بقلم : كمال بركاني
[ شوهد : 196 مرة ]

أرض للصـــــــــــــــــلاة.
1-
كلما عبرتني ريح تذكرت عبورك القديم الباهر في فضائي الموحش كما لو أنه عبور مذنب جميل في مجرة بعيدة.
وتذكرت عيونهم وأظافرهم وأسنانهم المرقطة.
آه..يا لحنينة، كم هو كثيف شجر الحنين هذا المساء.
2-
ما من مكان تذهب إليه الريح خارج المكان الذي أبدعته يد الله،و ما من قدر نفر منه غير قدر آخر نمضي إليه بإذعان.
3-
تسقط الريح بعض الأفراح الصغيرة، فيأتي وجهك غيمة عاشقة، تلوحين بالمطر في وجهي:
ـ شرع نوافذ الذاكرة لطفلة كبرت في غفلة من الزمن.
4-
وأراك..
أراك..عينان تطبقان على ألم جبلي، الجبل عال، عال جدا، ما خلفه ليس ممكنا أن ترينه ذلك ما يؤلم حقا، لوددت أن لو كان الجبل شفافا كي يمتد البصر مسافة أخرى فتشتعل حقول العمق القاحلة بالربيع.
5-
هو هناك..
هناك والأربعون تهتك أسرار عقله، فتولد من زحمة عفن المدائن الجديدة رؤى تقطر بفظاظة اللحظة وعقم الأمكنة..مدائن الوسخ الشفهي والمكتوب والمرئي والمسموع والمتخيل..
أليست الأربعون في النهاية سن استواء العقل والنبوة، أليس من حقه الآن أن يمسك نجمة ويصرخ:
- يوريكا..لا شيء تغير،لازلتم برابرة العصر الحديث.
6-
ما سقط في وحل الكذب ليس هو العمر فقط، بل وهم الذاكرة، أبدا لم تكن محصنة ضد فيروس الريح والجبل، كانت هشة هشاشة الفكر المنصوب في أوله وعلى آخره بأعضاء الجنس الظاهرة والمخفية في أوطاننا العربية.
7-
حقل الكذب يمتد فسيحا في كل الجهات ،يعلن كفره في سطوع الشمس بالإنسان.
ماذا تبقى من الإنسان غير الآلة والنسيان..
وما من مطر يأتي يقتص من الحقل ليعري هذا الإنسان.
8-
خلف التلة..خلف الريح..خلف الحقل..تمترست مدينتي تنسخ نفسها كل يوم، وأنا أفتح ليلي لليل قادم، وأجثو على ركبتي في مرسمي الفارغ لأرسم وجهك المنفي في إشارات النفي، وأستبقي حنيني إليك كي أمضي يوما صوب القبر من غير حنين.
لا شيء أرسم على اللوح غير زبد الرسم، ويظل الوجه الذي أنوي رسمه عالقا بين الشوق والشهقة، فأعود في اليوم الثاني والثالث والعاشر وفي العمر الباقي، فلا أرسم غير زبد الوجه وتظل الشهقة هي الشهقة.
9-
في العشرين كنا نروح حلما ونغدو حلما، كان العالم أنقى أو كنا أنقى، ما من شيء أجمل من حلم غض ينمو بعيدا عن رحم طقس المنكر، شفافا كالموت حين تهب سكينتها لروح نبي أعياه كفر القرية.
كنا نمسك موجات البرق بين أصابعنا، ونلون بها الحلم فتسطع من داخلنا شمس تمتص كل طاقات الحقد فينا ،فتبدو لنا الحياة بلا مطبات، مجرد قصيدة طويلة وكفى .
هل كنا مخدوعين، أم أن ذلك كان أفضل ما حدث لنا في الحياة؟.
10-
حين هبت ريح في ثقب القلب قلنا:
- يبدو أن الحياة ليست كما تصورنا.
ثم أضفنا بشيء من التردد:
- معليهش، يمكن لنا أن نرتكب بعض الحماقات دون أن نفقد إحساسنا بإنسانيتنا.
11-
ومضينا وسط القطيع في عراء التفاصيل اليومية المقيتة..كيف الحال..واش عندك..منين جيت..وين تروح..شحال الزيت..شحال السكر..
توقف القلب عن الهلع والفرح..
وانتكسنا، لأن الوجع أكبر من أن نحتمله.
12-
في غربة الجبل بعثرنا الجرح ،واستنبتنا من صلب النكسة أعشاب الفرح المتأخر المتآمر على فظاظة الريح والحقل والجبل..
13-
أرض للصلاة وما سواها أطباق لا تغري اللسان.
14-
أيتها الريح الحمقى..
يا حقل الكذب الفسيح..
ويا سفر الجبل في خاصرتي..
ستظل الحياة رحلة انتصار المعنى.
نشر في الموقع بتاريخ : 2010-07-29
التعليقات
جميلة طلباوي
اقتباس
**
ستظل الحياة رحلة انتصار المعنى.
**
أخي كمال بركاني شكرا على كلماتك التي تصنع الدهشة و ترسم وجه الألم جميلا بين السطور يفتح الشهية للقراءة .
تقديري الكبير.
عزوز نواصري
ما اروعك.
فتحي منصورية
هاهو الملولي الثائر يعود من جديدإلى إرضه المغتصبة ..أرض الصلاة والحب والرفض المطلق..
أعترف لك أنني اعاني عسرا في تطويق الأشياء كلما أٌقرأ لك..
تحياتي عربون صداقة ومحبة..
فتحي منصورية ..ودم القبيلة الثائر...
كمال بركاني
الفاضلة جميلة:
أيهمانشقى به أكثر..ذاكرة تسع كل الوجع..أو..وجع يلتهم كل الذاكرة..أنا لا أدري حقيقة..كل ما أدريه ، هو أنك تستحقين كل الود..شكرا..دامت ذاكرتنا..
كمال بركاني
العزيز عزوز نواصري:
شكرا دوما على وقفاتك معي..أنت أستاذنا على الدوام..
كمال بركاني
يا فتحي العزيز..ورب الثورة لقد دهستنا الثورة..قبل يومين أو عامين عبرت مساحة أوراس حبوا فبكيت حرقة اللسان المشلول..بكيت ( أجدادت) و( إيرقاغين)..و..وحين التقيت سرا أو جهرا: فتحي منصورية..عاشور..طارق..عزوز..جليد..لامية..برقادي..فاطمة..فضيلة..يوسف..علاء..نمت بخشوع..شكرا..دمتم.
داود نصر - خنشلة -
يبدو أن الحياة ليست كما تصورنا..
و أنت يا أستاذنا لست كما تصورناك بل أنت أعظم من كل ما تصورنا
دمت لنا...
عاشور منصورية
مرعب أنت ومليئ بالحزن وجدانك.....هل ثصبر كما صبر أولو العزم قبلك
أجزم أنك تملك عقاقير السحر نقرأ لك قنتموج...تدعونا لنكفر بما وجدنا عليه أباءنا من صمت القبور فننبش ذاكوة طتاها النسيان إن نمت أنت كانت القيامة....أجدك في النص المنشور في أصوات الشمال ....تراب الليل ..... المحب عاشور
أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
اتصل بالكاتب