عن المفكر المشرقيّ بالنظر إلى مقاربته الإشراقية التي تنتمي في صورتها العروبية العامة إلى مزيج خالص من البيانية و العرفانية حسب تعبير الجابري نفسه،و التي يتميّز بها أبو حامد الغزالي و العديد من الفلاسفة العرب القدامى حسب التوصيف العروبي، أو المدرسة الأمبريقية التي تميّز النهج الأنجلوسكسوني حسب التوصيف الكولونيالي.
و على الرغم مما يمكن أن يطبع تعاكس المرايا التنويرية من خصوصية جغرافية تظهر بصورة ملحاحة في الكثير من الكتابات التي تتناول منهجيهما كلا على حدة، فإن هذين التوصيفين سيبقَيَان في واجهة المفارقة الفكرية و المعرفية التي استطاع كل منهما أن يبني عليها الإشكاليات الأساسية لخطابه الفكري. ففي حين نرى الجابري أكثر إيغالا في البحث عن المخرج العقلاني من المأزق الذي يتخبط فيه الفكر العربي المعاصر من خلال التأكيد على الأسباب الظاهرة و الباطنة التي أدت إلى عدم قدرته على قراءة مرجعياته الفكرية و الحضارية قراءة صحيحة في نظره، محيلا بذلك إلى عقلانية المدرسة الرشدية ودورها في ترسيخ الممارسة المنفتحة داخل المتن التقليدي المغلق - وهذا ما يفسر انهماكه الأكاديمي في التأسيس لمشروع (نقد العقل العربي) المطبوع في أجزائه الأربعة المشهورة من دون الدخول في الإيقاظ العمدي للأطروحات التصادميّة على المستوى الواقعي و السياسي- ، نرى نصر حامد أبو زيد يسعى في طرحه النقدي إلى تفكيك ما يعتقد أنه بناء مغلق للأنساق التقليدية للفكر العربي الذي يختصره في الفكر الديني، مما يؤكد إصراره على (نقد الفكر الديني) من خلال اتخاذ التعرية المعرفية أساسا منهجيا لتقويض المقولة التاريخية التي أضفى عليها الطابع المصلحي للبنية الثقافية التقليدية طابعا تقديسيا و هالة ارتجاعية تحيل إلى حالة من التفكير القروسطي في القرون الوسطى الذي يطبع كل المجتمعات في بحثها التاريخي الدائم عن تبرير التيارات الظلمانية التي تعبر الوجود الحضاري لأي أمة من الأمم في الفترات الأشد تأزّما. و على الرغم من النمط المنهجي لرؤية نصر حامد أبو زيد التحليلية القادرة على تعرية المستور و ستر العاري، فإن الطابع العام للصورة الإشكالية الذي تأخذها كتاباته أمام القارئ يحيل على مجرد إعادة مُحيَّنَة للمعارك الفكرية التي تميّز بها المفكرون المصريون في طرحهم السجالي للإشكاليات التي طبعت جوهر الخلاف بين التيار التقليدي و التيار التحديثي/ التجديدي في النصف الأول من القرن العشرين،و الذي لم تكن نتائجه النهائية تصب في غير تكريس الأنموذج النقدي المسالم في مصر خاصة، ومحاولة تعميمه على المساحة العربية عامة. و هو الأنموذج الذي قاد إلى ترسيخ الهزيمة مفهوماً سلطويا حداثياً في صلب التصورات النظرية للخطاب الفكري العربي المعاصر . غير أن إعادة التحيين تعتمد عند حامد أبو زيد على رؤية معاصرة للمناهج النقدية الحداثية التي تُوفّر للدّارس تطبيقات إجرائية منطقية( من الوجهة الحسابية للمقدمات و النتائج) في الوصول إلى تفكيك أنساق الخطابات المغلقة و سبر أغوار البؤر المتناقضة في بنياتها الباطنة ، و من ثمة تضخيمها معرفيا من أجل خلق تموّجات الصدمة المعرفية لدى القارئ عموما خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعرض لما يسميه الدارسون الذين يصفون أنفسهم بالمفكرين التنويريين بـ(المقدّسات) التي يحملها القارئ العربي فهما راسخا عن هامش النص وحواشيه. و لعل هذا ما يفسّر الصورة المتعمدة للبحث عن الصدّى لدى هؤلاء المفكرين من خلال العودة إلى (التطواف بالبيت) من أجل إثارة الجدل الذي يكون قد أغلقه طه حسين بطريقة غير متعمدة قبل ما يقارب القرن من الزمن في قضية النحل و الانتحال إيذانا بالبحث عن رزنامة تحديثية تتجاوز المأزق الإشكالي في بنية الخطاب الفكري العربي و التي ما فتئت تتكرر بصورة نمطية متخذة من الاختلالات نفسها أنماطا متجددة للدعوة إلى شحن البطاريات المتقادمة للتنوير من أجل تحريك آلة الإيديولوجيا،كلّما بدا لهم أن الأفق المعرفي الذي يشتغلون عليه تنتابه موجة من الظلام الحالك الناتج عن موت البطاريات و ليس لانغلاق المرجع وانسداد الأفق.
- الخطاب الفكري الحداثي التنويري:
