بقلم : فاديا عيسى قراجه
[ شوهد : 520 مرة ]
إلى أوسو سليل الضواري... إلى سونيل سليلتي
أتكرر مثل فصول مملة لا تستبدل أماكنها .. أنغرز في قيء المدى كوتدٍ صدئ..
مفازات صفراء تحيط بي مثل سموم تنخر بطن المكان .. وتساحق سلحفاة الزمان
كم مضى عليّ هنا .. أتقاسم زادي مع الوحدة والخوف و ذئاب الليل , ووجوه النهار الكابية ..
تكلس حلقي, وعششت فيه ذراتُ السراب التي تستنبت الشوك الصبَّار ..
منذ قرون وأنا أسامر أخيلة تزورني عند اكتمال القمر , تضاجعني , وتستولد مني شياطين تدق على صنوج الوحدة ..
أكتب لإمرأة مفترضة ... أبحث عن عبارات تسكت صراخ هذا المجنون ...
أطوي رسالتي المكتوبة برصاص الوقت ,أحشوها بزجاجة معطوبة الفم ,ثم أدحرجها في أحشاء الرمال الحارقة , لعل أنثى ما تجدها , وتثور فراديسها من وقع كلماتي ..فتبحث عني وقد زودتها بخرائط وحدتي ...
لو حصل ذلك ستسكن روحي في عليائها , وأربط أسرَّة عشيقاتي بين نخلتين تنغرسان في لجة كاوية .... أتزود من كل واحدة بما يكفي شهوتي لثلاثة قرون
في كل ليلة أبحث عن آثار آخر امرأة عبرتُها , أحك جلدي بأظافر سوداء , ينز الصديد , تنزلق رائحة تشبه رائحة الجثث المتعفنة , أزمها بيديّ, وأجمعها , خشية أن يتشربها الرمل ويحبل بلا دنس ..
الليل يسحب شاله المثقوب , ويرمي مزقه في وجهي الذي ضاعت ملامحه..
تيه على تيه ... وحدة صحراوية ... لقد صادقتني العقارب , وقاسمتني وحدتها بعد أن خابت إبرها من اختراق جلدي السميك ..
قبل قدومي إلى هنا وفي زمن لا يمت لهذه الأزمنة الرملية , كنت أتجول بين أزقة مدينتي النائية , أبحث كغيري من الرجال والنساء عن القات السفلي الذي يخدرنا, فنتكاثر كخفافيش تلعق دماء الأمل ...
اتخذت زاوية تتبعثر فيها المخلفات البشرية , وتتصارع حولها القطط ..
لم تسكت جوعي أية حاوية ..
كنت أبحث عن حاوية أرمي فيها وجعي الجائع أبداً ..
مر شبحٌ ضئيل .. أي آلهة أرسلته ؟؟ قمت كجبان يتمرغ في ساحة الشجعان .. لحقت بالشبح ..أيقظ صوتُ خواري, القبور ..
توقف الشبحُ ... توقفتُ ...التصقتْ بروحي رائحةٌ كثيفة ..التفت الشبح , أمسك بيدي وقادني في عتمة هذا الليل البهيم الذي يخنق الصرخات , ويحز الأعناق التي تُقدَّم على مذابح نفاياته ..
الشبح يشد يدي , ويُسرّعُ خطوي ..
كان الشبح لامرأة في منتصف قهرها .. أدخلتني متاهتها الحجرية .. جلستْ مثل الأمهات .. وضعت ما تبقى من زاد اختلطت عناصره مثل هذا الليل .. أطعمتني بيدها التي شققتها الوحدة ..
توارت في متاهة أخرى ... ثم اصطحبتني إلى داخلها .. نزعت عني ثيابي
بصمتٍ صارم .. أجلستني على حجر بازلتي بارد صعد كالمطر إلى عظامي .. وبدأت تسكب الماء على جسدي المنتفض ..
فركتْ فروة رأسي المزدحمة بالندوب .. فركت أضلعي البارزة ..نزلت إلى باقي تفاصيلي ...
بعد ذلك جففتني بثوب قديم تفوح منه روائح الإنتظار , والأطعمة التي لم تُطبخ بعد
كنت كل يوم أنتظرها في تلك الزاوية التي أتقاسمها مع قطط لا تشبع ..
كنا ننتظر معاً خطوات الليل الثقيلة , كي أتمدد على قدميها , كي تداعب تقوس شعري , كي نحكي عن كل الذي فاتنا دون أن نحكيه ..
