بقلم : عبد الحفيظ بن جلولي
[ شوهد : 312 مرة ]
عند عتبات الرّومانسية في "la promenade de l’étang"، يعبر شوارع الباهية قادما من حلم بوسمغوني، تغتسل اشواقه عند المداخل البهية للمشرية، يحتفل كما طفل بأتربة المكان ويروق له أن يقرأ وهران في "اليقين" كما يقرأها في "التناقض".
أحمد ختاوي..
يقين النص.. أركيولوجيا العشق
ارتاد الآن حدائق نصير شمة البابلية، لزاوج بين المقام العراقي وبين تراجيع البوح في اعترافات احمد ختاوي، ولعل المزاوجة لم تكن صدفة إذ لم أتمكن من متابعة انغامه الروحية الدفينة صامتا، ربّما لأنّي تعلقت كثيرا بورشته التي يتشبث بها تواضعا.
ها هو بين الأشياء يحمل رقة الحراك، ومذاق المدن في حلق الهجرة البديعة، وهران.. تلك القابعة بين أسدي "بلاس دارم" وبين "جبهة البحر" وأيضا بين عيني احمد ختاوي، حيث يجلس جلسته المترعة بمحبة المكان و"سيدي الهواري" البهيج في سطوة السلوك وأولياء الله الصالحين.
يتمدّد حين تقوم الإحاطات بالكشف عما تسوّره، يعانق الأشياء في غورها الجوهري، يتحدّث عن القبّعة وعن عبد الحميد شكيل، ذاك الضائع في أغاني النثيرة والقصائد المهجّرة من "بونة".. أحمد.. قد يرتدي قبعة، وقد تمتد يده الى شعره الرمادي كي يمسد عليه، وقد يجس حركة الرأس دون قبعة، ثم يمسك القلم فيكتشف انه مازال قادرا على الكتابة في صمت.
قارئ قادم من دكنة الليل وصمت السالكين درب التأمل، حين يوقظه العشق الى ترتيب موعد مع فاتنة الظلال سيدة المبتدأ، جلالتها القراءة، حينها يسيح في اكوان الفردوس اللفظي، وفي "الكلمات والأشياء"، لا ينام حتى يؤدّي طقسه الصوفي، يرمي بورده الليلي في ظلام الفضاء مقتنصا نور المعنى وضياء "حرائق البحر".
في أنفاسه حلم المدى وفتنة التواصل، يعشق "لوركا" حين قتلته "غرناطة"، هل غرناطة حبيبته؟ فتنة الكلام، فتنة العشق حين يسيل الحبر دما وتمتح الكلمات من جرح السؤال الأبدي للكينونة، أين ينتهي الجسد وأين تبدأ الروح؟
لاشك أنها تبدأ عند شرفات النص والأصدقاء الطيبين الذي لاكت انفاسهم عطر المعنى وسلاسة المسار على درب الحياة.
ابن زيدون صافح لوركا ومضيا حيث ينحرق فرنكو، حيث لا نص ولا شعر تضاء به الروح، عانقا الحلم الأندلسي وبعثا بلون لعيون عربية قديمة تحرس خيمة الشعر وتنادي على الماكث حدو "سانتا كروز"، يرقب حركة السّفن صوب الأفق وصوب القلب وصوب أشرعة النص حين يرقد جنب القطّة "بام بام" ودوريس لسينغ تجرّب آخر سطور الحكاية.
يبتهل ختاوي شوق البدايات، يمر عبر "غوركي" و"دستووفسكي" والحالمين عند عتبات الرّومانسية في "la promenade de l’étang"، يعبر شوارع الباهية قادما من حلم بوسمغوني، تغتسل اشواقه عند المداخل البهية للمشرية، يحتفل كما طفل بأتربة المكان ويروق له أن يقرأ وهران في "اليقين" كما يقرأها في "التناقض".
عند التيه وعند العتبات الندية بالمرح وصعلكات الجنون الليلي قرب الهمسات الخفيفة للبحر، شعرتني أقف بجانبه بمحاداة المكتبة المناضلة "بن عبد الله" حيث يجري "بن مهيدي" جريه الوطني خلف آخر محتل، أهمس في سمعه وتر الحنين الى "وهبي" حيث يبرق مشعا من خفوت موزع صوتي برفق على جنبات المكتبة الرفيقة والكتب التي تحكي حلم الثمانينيات.
أجتازك اذ أجتازني اذ أعبر الى مطارح السمّاكات عند الحواف البحرية الممتدة في حلم البحارة الأُول، والقراصنة العاشقين لفتنة الماء المجدول بضفائر عرائس البحر وجنياته، كم يسعدني الحلم لما استفيق على جنون النص يغرق في متاهات القبض، كفرعوني قديم يشهد غبار الإحتفال ببهاء المتاهات في اغوار الأهرام.
