أصوات الشمال
الثلاثاء 12 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ : أبحث عن
جديد المجلة  * البحر في الادب الفرنسي   * حب يشبه الصحراء   * في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.. على علماء المشرق أن يتعلموا من المغرب   * ملتقى حضور النص الشعري في المنظومة التربوية ( بيت الشعر الجزائري فرع ورقلة )   * الْمَخَاضُ (1)   * جمعية شعبة سيدي عيسى في زيارة سياحية للعاصمة   * الدكتور مصطفى كيحل وقضايا الفلسفة في مجتمعنا   * صاحب يا وليد الحاج قادة القفي مولاي عمار بن الحاج بكار في ذمة الله بمتليلي الشعانبة ولاية غرداية   * غياب   *  حصيلة لسجال جميل.   * يارمزمجد للسلام محمـــــد    * الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات    * فقط أروها بالحب   * اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه    * كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة   * أحفاد عقبة بن نافع الفهري   * رؤيا..   * الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !   * لو أسعفتني مراسيل الليل   * اللّي ما يقدر على الحمار    أرسل مشاركتك
المخرج الجزائري محمد شويخ والتزاوج بين الرمز و الواقع و التاريخ
بقلم : بغداد أحمد بلية
إطلع على مواضيعي الأخرى
[ شوهد : 4385 مرة ]
بغداد أحمد بلية

لم تنل السينما الجزائرية حظها من التحليل و الدراسة ، مع أنها تشكل مادة هامة في التاريخ الثقافي للجزائر الحديثة ، بل إن السينما واكبت أحداث الثورة التحريرية و برهنت أن الصورة وسيلة فعالة و مؤثرة في الفعل السياسي و العسكري .

و أخذ السينمائيون الجزائريون مع فترة الاستقلال يطورون مهاراتهم الفنية ميدانيا ، فلم تكن المدارس المتخصصة موجودة إطلاقا ، و مع ذلك بدأت السينما تؤتي ثمارها ميدانيا ، فقد عرفت مرحلة الستينات العشرات من الأفلام الجادة ، و برزت وجوه فنية واعدة سواء في الإخراج أو التمثيل أو الجانب التقني ، و كان ذالك إيذانا بوجود سينما تشق طريقها نحو إثبات الذات ، ووسيلة لخدمة الثقافة و الفكر في المجتمع الجديد .