و بغض النظر عمّا يمكن أن يكون للمفكِّرَيْن محمد عابد الجابري و نصر حامد أبو زيد من خلاف في الأفكار و اختلاف في زوايا المقاربات و مناهج ممارستها وتحقيقها، فإن إشكالية التنوير تعد من ضمن الإشكاليات الأساسية التي طبعت خطابيهما بوصفهما مرآتين متعاكستين تحمل كلّ منهما رؤية مختلفة عن الأخرى في توصيف الخطاب الفكري العربي و رصد بؤره المظلمة و محاولة إضاءتها وفق مناهج تحليلية متميّزة و بناءً على تصورات إيديولوجية مختلفة. و قد طبع هذا التعاكس خطابات العديد من مفكري القرن العشرين العرب، و أسس لمنطلقاته المختلفة على الرغم مما اكتنف مصطلح التنوير طيلة هذا القرن من رؤى متقاطعة شكّلت عمق التناقض الذي ميّزته بسبب الإشكالات المنهجية المتعلقة أساسا بالمفاهيم التي حمّله إياها مؤسسو هذا الخطاب وحاولوا من خلاله إضاءة المتون المرجعية من خلال العودة إلى التراث العربي القديم كما هو الحال عند محمد عابد الجابري، أو من خلال محاولة تفكيك الوحدات الأكثر هشاشة في بنية الخطابات الموصوفة بالدينية عند نصر حامد أبو زيد، أو من خلال الدعوة إلى جدل الممارسة الفكرية للبحث عن المعادلة الأكثر اقترابا من الواقع، و الكفيلة بزرع أمل تجسير الهوّة بين الذات و الموضوع بصورة تصبح فيها الممارسة الفكرية لا جبهة متخندقة في مساحة الحراك الاجتماعي المتشظي، و إنما رؤية موحدة في مواجهة الانزياحات العقلانية المعاصرة المفروضة على التصور العام للأنساق الفكرية السائدة. و لعل هذا ما يدلل على عدم وجود رؤية واحدة للتنوير في الخطاب الفكري العربي الذي طبع مسيرة قرن كامل من الممارسة الفكرية. كما يدلل على فشل هذه الممارسة في خلق تصور شموليٍّ للمساحة الفكرية القادرة على تحمّل الإسقاطات الحداثية المفروضة على الواقع بقوّة العصرنة، ومن ثمة فشلها في استيعاب تصوراتها الدلالية بما يكفل الحق في حماية الوجود لا بوصفه مفهوما فكريا متحوّلا فحسب، و لكن بوصفه كينونة ثابتة و منفتحة على العالم في آنية اقترافه للفعل الحداثي، و ربما عدم تحملها مسئولية مشاركتها الفعلية في صناعة الوعي الزائف و ترسيخه في إجراءاتها المنهجية من خلال تناولها المكرور للإشكالات نفسها منذ بداية عصر النهضة، مما أدى إلى عدم تبلور رؤية نقدية تنويرية حول صياغة مشروع واضح يضع نصب أفقه التنظيري المسعى الواقعي الحراكي لحماية الكيان من التآكل والتفكيك، و من ثمة وصوله الحتمي إلى ترسيخ (الهزيمة) موضوعةً أساسية تستولي على الخلفية التاريخية و النفسية للممارسة الحداثية للتنوير.
و ربما كان هذا الفشل أحد الأسباب الرئيسية في أن الرؤية التنويرية في الخطاب النقدي المعاصر قد اعتمدت على تحيين أساليب حداثية أكثر رسوخا في الرؤية الغربية للممارسة النقدية – وهذا ليس جديدا-، و ذلك من أجل تقديم صورة المفكر النقدي في ثوب الضحية الوحيد الذي يتحمل مواجهة ضغوط الأمر الواقع الذي يستمد بقائه و قوّة تناميه في الساحة الاجتماعية من جذرية رؤيته المفاهيمية و اتصاله الصُرّي باللاوعي الجمعي للمجتمع. و من هنا، فإن بنية الخطاب الفكري الحداثي الذي استولى على خاصية التنوير بوصفها مصطلحا لا بوصفه فعلا ملتزما، من خلال الاستحواذ على مرجعية الاختلاف الممكن بالنظر إلى فشل الراهن الكائن في التأسيس للمشروع الحداثي المأمول، لم يستطع أن يقدم في محاولته للبحث عن شمولية معرفية في الطرح أن يُدرج ضمن تأسيسه لمنطلقات مشروعه النظري مجمل العناصر المرجعية الكفيلة بتحقيق مساحة إقناعية واسعة على أرض الواقع، مما عجّل بترسيخ الانفصام الأزلي الذي يعانى منه الخطاب التنويري بكل توجهاته الحداثية، مُكرِّسا الهوّة بينه و بين القاعدة الاجتماعية بوصفها سندا أساسيا لا يمكن أن يتحقق بدونها أي تقدم على مستوى تحديث البنيات القاعدية للعناصر المُكوّنة للمشروع بما فيها العناصر السياسية و الثقافية و الاجتماعية.
و لعل هذا ما يفسر ظهور خطاب المفكر النقدي على مستوى الواقع، سواء عند نصر حامد أبو زيد أو عند محمد عابد الجابري أو عند غيرهما، على الرغم من اختلافه في شمولية طرحه لإشكاليات الوجودية التي انتابت الكيان العام للأمّة طيلة مسيرة قرن و اختلاف الزوايا الإيديولوجية التي ينظر من خلالها إلى مفهوم التنوير،وكأنه فكر إقصائيٌّ تحوّل بحكم المنطق العقلاني الذي يستمد منه مصداقيته إلى (أصولية مضادة) من شدّة تركيزه على محاربة (الأصولية) لا بوصفها رديفا منطقيا لما اصطلح على تسميته بـ(الظلامية) فحسب، و لكن بوصفها مظلة متحركة تمكّنه من التظليل(أو التضليل) على مجموع المتفرقات الفكرية السابحة في المجال التقليدي الذي يعتبر جزء فاعلا فيه، و التي أصبحت عصية على فهمه، و مُنَغِّصة لمسار الحداثي داخل مساحتها القابلة للتوسيع حسب خصوصية المرحلة التاريخية. و هذا ما نراه