أصوات الشمال
السبت 11 صفر 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * قصائد نثرية قصيرة 2   * الد/ محمد فوزي معلم: المؤرخون الفرنسيون يرفضون الاعتراف بمصطلح الفترة الرومانية   * ندوة وطنية بعنوان معركة باريس حلقة مشرقة من ثورة التحرير الجزائرية   * قراءة أدبية في رواية { رياح القدر }    * الشاعرة اللبنانية نور جعفر حيدر تستلم جائزة سعيد فياض للإبداع الشعري في دورتها ال15   * نحن والدراسات الثقافية   *  تحْتَ وَطأةِ المَآسِي..تمُوتُ الأحْلاَمُ..!! /الحلقة الثاني..02    *  نظرة إلى المرأة.   * قد زارني طيف الحبيب   * الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات    * إنّ كيدكنّ عظيم.   * البسكري الذي قتله فضوله   * الدكتور محمد بغداد.. نحو إعادة النظر في المفاهيم القديمة للخطاب الديني   * الأيام الأدبية السابعة بالمدية تسلط الضوء على ذكرى ألـ17 أكتوبر   * بين تونس ةالعالمية.   * الشاعر والأديب ب . فاروق مواسي يضيء الشمعة السبع والسبعين    * الشدة المستنصرية   * اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي   * مقطع من روايتي" قلب الإسباني "   * فجيعة الوطن العربي الكبرى    أرسل مشاركتك
هي.. والذي يسكنها (قراءة في قصص أيقونات الشتات للقاصة الفلسطينية إيمان الوزير)
بقلم : غريب عسقلاني- فلسطين
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 1140 مرة ]

ما أن ندخل بوابة نصوص المجموعة القصصية الأولى "أيقونات الشتات " للكاتبة الفلسطينية إيمان الوزير, حتى يتربع أمامك السؤال طازجا حارقا حول تشكل ذاكرة الفلسطيني في الشتات, وخاصة ذاكرة الجيل الثاني والثالث بعد نكبة فلسطين في العام 1948.. كيف تراكبت وتناغمت من حكايات عن حكايات, ومن أحداث انبعثت من أحداث أو ارتبطت بأحداث, وعن روائح تناسلت من روائح ما زالت بقاياها في أنفاس من تبقى من الآباء والأجداد..؟

كيف يقترب الوطن ذاكرة تسكننا؟ نحمله في حلنا وترحالنا, وكيف يبتعد الوطن وينأى جغرافية وتاريخاً؟.. يتمدد الوطن حضورا وسؤالا ينقر الدماغ ويلوي حبة القلب..

من يسكن من؟

ومن يحمل من؟

ومن يملك الحقيقة ويملك الحلم؟؟

أسئلة تجعل الفجيعة حضورا نازفاً على مدار الوقت.فالفلسطيني في بعض الوطن, يقارع آجرا بديلا عنيدا جائرا, صادر الجغرافيا, ويعمل جاهدا على تغيير ملامحها, كي لا تتطابق مع الذاكرة/التاريخ, في محاولة مدروسة لمسح الدروب التي تأخذنا على نبع الحكاية..

والمعادلة قاسية وصعبة على الفلسطيني في الشتات المطرود من الألفة مع الأمكنة, والذي ينام ويصحو اشتياقاً إلى وسائد يغفو عليها عند حافة جب الضياع, قيل أن يمارس موتين في آن واحد..

أن يكون في الوطن بلا وطن ولا هوية..!!

أو تكون في الشتات بلا وطن بهوية لا تقيك ذل السؤال..!!

هكذا, ومنذ العتبة الأولى فإن إيمان الزير " التي جاءت إلى الدنيا في الشتات لأبوين هجرا قسرا من الوطن في الفجيعة الكبرى, تأخذنا وبوعي مسبق بما تطرحه وما تتخفى خلفه من رموز ودلالات وإشارات, لكي نصبح شركاء في الحالة متفاعلين معها, نبحث معها وبلا كلل عن بعض دفء في جليد الغربة.