و إذا استثنينا أفلام مهمة مثل "تحيا يا ديدو " لمحمد زينات ،و " عمر قتلاتو " لمرزاق علواش ، فإننا نعثر على العديد من الأفلام الجزائرية التي تناولت الجانب الاجتماعي بالتحليل و التشريح في مرحلة السبعينات من القرن الماضي ، فالأفلام الاجتماعية تظهر ميول المخرجين إلى الواقع مقابل التاريخ الذي سيطر على السينما الجزائرية طوال فترة ما بعد الاستقلال ، ولهذا سنعتبر الأفلام الاجتماعية ذات توجه واقعي آليا ،و هذه النظرة هي السائدة عند العديد من النقاد العرب من بينهم عدنان مدانات .
ّ" وفيما يخص محور التعبير عن قضايا الإنسان العربي المعاصر وهمومه الاجتماعية و السياسية فإن المطلب الأساسي كان التوجه نحو الواقعية السينمائية على تعدد مذاهبها بما يتيح للسينما أن تعكس على نحو سليم قضايا الإنسان و الواقع العربي المعاصر " .
وتقابلنا الكثيرمن الأفلام ذات التوجه الاجتماعي والواقعي مثل " الغولة " لمصطفى كاتب 1972 و مع ذلك يمكن تحديد فيلم " الفحام " لمحمد بو عماري 1973 كبداية حقيقية لتوجه السينمائيين إلى المواضيع الاجتماعية ، فقد كان الفحام إطلالة على الواقع الريفي ، في ظل نظام سياسي جديد يعطي أهمية كبيرة لثورة الأرض و عالم الفلاحين ، و توالت بعد ذلك الأفلام ذات التوجه الاجتماعي
و منها " ريح الجنوب " لمحمد سليم رياض 1975 و " الشبكة " لغوثي بن ددوش 1976 و " حواجز" لأحمد لعلام 1977 و " زيتونة بولهيلات " لمحمد نذير عزيزي 1977 و " ليلى و الأخريات " لسيد علي مازيف 1977 و " المفيد " لعمار العسكري 1978 و " الخطوة الأولى " لمحمد بوعماري 1978 و" أبناء الريح " لإبراهيم تساكي 1980 و" سقف وعائلة " لرابح لعراجي 1982 و " زواج موسى " لمفتي الطيب 1982 وكذلك الأفلام الكوميدية مثل " حسن تاكسي " لمحمد سليم رياض 1982 أو"الطاكسي المخفي "لبن عمربختي 1989 أو " إمرأتان " لعمار تريبش 1991 .
و من بين المخرجين الجزائريين المجددين في مجال المواضيع ذات الصلة الوثيقة بالتوجه الواقعي ، يستوقفنا محمد شويخ بأفلامه الجريئة و مواقفه الصارمة وآرائه الشجاعة .
يمثل المخرج والممثل و كاتب السيناريو محمد شويخ نموذجا للمخرجين المتأثرين بالتوجه الواقعي في السينما الجزائرية ،غير أن المراحل السياسية التي عرفتها الجزائر في الثمانينات ، و انحسار الواقعية الاشتراكية كانت سببا مباشرا في التيه الذي عاشه الفنانون في فترة التحولات السياسية العالمية .
بعد مسار مسرحي متميز كانت بدايته 1962 مع مسرح القراقوز تحت إشراف المخرج والكاتب الدرامي ولد عبد الرحمان كاكي ، يقوم محمد شويخ بتمثيل العديد من الشخصيات في مسرحيات 132 سنة ، والقراب و الصالحين ،ثم يتوجه شويخ إلى العاصمة ليشارك في المسرح الوطني مع مصطفى كاتب ، و لكن سرعان ما ينجذب نحو السينما ، وهكذا يختاره محمد لخضر حامينا بطلا في فيلمه " ريح الجنوب "1966 ثم تتوالى الأدوار والاقتراحات ، فهو أحد " الخارجين عن القانون "1968 لتوفيق فارس ، ويشارك في بطولة فيلم " إليز أو الحياة الحقيقيةe "1970 لميشال دراك. ، و يظهر تباعا في العديد من الأفلام منها ، "البدو "لسيدعلي مازيف 1975 والمفيد لعمار العسكري 1978 .
و مع بداية السبعينات يدخل عالم الإخراج بفيلمين "المصب 1972 و العاطلون 1974 ،و يساعد محمد لخضر حامينا في فيلم " رياح رملية "1982 ، وكذلك يساعد محمود زموري في " السنوات المجنونة للتويست " 1983 ، و لكن الفرصة الحقيقية لمحمد شويخ كانت مع فيلمه " القطيعة " 1982 حيث تمكن من إثبات قدراته التقنية و الفنية في عالم الإخراج ، و سرعان ما أكد تلك القدرات مع فيلمه الروائي الخيالي الثاني " القلعة " 1987 الذي جذب انتباه النقاد و المشاهدين في العديد من المهرجانات الدولية ، ومن خلاله بدأت تتبلور رؤية محمد شويخ الفنية ، ففي هذا العمل الفني المتميز حاول المخرج توجيه النقد إلى المجتمع الجزائري المتقوقع على ذاته ،و المليئ بالتناقضات الصارخة ، و لا يمكن فضحها لأنها خفية ، ومترسخة في الأذهان كهذه القلعة المحاطة بالصخور و الصخور الذهنية ، فالشاب قويدر يحاول بكل الوسائل جذب انتباه زوجة الإسكافي وعشيقة والده الشيخ الجيلالي رجل الدين ، وحين يدرك الوالد الحقيقة يقرر زواج ابنه لكنه لا يعثر على الفتاة التي تقوم بالدور ، فيقرر إجراء الزفاف بالاتفاق مع الجميع ، ويدخل قويدر إلى بيت الدخلة و يحاول مغازلة الشيء الجالس بجانبه ليكتشف أن العروس مجرد دمية ، فيخرج هاربا دون وعي و قصد وينتحر في مشهد مثير، و كأن المخرج تنبأ أن كل ما سيقترحه القائمون على البلاد هو مجرد خدعة ستؤدي لا محالة إلى أزمة حادة في كل مجالات الحياة .
