الأمّة القويّة، هي تلك التي تملك دولة تعرف كيف تخرج من الشدائد والمحن، التي دخلتها مرغمة أو بسوء تقدير، والأمة الأقوى، هي من تكون بنت دولة تتنبأ بالأزمات والفتن، فتقضي عليها قبل أن تقع ؟
صديقي إعلامي عامل منذ أكثر من ثلاثين سنة، وظّف جميع الفنون الصحافية- بما يعتقد أنها احترافية- في صالح المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن أجل القيّم النبيلة التي تحملها هذه المهنة، قال لي والألم يعصره : أنت تشهد على أنني لم أخن مهنتي أو وطني الذي يعتبر حبه من الإيمان، فخلال كل تجربتي المتواضعة، حافظت على نقاوة القناة وصدقها في نقل الأحداث كما يحبكها الآخرون، فأنا لا أصنعها، إنما أنشرها على الناس، لأني أعتبر ذلك واجبا عليّ، من أجل إعطاء المواطن حقه في الإعلام، وعندما ضرب الزلزال السياسي ساحتنا، توبعت- خلال عشرية الدماء- بتهمة لا أعرفها، وُشرِّدت من أجل ذلك مع آلاف المشردين، ولما استقر الوضع، وجدت نفسي- وأنا الذي لم تكن له شجاعة ترْك الوطن يحترق وحده- أقرب إلى حارة المساكين، الذين لم يعودوا يملكون قوت يومهم وقد دخلوا معاقل الفقر، وازددت انحدارا في أسفل منحدرات المسبغة، مع كل الهزات السياسية الارتدادية الكثيرة، بينما الذي كان يطاردني، ُكتِب على واجهة محلٍّ وجده في انتظاره بعد انتهاء المطاردة:"هذا من فضل ربي"! حيث جلس أمامه يحدّق في المارة كمن يبحث أو يتحرّش بأحد، قل لي وربّك يا أخي، هل أنا مِمَّن غضب الله عليهم ؟ سبحانه عمّا يصفون ؟
كانت الأمة على أبواب صحوة إسلامية حداثية، تحمي الانتصار الوطني الذي حققته حروبها التحريرية الكبرى، غير أن عملية اختطاف لتك الحالة الصحيّة تكون قد حدثت، سواء بتخطيط وإيعاز من الغرب المتربِّص دائما، أو بسذاجة المنكفئين على فكرهم الضيِّق من ذوي العاهات الإسلامية والوطنية على حد سواء، أو بهما معا، فراحت هذه الأمة تواجه نفسها، في حرب انتحارية مفتوحة غير معلومة النهاية، وتحوَّلت مشاكلها السياسية، إلى أزمة دينية، سرعان ما أصبحت مأساة وطنية، خسر فيها الجزائريون- وحدهم-الكثير من أرواحهم وممتلكاتهم وحتى دينهم، وتزحزحت مكانتهم إلى الوراء بين الدول والأمم، لقد "تطوّرت" معضلتهم إلى فتنة كبرى، تجلب لها الأنصار من محبي المغامرة والتهوّر، وتربطهم بفكر ديني عالمي، ما زال يظن أن محاربة الكفر والظلم، تبدأ بقتل المسلمين وتدمير بلدانهم وتثبيتهم في التخلف، وصاحب هذا التطرّف، تطرّفٌ مضاد من بعض الحكام العرب"المسلمين"، الذين عملوا على إشاعة كل ما يمس بالإسلام، وضيّقوا على مواطنيهم ممارساتهم الدينية، أكثر مما تفعله أكثر الدول الغربية عنصرية، وانحاز كلٌّ إلى تطرّفه، إلى حد أن أحدهم، أخفى المرأة كليّة كإنسان واعتبرها كلَّها عورة، وردّ عليه الآخر، بتعريّتها وجعل جسمها تضاريس مفتوحة، على كل الآثام والأمراض، والخاسر في حرب الأخويْن المتطرّفيْن هو الإسلام، وما ينتظره من نهضة لصالح البشرية المتعوسة !
ُطحِن الجزائريون في الحرب التي دارت رحاها عليهم، وُأنهِكوا فيها إلى حد أنهم ظلوا- وقد تخلى عنهم الشقيق والصديق- يرفعون أكفهم بالدعاء إلى الله، أن يرفع غضبه عنهم فقط، وليعيشوا كيفما كانوا، ربما لأنهم كانوا يعتقدون أن الكل مصاب بالبلاء، ولن يخرج من بينهم، مَن سيكون أكثر ثراء من بعض العائلات الرأسمالية الغربية العريقة، إلا أنهم فوجئوا بمن كانوا يخافون عليه مرة، ويخشونه مرات، وقد تأبّط "غنائم" حرب قذرة، زادت في تفتيت الشرائح التي لم تستطع محن السياسة تفتيتها، بتفريغ مخزون القيّم الاجتماعية والأخلاقية التي ظلت إسمنت الوحدة الوطنية والقومية على مر الزمن، مما يجعلهم يتخوّفون أكثر من الآتي .