متجليا بوضوح في مسافة الفارق التي يلاحظها القارئ بين طرح نصر حامد أبو زيد (للظاهرة القرآنية ) في كتابه (مفهوم النص) و طرح مالك بن نبي للظاهرة نفسها في كتابه (الظاهرة القرآنية) بحيث تصبح الرؤية المنهجية كفيلة بخلق الأداة الإجرائية التي تؤدي إلى مآلات تأويلية في غاية التناقض على الرغم من التشابه الاصطلاحي للظاهرة الموصوفة من جهة، و التشابه في المسار التكويني في بداية العمر للرجلين. و نرى ذلك كذلك جليا في الكتابات التي ميّزت الطرح العروبي المتنور في مشروع الجابري المرفوض مبدئيا من طرف العديد التوجهات التنويرية الأخرى التي تستمد مبادئها الإيديولوجية من التصورات اللائكية و العلمانية المتوغلة في الطرح المتطرف من جهة، و من الكتابات المضادة التي حاول من خلالها جورج طرابيشي ،على سبيل المثال لا الحصر،أن يقوّض البناء العام لهذا المشروع من زاوية تنويرية مختلفة .
و لعله لهذا السبب كانت مأساة المفكر النقدي عموما بكل توجهاته – في غرور اعتقاده الراسخ بامتلاكه للحقيقة المطلقة- من خلال محاولته حمل إشكالية (التنوير) وكأنها نبوءة يختص بها لوحده في مواجهة الانجذاب الطبيعي للركون و الثواء اللذين طبعا حيثيات المسار التقليدي لمجتمعٍ لم يكن ليسعى- نظرا لبنيته الارتجاعية- إلى البحث عن العناصر المُوَحِّدة لكينونته في غير ما تعوّد على التدليل عليه من خلال الرجوع إلى كلّ ما يشكل قاعدة دفاعية أمام ما يراه هجوما كاسحا على هذه الكينونة و تعدّيا صارخا على منطلقاتها.
- الفكر التنويري و الرؤية الصدامية:
و ربما واجه المفكر النقدي اصطدامين عنيفين في ممارسته الفكرية التي عادة ما تتماهى مع حياته الخاصة المحيلة في هذه الحالة، و حسب التوجه الإيديولوجي، إلى التجربة الرشدية أو إلى غيرها مما يماثلها من تجارب مفكرين آخرين عرب أو غربيين، و تبرر انسياقه إلى لعب دور الضحية في مواجهته لهذين الاصطدامين، لا من خلال ما تُوجِبُه الممارسة الفكرية من مسافة فارقة تضمن الرؤية الشمولية الحَكَميّة – و هي مسافة ضرورية بالنسبة للمفكر النقدي-، و لكن من خلال ما يدفع به الانزلاق الموقفي داخل الممارسة الفكرية من تعنّت يُخْرِجها من دورها الحكَمي الذي لا يتناقض مع أصلها النقدي، و يُدخلها في دورها الإيديولوجي السياسي الذي يضفي عليها طابع الحيوية لكنه ينزع عنها طابعها العقلاني، ممّا يوفر المبرر الموضوعي لتحقيق مسار التحوّل إلى ضحية(Processus de victimisation) الذي عادة ما يُمَأْسِسَهُ محيطُه الانتمائي بصورة احتفالية لخدمة أغراض سياسية و إيديولوجية مصلحية تتجاوز المفكر النقدي نفسه وتخرج في الكثير من الأحيان عن إرادته كما في حالة نصر حامد أبو زيد خاصة. و يصبح المفكر النقدي بموجب ذلك ضحيةً متنورة في وسط ظلاميٍّ محكوم بالتفكير الأصولي، و أسيرا في يد الجلاد المتشظي في الصورة المائعة للمجتمع الرجعي المتخلف، و في نهاية الأمر (صالحا في ثمود) . و لعل هذا يساعد محيطه الانتمائي خاصة على استغلال تضحيته الموغلة في الفردية من أجل رسم الخصم الفكري الذي يتحول إلى عدوّ فاعل يجب محاربته و ترسيم حدوده المعرفية و الثقافية المبنية على المنطلقات الإيديولوجية و السياسية التي يجب أن يتعامل معه من خلالها. و هو، في نهاية الأمر، ترسيخ للقطيعة المعرفية التي ميّزت الفترات الأكثر جدلا في مسيرة الخطاب الفكري العربي طيلة القرن العشرين من خلال تعاكس مرايا التنوير التي تخلق الصدمة الإشكالية بين تيارات التنوير نفسها على المستوى النظري و على أقل تقدير، ولكنها لا تسلط نورها على المجتمع، فتزداد بذلك انعزالا عن الواقع و ابتعادا عن فهم متغيّراته المعقدة بسلبياتها و إيجابياتها.
و يتم ترسيخ هذه القطيعة من خلال المعاداة المتعاكسة للأنماط التفكيرية و رفض بنياتها الثقافية و الاجتماعية و الإبداعية التي تترسم داخل هذه الحدود، مما يُحوِّل الجوانب الإيجابية للمعطى التنويري من البينة الفكرية المعقلنة في النظر إلى ظاهرة التخلف في المجتمع ومحاولة إيجاد الحلول القادرة على تجاوزها، إلى البنية السياسية المؤدلجة الطاغية على منطلقاته المبدئية و أنظمته المنهجية و نتائجه النهائية. و يتحول من جرّاء ذلك المفكرُ النقدي نفسُه إلى معارض أيقونيٍّ لما يجتهد على تسميته بالقُوى الظلامية التي تَحُول دون تحقيقه لأهدافه المسطرة فلا يجد عندئذ غير السلطة الريعية الفاشلة في مشاريعها التنموية و التحديثية- حسب توصيفه لها- لحمايته و تقديم الصورة المثلى لتحالفها معه في مواجهة شبح الظلامية والأصولية و التخلف.