القلعة فيلم من إخراج محمد شويخ ، سنة الإنتاج 1987 ، مدير التصوير علال يحياوي ، تركيب ياسمينة شويخ ، موسيقى جواد فاصلة ،تشخيص كلمن خالد بركات ، جيلالي عين تادلس ، فاطمة بلحاج ، سيرات بومدين ، نوال زعتر ، سيساني ، محمد بوعماري ،حيمور محمد .
في فيلمه التالي ينهل من نبع القصص القرآني ، في محاولة لمزج الرمز والواقع ، بالفعل إن قصة "يوسف "1993تحيلنا إلى معاناة النبي يوسف عليه السلام مع إخوته أقرب الناس إليه ، وفي ذات الحين تحيل على قصة أهل الكهف ، و هم مجموعة شباب هربوا من ظلم الملك ، فلجاوا إلى كهف ، ومكثوا فيه ثلاثة قرون ، و لما أفاقوا وجدوا أحوال المدينة تغيرت فاختاروا العودة إلى كهفهم ، يقينا منهم أنهم لن يستطيعوا العيش في المجتمع الجديد ، ومثل أصحاب الكهف ، يغيب يوسف عن الوعي بالأشياء حوله منذ 1960 حين أصيب برصاصة في رأسه ، ويفقد الذاكرة ،يلتحق ثانية بالجبل الذي حارب فيه المستعمر الفرنسي ، يلجأ إلى إحدى المغارات يعثر على رفات رفقائه في الحرب يدفنهم ثم يقرر اقتحام المدينة ، وهنا نكتشف أن يوسف فقد الذاكرة و لا زال يظن أن المستعمر رابض بالبلاد، و يكتشف يوسف أحوال المجتمع الجديد ، وتبدل إخوته في الكفاح ، و حصولهم على الامتيازات الكثيرة بفضل الشرعية التاريخية ، وبالمقابل يعيش الشباب حالة نفور منهم ، و يأس من وضعهم السيئ إلى درجة التفكير في الهروب إلى بلاد الضفة الأخرى .
آخر مهمة كلف بها يوسف الوطني القضاء على خائن حكم عليه بالموت ، لازال يتذكر المهمة بالرغم من محاولات إقناعه بأن الحرب انتهت ، و في الأخير يقرر المسؤولون تكريمه بمناسبة عيد الاستقلال ، و لكنه يصبح عنيفا في خطابه لكل من خان مبادئ و قيم الثورة التحريرية ، و تنتهي القصة باغتياله .
"ويرمز يوسف إلى النقد التاريخي لأحداث ما بعد استقلال البلاد ،ولهذا تكون نهايته المحتومة الاغتيال ".
إن اغتيال البطل ، يرمز إلى اغتيال النقد و الفكر و الضمير ، و بالتالي الاستمرار في الخطأ .
كما إن اختيار النهج الواقعي الرمزي كان قصديا عند محمد شويخ ، فهو يدرك جيدا أن تصوير الواقع غير مجد ي إذا لم نتبين الأسباب التي أدت إلى ما وصل إليه الواقع من أثار سلبية ، ولم يخف محمد شويخ في العديد من اللقاءات أن فيلمه هو تشريح لحالة الفشل التي وصل إليها المجتمع الجزائري .
" أنا أظهر الحقائق ولا أعطي الحلول " .
وفي فيلمه " سفينة الصحراء " 1997 ، يسير على نهجه الذي رسمه سالفا ، فمن جهة يريد المخرج التعبير عن الواقع السلبي الذي تعيشه الجزائر في العقد الأخير من القرن العشرين ، واقع أساسه التعصب والصراعات ، مما يؤدي حتما إلى الاقتتال و الدمار ، يختار محمد شويخ للتعبير عن الحالة الجديدة للمجتمع الجزائري ، واحة صغيرة وسط الصحراء الشاسعة ، هذه الواحة ترمز إلى الأمن والسعادة تتحول إلى جحيم إثر اكتشاف عشيقين من طرف قبيلتين مختلفتين متلبسين ، ينتقم من الشاب أمين بالضرب المبرح أما الفتاة مريم فتفقد حريتها ، إن هذا الحدث البسيط سيؤدي إلى تفكك مجتمع الواحة و تحطيم كل القيم التي كانت توحد مصيرهم ، و لكنه القطرة التي أفاضت الكأس ، فالفقر و أزمة الماء والبطالة أسباب جوهرية مكنت من إشعال الفتنة ونشر الضغينة والكراهية بين الفريقين .
و لكن الأطفال يشاهدون الأحداث دون فهم لتصرفات الكبار ، وهذا ما يدفع البطل الطفل إلى مغادرة الواحة متجها إلى الأفق المترامي من الرمال ، و رافضا البقاء مع جنون الكبار .
إن فيلم محمد شويخ الأقرب إلى الحكاية و الأسطورة ، يؤكد الاتجاه الواقعي الرمزي الذي اختاره المخرج دون وعي تام به ، فقد صرح في العديد من الصحف أن أفلامه ليست واقعية و لكنها تحيل إلى الواقع ، فهي أفلام عادية في نظره ، ولكنها تؤسس إلى اتجاه واقعي جديد في السينما العربية يزاوج بين الواقع و الرمز ، لذا يمكننا أن نطلق عليه " الواقعية الرمزية " .
و في سنة 2005 يعود محمد شويخ مرة أخرى للإخراج مع فيلم " دوار النساء " ، ليصور دور المرأة في التصدي للإرهاب ، في السنوات العجاف التي مرت بها الجزائر في التسعينات ، و هي عودة إلى الواقعية الحرفية ، فالمخرج اختار التعبير المباشر عن الواقع المر ، و حاول و هو كاتب السيناريو أن يعطي الحوار أهمية أكبر من جمالية الأحداث ، و هذا ما جعل النقاد يحسون تراجعا واضحا في أسلوب محمد شويخ .
و يبقى محمد شويخ أحد الممثلين الجزائريين المحظوظين ، لتمكنه من تحقيق أحلامه ، باجتيازه ببراعة الامتحان الصعب ، و هو الانتقال من أمام الكاميرا إلى خلفها ، إذ أثبت جدارته الفنية في الإخراج ، و لكن يبقى حلم المتفرج الجزائري معلقا ، و هو العثور على السينمائيين الجادين الذين يسعون إلى التجديد في السينما ، و إعطاء الخصوصية المغاربية للأعمال الفنية .