في قصة الطواحين, تحجب الغيوم الداكنة شمس "ترونتو" وتمنعه من السفر.. وها هو في المطار, كل ما حوله يذكره بغربته ووحدته.. تلوح له صحيفة عربية ملقاة على الأرض, تبدو له حروفها تتلوى مثل ثعبان مقتول. تخرجه من حزنه طفلة بريئة تتقافز بين الحقائب, يقدم لها قطعة علكة تحببا وحبا, لكن ثمة يد غليظة تجذب الطفلة استر وتلقي بالعلكة على الأرض..فتأخذه الفجيعة من جديد.. فهل تدرك الطفلة استر أنها ذاهبة إلى أرض كانت له..؟ وأن نجمتها السداسية التي تتوهج في أركان الدنيا وتفرض شروطها إنما تستمد طاقتها من بقايا رماده؟.. وهل تدرك الطفلة استر كم هو بحاجة إلى ضامن وكفيل كي يقيم في بلاد العرب, وان الكفيل لا يملك ضمان قبوله في الجامعة لتقذفه الغربة إلى شتات جديد يحيط به الجليد من كل صوب.. وانه ما زال قابض على جذوته, ويصبو إلى شمس دافئة ونخلات زرعها في صحراء بعيدة.. أورقت في صدره..صارت وطنا من جمر يحتفظ بها ترنيمة لا يكل من ترديدها..

ولأن الوطن كذلك نراه يتحول إلى أسطورة في قصة الشماء ,حيث نرى الشجرة التي تدهسها الجرافات ونخلها بالرصاص تتحول إلى جبلة سحرية تتفاعل مع مكونات التربة, وتصبح صخرة راسخة تحتفظ في جوفها بأجنة التمرد على جور وعسف الوقت, تقف الصخرة صامدة أمام أنياب الجرافات, وتثير دهشة العدو..فيتخذ منها منصة يعتليها يوم الاحتفال بنصره.. لكنها, وفي توقيت معلوم تتفجر معلنة انتصارها والبث حي مباشر..



الحلم طفل الحكاية

هل يكون الحلم طفل الحكاية والأسطورة عند الفلسطيني, وهو يقطع المسافات بين المنفى والثورة كما نرى في قصة انبعاث حيث تسكن الراوية حبة لقاح"خصوبة"وتراقب الموجودات, وتتبع خطوات خائن مارق عن الصف..تسامر نجوما ساهرات تطارد معهن المارق تدفعه إلى المقبرة, وهناك تتناوشه الطيور الجوارح, وتدخل به عذاب سيزيفي مرير..عندها يتجلى بهاء الانتماء, وتضع الحياة بذوره,ا وتزهر نوار لوز أبيض له وهج الحقيقة فالظالم إلى زوالٍِ, ولو بعد حين..

ولكن الفلسطيني لا يسكن الحلم فقط, ولكنه يخرج من الحلم إلى الثورة عندما يستدعي الأمر ذلك, حيث تعيد الكاتبة انتاج قصة ليلى والذئب بمعطيات جديدة في قصة كوهين الذي كان قتل اباها وسبب فقدان بصر أمها بعد استشهاد أخيها, وتحميلها عبء إعالة الأسرة وهو ما دفعها للعمل عند كوهين الذي يحاول السطو على شرفها, فتعامله بسلاح الخديعة, وتغرس سكينها في صدره, وتنجح القاصة في تقديم قصة تعليمية عميقة على بساطتها , شيقة في تداعياتها وأحداثها..



الذات /الوطن

في المنفى يصعب الفصل بين الفلسطيني ووطنه, فهو يحتفظ بتفاصيله التي تكون ذاكرته, ويقف عند نقطة سكون مذهلة يرفض معها تصديق أن الأمكنة تغيرت, وأن الدروب المؤدية إليها شُطبت,..لذلك تكون الصدمة مزلزلة عندما يواجه الواقع وجها لوجه, كما حدث مع والد الراوية في"قصة يوم عاد أبي.." الذي يعود زائرا إلى بيته, يتفقد اشياءه, ويتنسم روائح عاشت معه عمره, وعندما يصل الى بيته ويقبل شبابيكه وشراعة بابه, يقف مع سؤال الفجيعة أمام الباب المغلق؟

هل يستأذن للدخول إلى بيته!؟

الواقع يلطمه, إذ يخرج عليه الآخر غاضبا غير مرحباً.. فلا يملك عندها غير الاعتذار, لأنه ضل الطريق إلى البيت...فهل ضل الطريق ؟

ام انه ضل الوسيلة للرجوع إلى البيت, في ظل النواتج السياسية بعد ثلاتين سنة من الغياب؟ وكأني به يكظم غيظه, مؤنباً نفسه:

- ليس هكذا تكون العودة.