-الاصطدام بالمرجع:
لقد قُدِّم مفهوم التنوير في كل مرّة بالصورة التي لم يكن ليُقدَّم بها أصلا من طرف دعاته لإضاءة المجتمع، على أنه شكل من أشكال الإضاءة المعرفية للذات من خلال الانفتاح على العالم. وكان التنوير، منذ عهد الكواكبي و علي عبد الرازق و محمد عبده و رفاعة رافع الطهطاوي وطه حسين و غيرهم من رواد الجيل الأول ممن أصبحوا يسمّون بالمفكرين التنورييين، يحمل في صورته المرجعية المتعلقة ببنية خطابه الفكري إشكاليةَ الاصطدام بالمرجع الذي عادة ما يؤدي إلى تشويش الصورة الأدائية في الخطاب، و التي تؤدي بدورها إلى خلق الضبابيات المتأصلة في إشكالية التلقي على مستوى القاعدة المثقفة التي من المفروض أن تخلق مسافة الفارق الضرورية لكل خطاب فكري في الوصول إلى المآلات المحددة و تحقيق الأهداف المتوخاة من المشاريع النظرية التي تؤمن بها. و لعل هذا ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى نتيجة حتمية ميّزت جُلَّ هذه الخطابات على الرغم من اختلاف توجهاتها. وقد تحولت ظاهرة الاصطدام بالمرجع من ممارسة نقدية واعية في المشاريع التنويرية التي طبعت- في جزء منها- النصف الأول من القرن العشرين على الرغم من صورتها السجالية المعروفة، إلى موقف مسبق في النصف الثاني منه، يتم من خلاله تحييد الأسس الفاعلة في المرجع بوصفه مُنْتَجًا فكريا قابلا للدراسة و التحليل، و التعامل معه بوصفه ظاهرة أصولية تستمد صيرورتها الفكرية و قوّة حضورها من ترسّخها في الواقع الاجتماعي. و ذلك من دون أن يجتهد هذا الخطاب في البحث عن الأسباب التي جعلتها تتجلى بهذه الصورة.
-الاصطدام بالواقع:
يبدو للوهلة الأولى أن المرجع و الواقع لا يعبأ أحدهما بالآخر إلا بالقدر الذي يلعب فيه المفكر النقدي دور الضحية التي تُمكّن من تجسير الهوّة بين المرجع النائم في غياهب المخطوط غير المُحقَّقِ معرفيا خاصة- و يصبح كل التراث في هذه الحالة عبارة عن مخطوط غير محقق في نظره-، و بين الواقع المأسور في فقاعة انتماء أفراده إلى موسوعة الأميّة العارفة بمصلحتها الآنية و السطحية لا أكثر و لا أقل. غير أن هذا التجسير سيأخذ فيه المفكر النقدي بعدا أكثر عداوة للواقع الذي يتخذ من هذه العداوة أساسا للعودة إلى قراءة هذا الواقع قراءة أكثر أصولية من ذي قبل. وذلك من خلال تمسكه بالدفاع عن المرجع المنتهك في نظره من طرف المفكر النقدي، على الرغم من عدم فهمه لكلّ أسراره المعرفية، و عدم قدرته على التمييز بين ما هو صالح منها و ما لم يعد صالحا، بطريقة يصبح من خلالها ربط الصلة بين المفكر النقدي و المرجع إمكانية تكاد تكون مستحيلة بالنظر إلى ما يقدمه المفكر النقدي من رؤية اختراقية للمساحات التقليدية المغلقة، و التي تتلقى الخطاب التنويري في صورته النظرية على أساس أنه محاولة تهجم عدواني على (الأصول) و ليس على أساس أنه محاولة خلق مساحة إضافية للانفتاح على العالم.
لقد شكل الخطاب الفكري العربي خلال مسيرة قرن من الزمن رؤية متشظية عن التحديث و التنوير و العصرنة في الكثير من أطروحاتها الإيديولوجية و السياسية. و لعل تجربة نصر حامد أبو زيد – بغض النظر عن اختلافنا المبدئي مع أطروحاته الفكرية أو اتفاقنا معها- وكذا تجارب العديد ممن تعرضوا للابتلاء في زمانهم على الرغم من الثقل المأساوي لمعايشة الابتلاء بصورة فردية، ليست تجربة وحيدة خاصة بالرؤية الإيديولوجية التي تطبع كتاباته و ما شابهها، أو تختص به دون غيره خلال مسيرة قرن كامل من الممارسة الفكرية التي تميز بها الخطاب الفكري العربي بإيجابياتها و سلبياتها. كما أن مسار هذه الممارسة الفكرية العربية طيلة قرن من الزمن مليئة بالتجارب المماثلة - بما فيها تجربة الفكر الشيعي في العراق و الفكر الإخواني في مصر - أو التجارب المختلفة التي تفوق تجربة حامد أبو زيد في الأسر و النفي و السجن و التضييق و المطاردة و الحجر و ما إلى ذلك مما يوضع على كاهل الرؤية المتميزة في الممارسة الفكرية مهما كانت توجهاتها الإيديولوجية أو السياسية التي وقف فيها المثقف التنويري وحيدا يواجه في تفرده الفكري الخيانات الموقفية التي عادة ما كان يعتقد أنها كفيلة برفع لواء أفكاره في آنية طرحها من طرف مناصريه الافتراضيين. و هي كلّها تجارب غير محصورة في دائرة وطنية ضيقة أو تصور فكري عابر، بقدر ما هي تجارب قد تتسع و قد تضيق لكوّة من التنوير لا يمكن حصرها في توجه إيديولوجي واحد على الرغم من التغييب المتعمد للعديد من التجارب التنويرية المختلفة التي تعتمد على القراءة النقدية الشمولية المنفتحة على الذات و على العالم.