قلت لها.. قالت لي , عن كل ما يحزننا ... نصفي السفلي نسي وظيفته, نسي لهفته للأنثى .. فدفنته وكأنني أدفن صديقاً خائناً ..
نصفها السفلي كان محذوفاً من قوائم الوجود ..كنت أغرق في النوم قربه بعد أن تسرح أصابعها في كبوات قلبي وروحي ..فتموت قربي الشهوات كلها .
أرى في إغفاءتي القصيرة , أصابع يقطر منها العسل , تنوس الدنيا في رأسي ... وأقفز فوق برازخ من نور ونار , وأعبر ساحات الموت والحياة ..
أرى المرأة الشبح , تلعق صقيعي بلسانها , وعيونها , وشفاهها المتشققة ..
تحكي لي حكايات قصيرة,عن أمير حزين , وأميرة بعيدة عنه بُعد النجوم, فأبكي كي تطيل عمر الأبطال , وتقتل الأشرار , وتنتصر لي ولوحدتي ووحدتها ..
تفسر أحلامي كأمٍّ حنون.... تلقمني أصابعها كي يطول عمر الحلم , أعود لعالم لا يمت لخلوتنا بصلة .. تبقى على نوسانها إلى أن ينام الظالم والمظلوم , والقاتل والمقتول , والعاشق والمعشوق ولا يبقى سوانا في متاهة من حجر أسود نستجدي الأحلام كي تزرع هذا العالم الكابي بالألوان ..
وعندما يتمدد الصباح , كنت أستودعها ظلالي , وأرواحي المتمردة, وأمشي بغير ظلال, وبأرواح مروَّضة ...
جوعٌ على جوع ٍ يا أمي ومعشوقتي... محنط ٌيا آلهتي في خلوتي الرملية , أحاول أن أتذكر متى زحفت الرمال إلى متاهتنا ؟ متى ردمت حكايتنا ؟ أحاول أن أجيب على سؤال هو من أصعب الأسئلة : هل ما كان حلماً عقربياً لدغ وحدتي فقتل صحوي, ومنامي , أم حقيقة جرت, وكلانا من لحم ودم عشناها بتفاصيلها ؟
إلى أن يأتيني الجواب سأبقى أستفُّ رمال الوحدة, بانتظار أن ينقرض هذا الزمن الرملي..
نشر في الموقع بتاريخ : 2010-07-26
التعليقات
د. عزاوي الجميلي
الصديقة الرائعة فاديا...
هنيئا لك هذا الابداع سيدتي.. تنتقلين بنا من صورة إلى أخرى كعازف ماهر على اوتار الخيال.. أو كراقص باليه مجيد يقفز في المسرح من زاوية إلى أخرى...
حتى القطط الجائعة كانت لها نصيب في اضفاء الجمال...لا بد ان الجميع مر بصورة واحدة على الأقل من هذا المشهد البانورامي البديع...
تحياتي لك سيدتي
مجذوب العيد
نص يتنامى من داخله ويقول المكبوتات بلغة طافحة ومعان ٍ جد أدبية ..
استمتعت ُ جدا بهذا البهاء اللغوي رغم أن عودي جمد هههههههههه
محمد الصغير داسه
قصة جميلة جدا ومرعبة جدا، ولكنها انسانية جدا..تبحث عن شيئ مفقود في مسرحية الحياة في ليلها البهيم في نهارها الضائع..في اشيائها في شعرها المنفوش....انها رحلة في الخيال....فزعت وانا اقرأ..من هذا الزمن الرملي ولولا رمال الوحدة لزهقت..شكرا..شكرا..وتحية معطرة وسلاما مباركا....م.ص.داسه
فاديا عيسى قراجه
طبيب القلوب المدنفة عزاوي:
شكراً يا صديقي لذائقتك التي التقطت كل هذا الجمال
فاديا عيسى قراجه
أستاذ مجذوب رائع ما قلته , وأحب أن أنوه بروحك المرحة
فاديا عيسى قراجه
أستاذي الكبير محمد داسة:
سعادتنا رملية يا أستاذي تنهار في اللحظة التي نصدق أننا سعداء
قروي مبارك
الاستاذة فاديا عيسى قراجة
كم سعدت بهذه الترنيمة اللغوية بين الواقع احيانا والخيال اخرى
لقد استمتعت بنسيمها الباهت بين ثنايا التيه...
تحياتي الاخوية.... قروي
مها راجح
نص عميق الفلسفة
سعدت باللغة المتماوجة بالخيال
تحية لك استاذة فادية
مودتي
فاديا عيسى قراجه
أستاذ قروي المحترم:
أسعدني مرورك , وعمق تأويلك
شكرا لك
فاديا عيسى قراجه
صديقتي المبدعة مها :
شكراً لتسجيلك هذا المرور ونحن في درب الإبداع سائرون
عيسى حديبي
صديقتي الروحية بامتياز..