نشر في الموقع بتاريخ : الاثنين 23 رجب 1431هـ الموافق لـ : 2010-07-05

التعليقات
بلعامري فوضيل
 أستاذي الفاضل الدكتور بلية بغداد أحيك على مثابرتك السنمائية من أجل إبراز اعمدتها الذين أعطو للواقع السنمايئ في ظروف لم تكن لتعطيهم الحق في البروز لم بفضلكم سيدي الفاضل يعرف المخرج محمد شويخ واخرون تناستهم تكنلوجيات الصوت والصورة لكن أحقيتهم تبقى محفوظة كمراجع أساسية كتابة وإخراجا وتمثيلا ، من هذا المنبر الإعلامي الصامد أصوات الشمال تحية إجلال وإحترام كوني أعرفك ومع ذلك أخاف أغرق في بحر علومك
 


بغداد أحمد بلية
 ألأستاذ المحترم بلعامري فوضيل .
شكرا على الملاحظات القيمة .
جميل أن يهتم القارئ بالسينما الجزائرية و الأجمل أن يحلل المضامين .و هذا ما أسعى إليه . 




أكتب تعليقك عن هذا الموضوع
*
*
*

اتصل بالكاتب
أخبار سريعة

مواعيد ثقافية " رؤى "

برنامج " رؤى " مع الاعلامية غنية سيد عثمان

اصوات الشمال
مواضيع سابقة
غياب
بقلم : سامية رحاحلية
غياب


حصيلة لسجال جميل.
بقلم : فضيلة زياية ( الخنساء).
                                     حصيلة لسجال جميل.


يارمزمجد للسلام محمـــــد
بقلم : د.فالح نصيف الحجية الكيلاني
يارمزمجد للسلام محمـــــد


الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات
بقلم : شاكر فريد حسن
الى القائد الفلسطيني الخالد ياسر عرفات


فقط أروها بالحب
السيدة : وفاء احمد التلاوي
فقط أروها بالحب


اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد"عمر بوشيبي"رحمة الله عليه
بقلم : سعدية حلوة - عبير البحر
اتحاد كتاب فرع سيدي عيسى يُقيم تأبينية على روح الفقيد


كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة
بقلم : إسماعيل غراب عراني
كتاب جديد للدكتور محمد سيف الإسلام بوفلاقة


أحفاد عقبة بن نافع الفهري
بقلم : الدكتور فؤاد فلياشي
أحفاد عقبة بن نافع الفهري


رؤيا..
بقلم : وردة ايوب عزيزي
رؤيا..


الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !
بقلم : د. سكينة العابد
الإعلام الثقافي : القوة الناعمة !




ما ينشر في الموقع لا يعبر بالضرورة عن رأي المجلة. 
ميثاق الشرف الإعلامي للموقع
جميع الحقوق محفوظة لمجلة أصوات الشمال
1440هـ - 2018م
من انجاز وتصميم شركة الراشدية - www.rachidia.ca بكندا
في حالة وجود أي ملاحظة نرجو منكم مراسلتنا على   info@aswat-elchamal.com