البحث عن تحقيق التنوير:
لقد تبين للعديد من المفكرين بعد مضي ما يفوق القرن من الممارسة الفكرية المتسمة بالعقلانية المتنورة تارة وبالذاتية المنغلقة تارة أخرى بما فيها التجارب الإسلامية و القومية و اللائكية- و لكنها في الحالتين متسمة بكثير من التشنج -، أن البحث عن تحقيق التنوير بالصورة التي بُحِثَ بها عنه بإمكانه أن يؤدي إلى نتائج عكسية غير متوقعة تماما من طرف دعاة التنوير أنفسهم نظرا للهوّة الفكرية الفاصلة بين الخطابات النظرية و الواقع الاجتماعي و السياسي المعقد الذي عادة ما يكونون فيه – وهم جزء منه- مجرد ملاحظين بدرجة امتياز من دون القدرة على المشاركة الفعلية في التغيير الذي يفتح آفاق توصيل الخطاب التنويري إلى مآلاتها الطبيعية. و ربما بسبب هذه الصورة قد أصبح جديرا القول:
-إن التنوير لا يمكن أن يكون ممارسة بلاغية أسلوبية كما نرى في الكثير من الكتابات الآنية.
- إن التنوير لا يمكن أن يكون مشروعا نظريا..فقط.
- إن التنوير ليس رؤية مستوردة من العالم الآخر
-إن التنوير ليس استنساخا لتجربة تاريخية أخرى.
- إن التنوير ليس انفصاما عن المرجعيات.
و لعل بنية خطاب الفكر النقدي الحداثي خاصة – و هو جزء قليل من مجموع الفكر النقدي العربي- تستمد رؤيتها من التصورات الاستعجالية للقراءة الآنية للمجتمع لا بوصفه حركية مستديمة في السيرورة التاريخية على الأقل بغض النظر عن سرعتها و اتجاهها، و لكن بوصفه تراثا مائتا إن في صورته الماضوية أو في صورته الآنية التي تعيد إنتاج هذه الماضوية و تعيد، من ثمة، ترسيخ مفاهيمها المكرورة في واقع الممارسة الثقافية و الفكرية إلى درجة لا يمكن من خلالها إلا تصور القطيعة المعرفية مع المرجعيات في جذرية أطروحاتها و في عنف أساليب تقديمها للحجاج في تفكيك ماضوية الرؤية السائدة، وخطأ تصوراتها المنهجية بالنظر إلى تسارع الآليات الثائرة للحداثات المتعاقبة في واقع الممارسة الكونية المعاصرة للطرح الفكري المتجدّد.
يبقى أن هناك استغلالا فاضحا من طرف متطرفي الأصوليات المعاصرة بكل أنواعها لمساحة التأسيس للممارسة الفكرية الصادقة – بغض النظر عن قبولنا أو رفضنا لها- التي حققها كل من محمد عابد الجابري و نصر حامد أبو زيد و غيرهما. وهو استغلال يعتمد على تجييش المتناقضات التي حاول هؤلاء تحييد سلبياتها من مساحة الصراع الإيديولوجي من خلال تقليص فعالية دورها في بناء المشروع التنويري. و يعتمد هذا الاستغلال على تسييج مساحة التأسيس هذه و تحويلها إلى تمترس مبنيٍّ على الانغلاقات الإيديولوجية المعهودة من خلال إعادة مساحة الهوّة التي حاول المفكرون التنويريون تجسيرها إلى ما كانت عليه ، و محاولة توسيعها من خلال ترسيخ الاعتقاد بامتلاك الحق المطلق في الحكم على الآخر. و من ثمة ترسيخ مفاهيم النفي و النفي المضاد الذي يدفع ثمنها المفكر النقدي الصادق في الكثير من الأحيان بالصورة التي تتجلى في تجارب العديد منهم على مستوى الواقع، و على مستوى الممارسة الفكرية التي تتعرض لأعمالهم بالنقد و التحليل.
فبقدر ما كان محمد عابد الجابري ، في نظر المحافظين، مفكرا حداثيا مندسّا في داخل أسوار التأصيل الفكري، كان في نظر الحداثيين مجرد فقيه يدعو إلى حداثة هجينة من زاوية مُعَوْرَبَة مرفوضة من طرف هؤلاء.
و لعل هذا ما ينطبق بصورة ما على نصر حامد أبو زيد ، على الرغم من اختلاف المقاربة الفكرية في المنهج و في الموقف و في المآلات، و التي تُستغل فيها قضيته إلى درجة قصوى في ترسيخ إحداثيات الممارسة الفكرية المنغلقة في مخيال جيل جديد من المهتمين بالممارسة الفكرية الذين سيواجهون قرنا جديدا في تناسخ مفاهيمه الوجودية بطريقة لا يمكن تصور انعكاس آثارها على المنحى الوجودي للإنسان العربي مستقبلا. وذلك كلّه من خلال الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، و التلاعب المتعمد بالثوابت الفكرية و النضال الافتراضي المجاني بأفكار الآخرين و بتضحياتهم. و لعل هذا مصير كل مفكّر يحاول أن يتخطى الحاجز الزمني الذي يربطه بمعايشته لجيله، لأن الدرس المتخفي في النصوص الفكرية لهؤلاء و غيرهم، إنما يتخطى حاجز الآنية المسكونة بالتشنّج المصلحي لينغرس بصورة نهائية في أفق الممارسة المستقبلية كشاهد متأصل على إمكانية فتح الانغلاقات وتقليص المتناقضات .