فاديا
عاش اليهود في التيه أربعين سنة .. وعشنا نحن في التيه كل النبوات ..
حياتنا بحث عن شيء جميل افتقدناه او نبحث عنه بعيدا عن مياهنا واقاليمنا .. من االحب إلى العمل إلى التيه لأجل التيه وكأنه آخر أمل للبحث يجعلنا نتحمل الحياة ..
وكأنه الحلم وهو الهزيمة ..وكأنه البحر وهو الصحراء القاحلة ..وكأنه عذابنا الذي يرسم كل شيء ..لأن الفرح قد يكون للاجيال اللاحقة..
لغتك أقوى من القوية هذه المرة و غريبة يا فاديا ..اصبحت فعلا تنهلين من واد عبقر .. ها انذا أتهمك كما فعل علماء الروس مع عالم النسبية آنشتاين ..
أحييك وفخور لأنك صديقتي الروحية بامتياز..
عيسى حديبي
محبتي
فاديا عيسى قراجه
صديق الروح عيسى :
ما أجمل إتهامك يا عيسى
لا تتوقف عن إتهامي , فكلما اتهمتني كلما غرقت في التيه
جميلة طلباوي
سيدة القصة القصيرة فاديا
هذه درّة أخرى ترصعين بها تاج إبداعاتك الجميلة.
مزيدا من الألق.
محبّتي.
فاديا عيسى قراجه
قلت لك مرة كم يخيفني هذا اللقب يا جميلة وأخاف أن أخذله أو يخذلني ..
ما أنقى سريرتك يا صديقتي ..
شكرا لك ولكل طاقم أصوات الشمال ..
عاشور منصورية- باتنة
.... متعة أخرى وضياع آخر النص لوحة وجراح ،وفوق هذا إبداع لنهر لا ينضب ، أي نهر خالد هذا الذي يشبع إبداعك؟
صلوات المحبة ..عاشور
ف الزهراء بولعراس
تيه على تيه وحدة صحراوية
جوع على جوغ يا أمي ومغشوقتي
كم هو مخيف هذا التيه وكم هو مؤلم هذا الجوع لكن كم هو ممتع هذا العبور على نصك العميق سيدتي
دمت متألقة فادبا
فاديا عيسى قراجه
أشكرك أستاذ عاشور ..
كلماتك أدخلت السرور إلى قلبي
فاديا عيسى قراجه
صديقتي الرائعة فاطمة ..
تعابيرك لا يلتقطها سوى ذواق , ومبدع .
شكراً لما تغمريني به من حب واهتمام ..
الطيب طهوري
رصاص الوقت..أحشاء الرمال الحارقة..الجثث المتعفنة..كلها وغيرها تشكل لغة تقول التيه بامتياز لا حد له..
الشبح الذي يبدو من حين إلى آخر يقول التيه أيضا بطريقته الخاصة..
قصتك فاديا تغوص بنا في البحث عن أنسنا في تيه الوقت الذي نعيش..تقول لنا إنكم أشباح في هذا الزمن الرملي..
تحياتي القلبية العميقة فاديا..
فاديا عيسى قراجه
تسرني أخبارك يا سيدي ...
ويسرني عبور طيبك على نصوصي ..
لك من قلبي كل المحبة الخالصة , وأنا أنتظر على أحر من الجمر استكمال العلاج والخروج من هذا النفق المقيت ..
عبّاس
عشت التّيه و التشرّد بين أزّقة المدينة و رمل الصحراء... رحلت صوب السّراب ثمّ وجدتني على حجر بازلتي يخدّرني القات.
مارست الضّياع في طقوس تماهت فيها الأمكنة والأزمنة... ومازلت أستف الرّمل مع الرّاوي.
هذه صفحة أخرى من دفتر إبداعك و حبّة أخرى تستدرجني للإدمان...
شكرا فاديا على القصّة القات و على باقة الياسمين.
عبّاس
فاديا عيسى قراجه
أستاذ عباس يفاجئني تواجدك وتوقيعك البهي الذي يزيدني قناعة على أن القراء موجودين رغم تبجحنا بعدم ذلك
لولا القات النفسي الذي نحقنه لآلامنا كنا سنموت تحت رمال الوجع
فالتيه هو ما نحن فيه من ضياع
لك من سوريا ومن حمص أجمل التحيات
أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
اتصل بالكاتب