"اللغة كائن جنيني يتحرك فينا"، هكذا تكلم ختاوي، يتمتع بركل الجنين ويتوسّم في الأفق شكل الوليد اللغة، يتقن اركيولوجيا الكلمة، يحفر عن الدّفائن النّفيسة في عمق سراديب اللفظ والفضاءات المفتوحة على المعنى، يستبيح خلوة النص ليفتش عن سر الإبتهال في التراكيب الممنوعة من العقل، يتدبر جنون الكتابة كي يمرق من عبء الأناقة المفضوحة عند سواقي النص، يخذل القبعات كي لا يعتمر سوى سلطة النص.
عند العشق الأخير للكلمات، كان عطر القلب عطر المعنى يغرّد في جوقة الطيور المهاجرة الى اوطان الكلام المُحَلى بالمحبة والرّنين الدلالي للكتابة الدفينة، كان يُلوّح بيده ذاهبا صوب الضفاف التي تراهن فقط على اللغة والإنسان: "الذين يكتبون ويبدعون، وقد أبدعوا على صعيد الجرح والمواجع"، كانت هذه طلته حيث يمكث عبد القادر رابحي وحيدا يستمع الى نشيج الروح ويعلن: "روعة الكلمات التي يقولها الأديب احمد ختاوي و صدقها تترك متعة في القلب و تضمخه بما للذاكرة من تواشيح الجراح النائمة"
نشر في الموقع بتاريخ : 2010-07-26
التعليقات
معروف محمد آل جلول
الناقد المتألق ..عبد الحفيظ بن جلولي..
لعله إبداع ثانٍ راقٍ ينبش ذاكرة النص الثري بدلالاته الموحية ..فيدفعها إلى استنطاق مااختزلته في جوفها..
ولعلها القراءة اليقظة الجادة النشيطة التي سبرت أغوار الباطن النصي ،وأفرزت مكنوناته إلى ظاهر الإدراك..
فرسمت ـ هذه القراءة ـ لوحة فنيةثانية موازيةفي جمالياتها لنص مترع بمعانٍ يستعصي فهمها على المتسلي..
هذه بتلك..
جمالٌ رسَم الجمالَ ..وكأن مقولة أن ارتقاءوتألق القراءات النقدية يبرره ارتفاع النص وسمو غاياته تجسد ههنا حقيقة ماثلة..
قراءة القصة متعة..قراءة قراءتها متعة..
فصار القلمان إمتاع متوافق منسجم..متبادل أدوار الحوار الضمني..
وتبقى جواهر المعاني في ذلك الأصيل المحصّن الذي لاتفتنه أضواء بيئةمبهرجة عن أخرى هادئة ..فلا يتسلل البطل من أرواده وخلفياته الثقافية أينما حلّ وارتحل..
حفظ الجواهر في كنف تغير المظاهر..
كلاكما غيث أينما حلّ نفع..
فلكما كل التقدير الذي تستحقان..
جميلة طلباوي
أخي و أستاذي الفاضل عبد الحفيظ بن جلولي
كان لا بدّ لروح راقية و نبيلة مثل روحك أن تتفاعل مع حديث رجل من طراز الكبار ألا و هو الأستاذ أحمد ختاوي، في هذا الزمن الحديدي الذي قلّما نعثرفيه على أناس يحملون قيم الجمال و النبل، حين نصادف أحدهم في زاويه ما في هذه الحياة تشهق الأفكار فينا
و تصمت الكلمات في الحلق و نتساءل في الأعماق : هل نحن أمام بشر عادي أم أمام نبي أم أمام ملاك؟
لقد انبهرت بتواضع الأستاذ أحمد ختاوي رغم كنوز المعرفة التي يذخرها و رغم مسيرته الزاخرة و مستواه الراقي في الابداع الأدبي.
شكرا لأنّك بهذه الإضافة استبقيت عطرا جميلا في هذا الفضاء
لك كلّ التقدير الذي تستحق.
محمد الصغير داسه
نحن امام نص بمواصفات جديد وتناول متميز..الفاضل الناقد اليقظ عبد الحفيظ بن جلول..اثريت قوامسنا بجميل عباراتك ودفق حروف كلماتك الساحرة..احسن الله اليك ووفقك الى المزيد..دمت ودام تألقك ووفاؤك....م.ص.داسه
خيرة بغاديد
.. وأنتم صافحتم البهاء، عطر الوجه، فانتفض القصيد منكم هامسا:
هنا الجمال، هنا اٌلإستثناء، فانتبهوا.
هو يقين النص، يقين الذات التي تعانق أوجه الصفاء، في لحظة تقول المعنى الكثير.
شكرا، مع تقديري الكبير لكم سيدي الفاضل.
عبد الحفيظ بن جلولي
الاستاذ معروف محمد آل جلول:
تحية تليق.. وبعد،،
شكرا استاذ محمد على هذه الالتفاتة الطيبة الى عمق النص، شكرا على ان تفضلت بإضاءة ما عتم من النص، شكرا لاستاذنا ختاوي على ان منحت كلماته كلماتنا هذا البعد المعرفي..