نشر في الموقع بتاريخ : الأربعاء 1 رمضان 1431هـ الموافق لـ : 2010-08-11

التعليقات
معروف محمد آل جلول
 هنا نقول:المفكر عبد القادر رابحي..
رمضانكم سعيد وكل إخواننا القراء الأفاضل..
جعلنا الله وإياكم جميعا ممن يستلمون جائزة عيد الفطر بيد الكلائكة الكرام البررة..
غوص عميق في فكرنا العربي المعاصر من خلال قطبين شهدت لهما كتاباتهما ..وتنسيق منهجي ـ فائق الأهمية ـ مع من سبقوهما من مفكري عصرنا الحديث..
ومحاولة مقاربة في منهجية كلاهما دون إهمال المفارقات المنهجية التي ميزت كل فكر واتجاه..
لكنه كل هؤلاء المرحومين المذكورين بأسمائهم في هذا الخطاب الكاشف بمرآته الصافية لصولاتهم الفكرية ..
كانوا على يقين بأن لديهم مرجعية فكرية لايجوز لهم تجاوزها ،ومتى تعثروا ..اسقاموا وعادوا ..فكانت رغبتهم :حفظ الأصول ..وتنوير العقول بمستجدات العصر من خلال أدوات إجرائية متمايزة بينهم ..إلا من شذ عن القاعدة ودعا إلى "القطيعة"مع تراثنا العربي القديم على حد تعبير د.عبد العزيز حمودة في ثلاثيته عن المرآة..خاصة "المقعرة"
والحقيقة الثابتة التي يجب الجهر بها ـ حسب قناعة سبد قطب رحمه الله ـ أن فكرنا الأصيل متى استأنف حياته كاملة بتكامل مجالاته من :منهجه الأول الأصيل المتجدد ..المساير للراهن ..المستشرف للقادم ..
أبدع ..وبرع..وقاد ..وارتاد..
فالارتباطات السياسية وانتماءاتها ،وكذا الدفاع اللاواعي عن الإيديولوجيا كثيرا ما يحرم المفكر من رؤية الحقيقة المجردة ..لذا نجده خليط موضوعية تبحث عن مخارج تنويرية ،وذاتية توقعه في مستنقع الانحراف أو الانجراف مع تيارات خاصة فرضها الهوى..
لكن دقةهذا الموضوع ترفعه درجات عن القارئ العادي ..فهو نخبوي بامتياز..
ومازال ينتظر أن تفصل أوجه الاختلاف الفكري بين القطبين ..
هذه الكلمة أعتبرها تفاعلا مع موضوعكم القيم الذي أحاط بكل السلفية والتنويرية الحداثية ودعاة الحسنتين..
لقد أخذت وقتا كافيا لقراءة هادئة ..ومازلت بحاجة إلى عودة جادةلأجل اسكناه زبدة الخطاب الراقي..
موضوع مثير وهام ..
لكم أستاذنا الفاضل ..كل التقدير المستحق..
خالص التحايا..  


مجذوب العيد
 أخي رابحي الجميل ..

ربما أنتظر قليلا لعل ّ فيه تكملة لهذا الجو الجاد والمسؤول ..

أنتظر إذن أو أعود بعد أيام إن شاء الله .. 


محمد الصغير داسه
 الأستاذ الكريم عبد القادر رابحي..موضوع بمساحات فكريةتنويرية دسمة.. قرأت الموضوع واحتفظت بالنص ، لابد ان ترافق القارئ قهوة، هذه المواضيع هي التي تهز الفكر وتشحذ الهمم ،الطرح جاد والمعالجة صادقة والأثر طيب ان شاء الله، فلو أن كتابناتناولواهذه الأعمال بذات القوة والصدق لما تنكر أبناؤنا لماضييهم ولما تاهوا في البحث عن فكر يلوكونه في الأرصفة والمقاهي في التجريح والرفض ولما طغت عليهم المذهبية والغلو...شكرا ايها الكريم قدمت لنا طبقا من شهي عصارة المفكرين في شهر كريم........حفظك الله..وتقبل الله منك الجهد ..رمضان مبارك.م.ص.داسه 


عبد القادر رابحي
 أخي الكريم الأستاذ محمد معروف
تحية وسلام

و تقبل الله الصيام
شكرا على ردك القيم المستفيض.. و أنتم تعرفون أستاذنا الكريم كم جنت على الرؤية الفكرية طرائق التوصيل المحسومة سلفا داخل التمترسات السياسية والايديولوجية التي عادة ما تتخذ لها أصولا ومرجعيات وأرضيات وهمية منقطعةمع الواقع وبعيدة عنه،، وذلكعلى الرغم مما يمكن أن يكون للفكر النقدي من جوانب هي في غاية الأهمية والضرورة بالنسبة لتطور المجتمعات المختلفة..
شكرا لمروركم الكريم. 


عبد القادر رابحي
 أخي الكريم مجدوب العيد
تحيةوسلام وتقبل الله الصيام

شكرا على المرور والتعليق
وصح صيامك..  


عبد القادر رابحي
 أستاذنا الكريم الأديب محمد الصغير داسه
تحية وسلام و تقبل الله الصيام

لك أستاذنا أن تشرب قهوية جلفاوية بالصحةوالهناء بعد الفطور إن شاء الله، وأن ترى صدقا أن حالات التماهي المتكررة مع ما يأتينا من الغرب- وهذه هي المشكلة المتكررة دائما- بصورة انحيازية موقفية من خلال اتخاذ مواقف الرفض المطلق أو القبول المطلق ، لا تنم عن رؤية هادئة وواعية لأمة طالما اتصفت خلال مشوارها الحضاري برزانة التعامل مع الجديد الوافد وتسخيره في خدمة الذات الحضارية وليس في تحطيمها
شكرا لك أستاذنا الكريم..
و رمضان مبارك

 


بغداد أحمد بلية
 الأستاذ المحترم عبد القادر
تحية طيبة وتقيل الله صيامك
موضوع خطير وحساس تطرقتم إليه ، يدفع إلى التساؤل عن مستقبل الفكر العربي في ظل تناقض الواقع الراهن مع الفكر النظري و عقم المفكر في تحقيق و إثبات أفكاره .
ألا ترى أن الحياة بدون صراع فكري لن تولد الجديد ؟
تحية رمضانية إليك أستاذنا . 