وهل يطلق الصراخ بعد أن صادروا أرضه, وكمموا فمه؟ وربطوا لسانه عند مخارج حروف بعينها.. وفرضوا عليه أبجديه لا يحيد عنها, فهل والحالة كذلك يستطيع المقوامة بسلاح الحبر والقلم..؟والحرف يدفع نصف كيانه الفاعل إن هو تمرد كما في قصة نصف جسد



ومكابدات على ضفاف أخرى.

أن تعيش الشتات, يعني أن تعيش موتين, موت إنسان بلا وطن وهوية, وموت إنسان بلا عمل يعزز لديه الصمود.. يعيش على الهامش في البلد الذي دفعته أقداره إليه.. ينشطر إلى عدة كائناتٍ متصارعة تقاتل طواحين الهواء على مدار الوقت.. فإما أمن يلوذ بذله ويستكين, أو يصبر حتى يصبح أيوب عصره, أو يتمرد ويقدم أفعالا مفاجئة..

أية أقدار تأخذ الفلسطيني إلى الرقص حول نقطة سكون مثل بندول الساعة لا يتوقف عن الحركة, يراوح في مكانه فيما الزمن يدور يقطع رحلة العمر..؟

هكذا يعيش الفلسطيني على مكابدات الشتات, وقد عبرت عنه الكاتبة في قصة تمرد حيث تختلط هواجس المعلمة/ الراوية مع وقائع اليوم الأول من العام الدراسي الجديد, بين الخنوع والانكسار أمام أوامر الناظرة المتسلطة, وبين الرغبة في ممارسة الرغبات والطموحات.. هل تطلق بيان التمرد متناسية أنها بلا وطن تلوذ به..؟ أم تلوذ الحلم لتواصل التمرد والاحتفاظ بجذوته متقدة تساعدها في للعبور من حال الانكسار إلى حال التمرد..؟ لكنها تصحو على رنين ساعة المنبه يقرعها الجرس اللعين حتى لا تتأخر عن الدوام الروتيني القاتل..

ولعل ذلك ما تبدى, في قصة درويش وأنا, عندما يأخذها حلم يقظة من بحر جدة/ هناك على جناح نورسة إلى هناك/ الوطن حيث بيت تزهر فيه ليمونة مع وجه جدتها, ويسكنه صوت محمود درويش".. إلى متى نظمأ شوقا ولا نرتوي؟.. لتصحو على صوت ارتطام سيارة وحادث سير وجثة سيدة ملقاة ورطة غاضبة تبعد الناس عن جثة الضحية التي.."كانت جدتي مبللة بالمطر.."

من قتل الجدة/ الوطن/ المطر؟

السؤال مفتوح على جرح غائر لم يندمل بعد..!!

السؤال ما زال يعتصر قلب الطفلة المتفوقة شمس في "قصة طفولة" التي تدربها المعلمة على إلقاء كلمة حب الوطن بمناسبة وداع العام الدراسي.. هل تتحدث عن وطن ليس لها؟ وعن حب لم تمارسه؟.. وطن الصحراء والنخيل والنفط..؟ أم وطن زارته ولم تستطع المكوث فيه..؟ تطلب المعلمة منها التوقف عند مقاطع معينة, فتحاصرها نظرات الضابط الإسرائيلي عند المعبر, والذي انبهر مستنكرا عليها زرقة عينيها الصافيتين.. دروب غزة.. بوظة رام الله اللذيذة.. عبق الطريق إلى القدس.. المعلمة تطلب منها الإلقاء بدفء عندما تأتي على ذكر النخيل والنوق والبترول وصحراء الربع الخالي..

الطفلة لا تحمل غير وطنها.. تعتلي المنصة..تصدح بعفوية بما هو مسطر على شغاف القلب ".. وطني الحبيب الذي لم أعش تحت سمائه, ولم أنعم بفصوله, أراك من البعيد تغلي, الغوغاء تعربد فوق ترابك, والمتسلقون يسقطون دوالي العنب, ويقلعون الزيتون, وأنتَ أيها الغالي تباع وتشترى في بورصة السياسة القذرة, أحب.." ..يعلو التصفيق لكن ثمة يد حانقة تسحبها خلف الستارة ليكون لها معها شأن آخر.." فيكون وجهها مكفنا بدموع الاحتراق.."