منذ القدم، والدِّين ُتنتَهك أحكامه وتؤوَّل طبقا لحكم الأقوى، لدى جميع الشرائع والأمم والنحل، استعمله السياسيون والمستبدّون، ووظّفه الساعون إلى السلطة، والسلفية الجهادية المسلحة المقاتلة هي واحدة من أولئك، ففي العشرية الأخيرة من القرن الماضي، حاولت احتكار الدِّين وتوظيفه فيما يعزز فكرها الوافد، بل سعت إلى إجبار الناس- بالترغيب والترهيب- على إتباع ما تراه صائبا، وتكفير مَن يقول بغير ما ترى، وسعت في الأرض كأنها مرسَلة لتوِّها من السماء، مما جعلها تصطدم بالمجتمع بعد تصادمها بالسلطة، فاتّخذت من الجبال حصونا تؤويها، ومنها تنطلق"لغزو"الأهل والجيران والأصدقاء، وتعود إليها كلما اشتد عليها الخناق، حتى أنشأت ما يسمى بمجتمع الجبل، الذي ليس له رابطة بالمجتمع القائم خارج الجبل غير رابطة الكراهية، وأصمت آذانها عن سماع الحق الذي صدع به كبراء الدعاة، وأغمضت أبصارها وأغلقت بصيرتها عن الحقيقة التي بحت أصوات كبار الوطنيين بالمناداة بها، وبعد أن طال بها الأمد، أحسّ الكثير من تلك الفئة بالخطإ الجسيم، الذي ارتكبه في حق نفسه وأهله وبلاده ، وعبّر عدد من"حراڤتها"إلى الأمة، عن رجوعهم من الضلالة التي ُأدخِلوا فيها طوعا أوكرها، وأقامت الدولة بين هذه الفئة الضالة وبين أمّتها، جسورا تؤمِّن لأفرادها العودة وإعادة التأهيل، في العيش ضمن المجتمع الذي غدا غريبا على هؤلاء ، حملت تسميات عديدة، كانت آخرها وأهمَّها المصالحة الوطنية، التي لم تناهضها إلا أقلية قليلة مفجوعة، لم تستطع تجاوز حالة الحزن، التي أشاعتها فيهم عشريّةٌ ويزيد من الزمن .
نزل الذين أقاموا في الجبال خارج التجمّعات المدنية إلى مختلف المدن، يحميهم قانون دولة وتسامح شعب، لكن معظمهم راح يعلن في الناس، أن ما أصبح يملكه إنما هو فضل اختصه به الله من دون خلقه، ولا ُيخفِي هؤلاء العائدون من ضلالة اعترفوا بها على الملأ، ثراءهم الفاحش، حتى أن معظم البازارات ومتاجر الجملة وأسواق التجزئة، يكاد ينفرد بها أصحاب اللحى الطويلة والقمصان الخليجية، من"طراز"نصف ساق، بتحالف- من جهة- مع بعض َمنْ مرُّوا على مراكز السلطة ممن ركبوا موجة الأزمة واستفادوا منها ، سواء كانوا منتخبين أو معيّنين، فليس هناك- في حد علمي- وزير خرج من رحلة الاستوزار كما دخلها أول مرة، أو"مير"ترك رئاسة البلدية كما وصلها" داكًا"- وهو الاسم الذي ُأطلِق على الشخص الذي عيّنته السلطة عقب إلغاء المسار الانتخابي- أو معيّنا بالانتخاب، وتحالف من جهة أخرى مع مجموعات "البڤاّرة" الذين ولجوا عالم المال من أبوابه القذرة، ومنه اقتحموا عوالم الإعلام والسياسة، وهو ما يحمل نذر شؤم قادمة على رشادة سياسة الحكم، ولا يكاد يزاحم الذين تخلوْا عن" الڤندورة" الجزائرية الأصيلة الجميلة، وأشاحوا بوجوههم عن الإسلام الجزائري المالكي الوسطي، إلا من كان خارج الرَّحى التي طحنت الجزائريين وما زالت آثارها عليهم إلى حد اليوم، مما أوجد فجوة ما فتئت تتسع على هؤلاء الأغنياء الجدد، الذين بقدر ما أضرموا النار في جيوب الأغلبية الغالبة، بقدر ما أسّسوا لسلوك اكتساب الثروة بأي شكل كان، وهو ما أدي ويؤدي إلى نشر ثقافة الفساد، الذي كان- من قبل- لا ُيعرَف إلا في بعض الدوائر الضيّقة لمراكز السلطة التنفيذية، وبعد مرور ردح من الزمن، بينما أصبح اليوم دليلا على شطارة الفرد وذكائه، وقد يضيفه في بيان سيرته لاحقا، كخبرة يمكن أن تأخذ بها الجهة التي تبحث عن نماذج من هؤلاء، مما أوجد بيئة هشّة رخوة يمكن أن ُتغرِق الجميع في طمْيها، وعليه لا بد من ثورة مدنية تهز أركان الإثراء المفاجئ الطارئ، والاغتناء بغير سبب شرعي، بتفعيل قانون من أين لك هذا؟ والأخطر أن هؤلاء الذين لا ُيخفِي بعضهم القول، إنهم في مرحلةِ ما يسمى باستراحة المحارب، أصبحوا قلة فاعلة، تتحكّم في أحلام الأغلبية، التي تحوّلت إلى قلّة كبرى مفعول بها، وإن لم تتم دراسة هذه الظاهرة دراسة علمية وسياسية جادة، وتوضَع لها آليات مراقبتها الصارمة وكبحها عند اللزوم، ستتحكّم تلك الأقلية في مصير الأمة كلها، عندما يستوي الأمر لأصحاب الفكر المتطرّف، باحتكار معظم الثروة التي يعتقد الجميع أنها مرّت على المسالك العفنة، ولن يجدوا بدا- في استثمارها لتحقيق المبادئ "الخاطئة"- من إقامة علاقة غيْر شرعية بينهم، وبين السلطة التي ستكبّلها تلك الثروة، وهو شرٌّ لو تعلمون عظيم؟!؟
khalifalarabi@gmail.COMنشر في الموقع بتاريخ : 2010-07-29