محمد الصالح قارف
 مساء الأنوار على كل الذي سبقوني في الرد
مقال مميز يستحق ان يوقف عنده وقفة إجلال وتقدير، لأنه فيه من "إختراق السائد من موضوعات" مايملأ الكف
بداية لم أحب أبدا قرن هذين الإسمين مع بعضهما، صحيح انهما يسبحان في فلك واحد، إلا أن أحدهما كان يسبح عكس التيار وأقصد الدكتور أبو زيد "رحمه الله"
نصر حامد أبو زيد ظهر كطفرة في الذكاء الماركسي آنذاك، خصوصا مع تلك الأمواج الحمراء التي غزت مصر والتي لم يتبقى منها سوى بعض الأطلال والتي تبول عليها أصحابها قبل أعدائها، إذ لم يسبقه أحد وبتلك الجرأة الى النيل من مقدسات المسلمين، ألا وهو القرآن
أجد صعوبة بالغة في وصف فكر د.أبو زيد بالتنويري، ربما محنته ساهمت كثيرا في إلصاق بعض من التعاطف له وصنعت له إسما في هذه السماء الوسيعة
على كل وجدت مقالك مميزا، شكرا لك و"صحة الشريبة" 


فارس بوحجيلة
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
الأستاذ القدير عبد القادر رابحي المحترم،
أشكرك على هذه الدراسة المتميزة بموضوعيتها وهدوئها والتي تتبعتها في صحيفة وطنية بعد نشرها على جزئين
تمنيت لو تعرضتم لدور الدراسات الاستشراقية فيما يخص جذور هذا التيار الفكري بصفته امتدادا كما ذكرتم للجيل الأاول.
على كل أجدد شكري وتقديري 


محمد الأمين سعيدي
 الأستاذ والشاعر عبد القادر رابحي.
نهارك سعيد
أذكر أنني تابعتُ هذا المقال على مدار أسبوعين في الخبر الأسبوعي، وقد قرأته الآن للمرة الثانية لأنه مقال بقدر ما يطرحُ رؤيتكَ الشخصية إلى مساعي التنوير العربي يفتح أمام القارئ بابَ النقاش إما بالموافقة أو بالاختلاف، والأمران مهمان في صوغِ رؤية عادلة في النظر إلى هاته المساعي التنويرية سواءً أكان القارئ واقفا في رقعة الأصولية أو في رقعة الحداثة. لأن كلتيهما تمثلان مسارين مختلفين ومتشابهين في الآن نفسه يُؤطران رؤية العربيّ إلى الظلامية الفكرية والواقعية التي يعيشها ويُنكر أنه واقع في شباكها.
ولعلك إذ طرحتَ القضية أشرتَ إلى فكرة حساسة ألا وهي تحوّلّ جميع الاتجاهات-أكانت حداثية أم تقليدية-إلى أصوليات جديدة تقوم بداية على رفض الآخر وسلبه حقه في سبر أغوار الحقيقة الغائبة عن أكثر من طرف من جهة، والمدعاة من لدن أطراف عديدة من جهة أخرى.وعليه تدفع وفاة هذين المفكرين إلى مراجعة مساراتِ العقل العربيّ في شعابها المختلفة سواءً الحداثية أو الأصولية وغيرهما من التسميات التي تجد إليهما بسببٍ يُدرجها تحتَ إحدى الرايتين، وتأخذُ هذه المراجعة طابع التساؤل ما دام المثقف الحقيقي يمجّ اليقينية الحمقاء التي جعلتْ منا أوصياء على الفكر والثقافة وجعلتْ من بعضنا أوصياء على الدين، وأدّتْ هذه النظرة الدوغمائية الغبية إلى إفراز عديدٍ من الصراعات التي نحن في غنى عنها مادامتِ النصوص تحملُ في ثناياها مرايا التلوُّن على أكثر من دلالة، وما دامتْ نظرتنا إليها تحدِّدها مرجعياتٌ فكرية وقناعاتٌ دينية تمنح للمنظور إليه عدّة تمظهرات يراها كلٌّ بحسب موقعه ومن زاويته الخاصة. فكلُّ قراءة تتوخّى إنتاج معنى ما انطلاقا من بنية نصية لمتن موروث أو لآيات القرآن الكريم أو حتى لأحداث تاريخية نرتبط بها عربا ومسلمين تنطلق مما يتوفّر عليه ذاك النص أو تلك الحادثة من قرائن لغوية أو من سياقاتٍ سوسيوثقافية لحقبة ما، وهذا الارتكاز على أسس نصيّة سواءً لسانية أو غير لسانية يعطي للقارئ/المؤوّل صلاحية الاقتراب من تخوم الدلالة إلى الحدِّ الذي يُبلغه إليه فهمُه وترسُّبات ثقافته ومرجعياته.
..
..
الأستاذ عبد القادر
شكرا لك على هذا المجهود الفكري الذي سينال ثمراته كثير من القراء.
تقبل تحياتي 