ولأنه الحلم ابن الواقع, والحلم الذي نملكه.. تصبح الطفلة " في قصة رسالة محبوسة" امرأة ناضجة حالمة تريد وضع رسالتها, في زجاجة ذات سداد محكم... تجد الزجاجة, ويجهدها البحث عن سدادة ملائمة, وفي رحلة البحث عن السدادة تعيش التوقعات حول مصير رسالتها التي ستلقيها في بحر جدة.. فقد يحملها الماء إلى جزيرة استوائية نائية يلتقطها شاعر حالم, يكتب لها رسالة, ويعيدها إلى الماء, فتصلها الرسالة بعد عامين.. وقد ترسو الزجاجة على شاطئ غزة, فيلتقطها طفل لا يكترث بالرسالة, ويحول الزجاجة إلى عبوة ناسفة, يلقيها على جنود الاحتلال.. وقد ترصد الرسالة بارجة أمريكية, فتصيبها بصاروخ, أو ترسل ضفادع بشرية لإحضارها وإرسالها لمختبرات وكالة المخابرات المركزية لتحليل رموزها وفك شفراتها.. وربما تصل إلى القطب المتجمد الشمالي, ولحظتها تمنت لو وضعت مع الرسالة علما يسجل وصول الفلسطينيين إلى هناك, لكنها سرعان ما ردعت هذا الخاطر خوفا من وصول الأمم المتحدة مع الخيام ومعدات اللجوء وبطاقات التموين للاجئين..

وربما تقع الرسالة في شبكة صياد عجوز فقير طالما منى نفسه بصيد سمكة أو محارة, فتخذله الزجاجة الفارغة إلا من الرسالة..

وأخيرا تعثر الراوية على السدادة المطلوبة في احد محلات "ابو ريال.." وتجلس على مكتبها لتسطر الرسالة..فتتناثر الحروف ولا تعد الراوية قادرة على الإمساك بها..

فهل يمكن الإمساك بالحلم في حال اليقظة؟!

وأية مكابدة يعانيها الفلسطيني, يمضي حاملا وطنه معه؟ يلوذ به كلما تكالبت الهموم, لذا نرى الواقعي والأسطوري في سيرته يتجاوران بتناغم يضمن البقاء والاستمرار, كما في قصة " ليتكِ قذفتني في البحر", حيث تستكمل الراوية استعدادها, وتخوض أول تجربة لها في الغوص, فتصادف سمكة أميرة جميلة, ذات ألوان طيفية تهش لها وتخبرها عن حكايتها في الماء منذ سقطت وتحلقت حولها كائنات البحر, وكيف اتفقت كائنات الماء,على اختلاف مشاربها, وغرائزها على ضمان حياتها بسلام بينهم.. وكيف صادقت الجميع وزارت كل الشطوط دون الحاجة لتأشيرات مرور أو جواز سفر.. فجأة تكتشف الراوية أن السمكة الطيفية هي أختها التي أجهضتها أمها في الشهر السادس من الحمل , أثناء الهروب من القصف في النكبة الأولي.. يوم هرب أبواها على ظهر مركب, وداهم أمها المخاض.. وكيف ألقى أبوها الطرح الميت في الماء..؟

أي مفارقة تلك؟.. ففي الوقت التي تتعلم الغوص تقابل أختها في رحلتها الأولى, وما الدلالة؟ وما هي الإشارة المرسلة يا إيمان الوزير؟؟

هي عودة أختكِ التي أخذها البحر طرحا ميتا, ولماذا تأتيكِ بعد موت الأم بعامين؟

هل تناسخت أختكِ فيكِ أم في الأم الراحلة؟

وهل هذه السمكة ذات الألوان الطيفية هي لؤلؤة الحكاية الفلسطينية التي تعيش الخلود وتتناسل روحا بعد روح..؟

كل الاحتمالات مفتوحة للتأويل يا سيدتي, ما الذي هاجسكِ, وخطر على بالك وفجر فيكِ الحكاية, وما لم يخطر بعد, لأن للفلسطيني شأن شديد الخصوصية يزوده بطاقة خاصة تمكنه من التماهي مع وطنه الساكن فيه لدرجة الاندغام مقابلة في قصة شرايين شجرة, فها نحن مع الطبيب الذي لا يملك نم أمسه غير صورة أبيه المعلقة على صدر الجدار بشاربيه المعتدلين وشرواله والعصا التي يتأبطها.. وصندوق مغلق على أسراره.. صدفة يكتشفوا أن قلب هذا الطبيب حالة طبية نادرة فيعرضوا علية تصويره وإجراء مقابلة معه على الفضائيات, كسبق علمي وإعلامي مثير.. يعود إلى البيت فيخرج عليه أبوه من برواز الصورة ليطل أمامه في المرايا, يذكره بالمصورة الفرنسية التي صورته حافيا ببنطالة الشورت جالسا على باب الخيمة, وكيف فازت تلك المصورة بالجائزة الأولى في مسابقة عالمية وحصدت مائة ألف دولار فيما بقي هو على باب الخيمة حافيا.. يستنجد الطبيب بأبيه, فيشير عليه فتح الصندوق قبل اتخاذ أي قرار وإبرام أية صفقة.. فيفتح الصندوق, فلا يجد غي كواشين بيارات جده في يافا ومفتاح البيت..