محبتي وتقديري..
عبد الحفيظ بن جلولي
الاستاذة جميلة طلباوي المحترمة:
تحية تليق وبعد،،
شكرا على عبوركم المثمر، والشكر الكبير على ان استطعت ان تمنحيننا شيئا من كنوز بحر الاستاد احمد ختاوي.
تحياتي وتقديري.
عبد الحفيظ بن جلولي
الاستاذ محمد الصعير داسة المحترم:
تحية تبيق،،
الشكر العميق لاستاذي وسيدي محمد الصعير داسة على ما يبدله من أجل ان تكون اطلالاته العبقة بنور المحبة على نصوصنا التي تكدح من اجل ان تجد لها نفسا وسط الانفاس العابرة للذات والعالم..
محبتي وتقديري.
عبد الحفيظ بن جلولي
الاستاذة بغاديد خيرة المحترمة:
تحية تليق وبعد،،
لا نملك امام الابداع الجميل الا ان نسجل حضورنا الذي نطمح ان يكون معبرا، لان الروح الانسانية شواقة لكل ما هو جمال ، ولا أجد اجمل من النص كي اهديه "الروح الذكية" كما يسميها استاذنا مجذوب العيد.
تحياتي واحترامي..
عبد القادر رابحي
أخي الكريم عبد الحفيظ
تحية و سلام
دعني هنا أحييك بكل صدق و بكل محبة عمّا يجيش في خاطر كلماتك المتدفقة من محبة للحرف الماكش في ثنايا الهامش كما تمكث التواريخ المتراكمة على قلب أحمدختاوي..
دعني أقول لك إنك تعزف على الوتر الحساس كما تقول العبارة المستهلة..وتوقظ الجمامات الروابض في أعشاش الحرف الذي تتخفى وراءه الإنسان في كل صدقهوتواضعه وانماحئه..
شكرا لك وهنيئا لأحمد بفيوضات شهر شعبان المبارك..
تحياتي..
عبد الحفيظ بن جلولي
أخي العزيز عبد القادر رابحي :
تحية تليق،،
الله الله.. صرت لا استغني على اطلالاتك وثلة من الاعزاء الذي آواهم القلب والمحبة الساكنة فيض المقل..
شكرا على الكلمات الطيبات..
هنيئا لنا جميعا هذه الوجوه التي لا تروم الا الحرف.
مباركة فيوضات شهر شعبان.
محبتي وتقديري..
أحمد ختاوي
الاستاذ الناقد عبد الحفيظ بن جلولي المحترم .
في البداية ، أقدم اعتذاري عن هذا التأخر في الرد ، مبعث ذلك تواجدي في مكان بعيد عن النت ، في عطلةعائلية بالجنوب الجزائري ، انقطع التيار الكهربائي على البلدة مدة يومين لتجديد الخط الرئيسي ..حاولت منذ يومين الظفر بمكان أرد منه ، ، سأرد باقتضاب ريثما يتسير أمر التواصل من مكان أخر ..
الاستاذ الناقد الفاضل / عبد الحفيظ بن جلولي ..
يقينك وغورك في اريكيلجيتك وتضاريسك الدلالية منحني قوة الغوص إلى حفريات الكلمة ، بفضل عونك ، كثير علي أستاذ ، كل تقديري وامتناني وعرفاني وموفور شكري ..كما أسدي موفور الشكر والامتنان لكل الاستاذة الذين تداولوا على قراء نصلك العيق ، العميق ،، واستسمحك والاستاذة عن هذا الاقتضاب لاسباب تقنية بحثة .
أخوك / أحمد ختاوي
عبد الحفيظ بن جلولي
الاستاذ أحمد ختاوي المحترم:
تحية طيبة بعد،،
أستاذي.. أولا نحن اللذين نطلب الإعتذار منكم ولستم انتم سيدي..
كم أتمنى ان أكون ضمن هؤلاء الذين يشتغلون في صمت ويتواضعون بشدة مستحيلة..
أستاذي انتم اهل لكل شيء جميل، لأن الجمال ينبع من بين رؤاكم ومن عمق كتاباتكم العبقة بالمكان والذات والتاريخ المرير لاكتشاف الأشياء.
ارجو صادقا ان ينصفكم العالم..
محبتي وتقديري..
مجذوب العيد
عبد الحفيظ أيها الجميل ..
سبحان الله ..
عملت جهدي في النشر لهذا العبقري أحمد لأني أدركت أنه يحمل جديدا على الأقل في القطر الجزائري من ناحية الشكل ومن ناحية التناول الذي يرتكز على الحذف والقفز وترك القارىء يسبح في النّص كما ينبغي ..
. وأراك لاحظت هذا ... ألم أقل لك .. لم آكل يوما لحم الغزال ؟
.. يمكن أن تدفع نحو الإيجابي من النقد لسعة نظرتك ووعيك الكبير بالمرحلة .
أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
اتصل بالكاتب