عبد القادر رابحي
 أخي الكريم الأستاذ محمد بغداد بلية

تحية و سلام و تقبل الله الصيام

شكرا لك على المرور الكريم و أنتم تعرفون جيدا أن أيةمحاولة للتنظير من المفروض ان تستقى اطرها الفكرية و العملية من الواقع المرتبط بالحركية الاجتماعية، و إلا فإن هذه المحاولة ستبقى مجرد حبر على ورق . و لعل هذا ما جعل عديد المشاريع المطروحة على الساحة الفكرية في العالمالعربي منذ قرن من الزمن تراوح مكانها نظرا للهوة التي تبين فيما بعد أنها تفصلها عن واقعها الاجتماعي..و كل المفارقة في هذه المشاريع تكمن في أن الحداثة الغربية التي يعتمد على التدليل على صدقيتها و علمية منهجها ،قد استطاعت ردم هذه الهوية من خلال فهم الجذور و ربط افكارها النظرية بالواقع الآني في سيرورة تحققه على المستوى الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي..في حين أن التجربة التنويرية العربية في فرعها الحداثي زادت من اتساع هذه الهوة من خلال اساعمالها لنفس الاجراءات الغربية... ثمة مشكل خطير كما قلت...
شكرا لك أستاذنا الكريم

 


عبد القادر رابحي
 الأستاذ الكريم محمد الصالح قارف
تحية و سلام وتقبل الله الصيام..

أشكرك اخي الكريم على مرورك وعلى مداخلتك القيمة .. غير أنه يبدو أن العديد من الكتابات التي خاضت في موضوع المفكر نصر حامد أبوزيد رحمه الله تصنفه وفق هذا التصنيف الذي يعتمد على الرؤية المشرقية التي سادت في القرن الماضي و التي تحاول ربط مفهوم التنوير بطرح العديد من المفكرين العرب فشكالات اساسية متعقلة أساسا بالتحديث الاجتماعي والسياسي وما كانا يلاقيانه من رفض من طرف الرؤية التقليدية السائدة.. ماأردت التنبيه إليه هوأنمفهوم التنوير كما يطرح في جل الكتابات الفكرية العربية ذات التوجه الحداثي خاصة إنما كان يعتمد على المغالطة الإيديولوجيةخاصة في بناء المشاريع لا بوصفها قواعد لمرتكزات حضارية ذات بعد شمولي ، ولكن بوصفها مشاريع سياسية انتمائية لا تتخطى الطابع الدوغمائي في الطرح المبني على المصلحةالسياسية الآنية... ولعل مرور مدة زمنية كافية على هذه الخطابات التي سادت في النصف الأول و النصف الثاني من القرن الماضي تمنح لنا فرصة الموضوعيةوالهدوء و التروي من أجل تمحيص هذه الكتابات و فرزالجوانب الايديولوجية من الجوانب غير الايديولوجية... وستلاحظ أن ما يبقى من الممارسة الفكرية الصافيةإلا القليل...
أما عن المقارنة بين المفكرين رحمهما الله، فيبدو لي أنها ذات أهمية كبيرة بالنظر إلى وضع الرأي ونقيضه في ميزان الدرس ومقارنتها بالنظر إلى أهمية المجازفة الحضارية وعمقها في الخطابات الفكرية لتجارب إنسانية أقل ترسخا في الفعل الحضاري من التجربة الحضارية العربية...
شكرا لك المرور ... وصح رمضانك.. 


عبد القادر رابحي
 أخي الكريم الأستاذ فارس بوحجيلة
تحية و سلام و تقبل الله الصيام
شكرا اخي على المرور الكريم.. وأنا أقرؤك في الجريدة نفسها..
أما عن الدراسات الاستشراقية ودورها في صناعةالوعي النقدي عند مفكري التنوير من الجيل الأول خاصة ثم امتداد دعائمها إلى الجيل الثاني من مفكري التنوير الحداثيين خاصة، فإن المسألة ربما تحتاج إلى مقال آخر او أكثر لتبيان مدى تمرير الرؤية الاستشراقية للمنحى النقدي من خلال التأكيد على الاصطدام بالأصول المرجعية كشرط أساسي في تحقيق مسافة الفارق بين الخطاب النقدي التقليدي الذي لا يحمل في مقاربته حمية الدفاع عن الحساسية النقدية والتأكيد عليها في كتاباته، و بين الخطاب الذي يدعوإليه (الاشتشراق) بوصفه مدرسة متأدلجة حسب توصيف إيدوارد سعيد، و الذي يتأكد جليا أن جل أيقواته الفكرية إنما تتخفى في طيات (إيديولوجية المنهج) التي تتجلى في الفكر البنوي والتفكيكيةو وغيرها من نظريات القراءة التي قدمت إجراءات منهجية كفيلة بانغراس في عمق المرجعيات التي لم تستطع المناهج التقليدية ( الاجتماعي والنفسي و غيرها..) تحقيقها ...

ربما أثرى النقاش هذه المسألة بالذات..
شكرا لك ...و صحّ رمضانك.. 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر
بقلم : سعدية حلوة / عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى و النادي الأدبي يذكران بأحداث 11ديسمبر


الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري
بقلم : أحمد سليمان العمري
الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات، أحمد سليمان العمري


حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان
حاورها : عبدالكريم القيشوري
حوار خاص مع الشاعرة الفلسطينية هيام مصطفى قبلان


النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور
بقلم : علجية عيش
النخبة تسترجع الأيام الذهبية لإتحاد الكتاب الجزائريين في ذكرى رحيل الأديب مصطفى نطور


في الثقافة الجزائرية في القرن العشرين
بقلم : إبراهيم مشارة
في  الثقافة الجزائرية في القرن العشرين


مثل الروح لا تُرى
بقلم : الدكتور/ محمد سعيد المخلافي
مثل الروح لا تُرى


اليلة
بقلم : أ/عبد القادر صيد
اليلة


في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري
بقلم : شاكر فريد حسن
في وداع المربية المرحومة أميرة قرمان - حصري


سطوة العشق في اغتيال الورد
الدكتور : حمام محمد زهير
سطوة العشق في اغتيال الورد


ما يمكن لرواية أن تفعله بك
بقلم : جميلة طلباوي
ما يمكن لرواية أن تفعله بك




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com