يجهش بالبكاء

أي رسالة تحملها هذه القصة؟؟

وأي ثمن يمكن أن يساوي الوطن..؟



مكابدات العقل والروح

وفيها تقف الكاتبة عند ناصية مقابلة للحياة, ترصد من ذاتها الخالصة ما تبقى فيها من الإنسان في لحظات خاطفة تومض مثل ومض البرق في ليل حالك.. تركب الفكرة على متون جملة أو لفظة او عبارة مُشفرة.. تسكن ينى قصصية قصيرة جداً, تلقي بأسئلة ممتدة جدا.. تحاول الإمساك بالوطن حتى لا يضيع منها في متاهات الشتات

ففي قصة عُريّ يغفو في حديقة, فيسلبوه معطفه, ويغفو في واحة فيصحو عاريا تماما..

وفي قصة أقزام, تحلم الأقزام بزيادة أطوالها.. تتناول الإكسير, وتنام في أحضان العمالقة, فتصحو على صراخ نملة عملاقة تتأفف من وجودهم كحشرات غريبة مسخوطة..

وفي قصة نهاية الربيع, ينشب الخلاف بين الوردة والبلبل, لأن مخالب البلبل تجرح بتلات الوردة, فيحسم البستاني الخلاف بوضع البلبل في قفص يزينه بالوردة, ويقدمه هدية لسيده صاحب البستان..

وفي قصة جنة, في الحلم تعيش الغابة في جو يسوده السلام والمحبة, وتتعايش فيه جميع المخلوقات..وعندما يتبخر الحلم يخرج الذئب ملوحا بعصاه السحرية الشريرة مستنكاً:

- وكيف نحيا!؟

وفي قصة ضحك وبكاء, يضحك الأول, ويبكي الثاني, اما الثالث فيضحك ويبكي حتى لا يُغضب أي منهما..

وفي قصة لقاء, ينظر إليها من خلف زجاج السيارة عند إإشارة مرور.. ترتاح له .. تفتح الإشارة.. يلحق بها صوته:

- أريد ريالاً..

وفي قصة الياسمين, يزرع الياسمين ولم يزهر قلبه..إنطلق يبحث عن قلب جديد, وترك وراءه مئات المهتمين ينتظرون مواسم الياسمين..

وفي قصة البخت الضائع, على الفلسطيني في الشتات أن يعرف كل الحرف؟ ويتعلم كل العلوم ويقوم بكل الأعمال ومع ذلك ينطبق عليه المثل" سبع صنايع والبخت ضايع"



في المبنى والمعنى:

القاصة طيرت رسائلها,قصصا يتضح من خلالها وعي كاتبتنا بتقنيات القصة القصيرة وأدواتها, وهي على حذر دائم تحاول البحث عن البنى الملائمة لعرض أفكارها , يساعدها على ذلك لغة رائقة سلسة, تتناسب مع مقام الحالة, كما تملك القدرة على سبر أغوار اللحظة, من خلال تداعيات الشخوص وهواجسهم.. وفي اعتقادي أن غياب الكاتبة القسري عن الوطن, يجعلها دائما تلوذ بالوطن المعنوي الساكن فيه, ومن هنا تتجلى قدرتها على الاستبطان الداخلي الذي ينثال بسهولة ويسر في تيارات الوعي والاسترجاع, ما ييسر عليها اختصارات الزمن وتجاور المسافات والأمكنة, , وبذلك يأخذ الحلم مساحات واسعة في بناها القصصية.. تجد فيه ذاتها وأدواتها أيضا, ولو أن هذه التداعيات قد أخذتها وفي مرات محدودة إلى دفق الخاطرة كما في درويش وأنا,

وعلى جانب آخر فإن كاتبتنا تحاول, ما استطاعت, الانفلات من البنى التقليدية للسرد القصصي, ما يعكس معرفتها بهذا الفن المرواغ, ولعل ذلك ما تجلى في قصصها القصيرة جداً..



وبعد:

فإن إيمان الوزير في باكورة إنتاجها " أيقونات الشتات" تقدم قصصاً ناضجة, لقاصة تمتلك أدواتها وتعتصم بجوانيتها المعبأة بالتجربة وللألم الدرجة الفيض..تحاكم الأسئلة في مرجل عقلها, فتطفو رغوات روحها على بوح كتابة شفافة, يميزها عن غيرها من الكاتبات.. وهي ما زالت على بعد مسافة من همومها النسوية الخالصة, فهي المسكونة بوطنها الساكن فيها تكتب بروح مداده مؤجلة حالاتها, ربما عن اختيار, وربما إلى حين..





*إيمان الوزير قاصة فلسطينية تقيم في السعودية

* أيقونات الشتات مجموعة قصص قصيرة منشورات - دمشق 2007







نشر في الموقع بتاريخ : الجمعة 25 شعبان 1431هـ الموافق لـ : 2010-08-06

التعليقات
جميلة طلباوي
 الناقد و الأديب الأستاذ غريب عسقلاني
شكرا على هذا الاختيار مهمّ جدا أن نطّلع على ماينتجه أبناء فلسطين الصامدة في الابداع الأدبي.
ننتظرك دائما في أصوات الشمال و تحية احترام للقاصة الفاضلة إيمان الوزير.
تقديري و احترامي. 


غريب عسقلاني
 الشكر موصول لك ايتها الرائعة ولأصوات الشمال الذين يستضيفون الابداع الفلسطيني
تحياتي وتقديرى والى تواصل جميل 


مها راجح
 الاستاذة ايمان الوزير قاصة رائعة عرفتها في القصة العربية وايضا قابلتها في احدى امسيات ادبي جدة والتي كانت مشاركة في الأمسية هنا في السعودية وقد أهدتني مجموعتها القصصية الجميلة ..
ويكفي ايضا شخصيتها القريبة الى القلب والقاؤها النابع من أدب جم وعقل متفتح ناعم..
تحية للقاصة وتحية للاستاذ غريب عسقلاني للتعريف بهذه الاديبة الجميلة 


خالدة مختار بوريجي
 الفاضل غريب عسقلاني..
لقد تعرفت اكثر على ايمان الوزير وايقوناتها الشتاتية وهذا بفضلك..
تقبل خالص امتناني وتقديري 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

رابح بلطرش وحديث للاذعة الثقافية موعد للنقاش

موعد للنقاش الاعداد : رشيد صالحي

مواضيع سابقة
قد زارني طيف الحبيب
بقلم : رشيدة بوخشة
قد  زارني طيف الحبيب


الذوق الجمالي فلسفة تستمد قيمتها من الذات
بقلم : أ/ فضيلة عبدالكريم
الذوق الجمالي فلسفة  تستمد قيمتها من الذات


إنّ كيدكنّ عظيم.
بقلم : علاء الأديب
إنّ كيدكنّ عظيم.


البسكري الذي قتله فضوله
موضوع : الأستاذ الطاهر جمعي
البسكري الذي قتله فضوله


الدكتور محمد بغداد.. نحو إعادة النظر في المفاهيم القديمة للخطاب الديني
بقلم : علجية عيش
الدكتور محمد بغداد.. نحو إعادة النظر في المفاهيم القديمة للخطاب الديني


الأيام الأدبية السابعة بالمدية تسلط الضوء على ذكرى ألـ17 أكتوبر
بقلم : طهاري عبدالكريم
الأيام الأدبية السابعة بالمدية تسلط الضوء على  ذكرى ألـ17 أكتوبر


بين تونس ةالعالمية.
بقلم : علاء الأديب
بين تونس ةالعالمية.


الشاعر والأديب ب . فاروق مواسي يضيء الشمعة السبع والسبعين
بقلم : شاكر فريد حسن
الشاعر والأديب ب . فاروق مواسي يضيء الشمعة السبع والسبعين


الشدة المستنصرية
بقلم : د.محمد فتحي عبد العال
الشدة المستنصرية


اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد الكتاب الجزائريين فرع سيدي عيسى يفتتح موسمه الثقافي




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com